أردوغان يقود اليمين المتطرف المتمثل في الإسلام السياسي والقوميين

أردوغان يقود اليمين المتطرف المتمثل في الإسلام السياسي والقوميين

مشاهدة

22/06/2020

مطلع الشهر الحالي، تعرض شاب كردي لا يتجاوز عمره الـ 20 ربيعاً للقتل في تركيا، لمجرد أنّه كان منهمكاً في سماع الموسيقى الكردية، وبينما كان الشاب العشريني يجلس في إحدى حدائق العاصمة التركية، أنقرة، وسط أصدقائه، وتحديداً، في ضاحية إتيمسجوت، تهالك عليه ثلاثة أفراد لقتله بوحشية، وبصورة انتقامية؛ إذ طعنوه بالسكاكين في أجزاء متفرقة بجسده، ما يدلّ على الحقد القومي والعنصرية التي تمارسها جماعات راديكالية على صلة بالنظام، ضدّ المنتمين إلى مرجعيات قومية ودينية وثقافية وإثنية مختلفة.

الإرهاب والقتل في تركيا

لا تعدّ الحادثة الأخيرة واقعة فردية أو حالة استثنائية، بل ثمة وقائع أخرى، تتباين من خلالها الانتهاكات الجمة التي يقع تحت وطأتها الأكراد في تركيا، وذلك على أكثر من مستوى؛ حيث قضت الفنانة الكردية، هيلين بولاك (28 عاماً)، قبل شهرين من تلك الواقعة، في ظروف مشابهة، لكنّ ملابساتها أكثر وضوحاً ودقة؛ حيث تنتمي بولاك إلى إحدى الفرق الموسيقية اليسارية في تركيا، والمعروفة باسم "يوروم"، وذلك بعد نحو 300 يوم من تنفيذها إضراباً عن الطعام، اعتراضاً على القمع والوحشية اللذين تتعرض لهما فرقتها الموسيقية من جانب أجهزة الأمن التركية، وحالة التضييق الأمني على نشاط المراكز الثقافية.

وبالقياس على الحادثتين الأخيرتين، فإنّ الأمر يكاد لا يختلف في درجته بين مدني أو سياسي معارض، وكذلك بين فريق غنائي ورياضي أو مجموعة حقوقية، تنشط للدفاع عن ذاكرة مجموعة من البشر، تتعرض للإبادة الثقافية، بل ثمة حاضنة قوية، على ما يبدو، تتوافر في كافة الحالات بفضل النظام التركي، وجهازه الأيدولوجي، تضع مزيداً من الإغراءات أمام الفاشيين الجدد.

اقرأ أيضاً: ما لا يفهمه أردوغان: الضوء الأخضر الأمريكي ينتهي قبل سرت

الشاب الكردي، الذي قضى بهذه الطريقة المأساوية والدموية، سبقه إلى المصير نفسه أفراد آخرون من عائلته، بحسب شهادات وثّقتها مصادر إعلامية محلية، كما تبارى عدد من المسؤولين الأتراك، والمنصات الإعلامية القريبة من النظام إلى التبرير والتشويش على القضية، للتقليل من تداعياتها؛ حيث نفى حاكم أنقرة وجود شبهة عنصرية في دوافع القتل، كما ورد في بيان رسمي، مشددداً على أنّ الشاب "كان يستمع لأغان صاخبة، وبصوت عال، أثناء الأذان، فنشب الشجار لأنّ الشباب الأتراك طلبوا منه أن يخفض صوت الأغنية احتراماً للأذان".

مناورات وأكاذيب النظام التركي

وبينما حاول المسؤولون الأتراك إيجاد حجج ساذجة، لا تصمد أمام المنطق، لتبرير قتل الشاب الكردي، إلا أنّها فضحت سياسات النظام العنصرية، وانحيازاته المباشرة من جهة، كما كشفت موقعهم الحقيقي من الجريمة، من جهة أخرى، وذلك بقدر ما حاولوا الاستعانة بها للتعمية عن بشاعة الموقف، وقد اتهمت رمزية طوسون، النائبة في البرلمان التركي، النظام بممارساته العنصرية والفاشية، ولفتت إلى وجود سياسات تحريضية متعمدة ضد الوجود الكردي؛ حيث غردت على حسابها في "تويتر" بأنّ "بعض الناس معادون لكلّ شيء عن الأكراد! هذا العداء سيفضي بكم إلى النهاية، أنتم فاشيون".

وكتب شورش درويش، الكاتب الصحفي الكردي، عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: "قتلوا الفتى الكردي بالسكاكين، كان يستمع إلى أغنية كردية فنال العقاب، حدث ذلك للفتى ذي العشرين عاماً في دوحة الديمقراطية وكعبة العلمانية، أنقرة".

بيد أنّ هجوماً آخر نشب بين النائب البرلماني الكردي، حسين كاظمز، ومساعد وزير الداخلية التركي، بوراك غولتكي، عبر منصة "تويتر"؛ إذ وجه الأول سؤالاً مقتضباً لوزير الداخلية، سليمان صولو، يحمل غضباً مكتوماً، وإشارة مستترة بمسؤولية الأخير وضلوعه فيما حدث، حيث قال: "هل أنت سعيد الآن، سليمان صويلو؟".

اقرأ أيضاً: رفض إقليمي ودولي واسع لجرائم الوفاق وأردوغان في ليبيا.. أبرز ردود الفعل

ومن جانبه، ردّ مستشار وزير الداخلية بتغريدة قال فيها: "جاكان وأصدقاؤه كانوا في سيارة عندما اندلعت المعركة، لأنّ الموسيقى كانت عالية جداً، ولا علاقة لها بلغة الموسيقى"، مضيفاً: "السلطات ذات الصلة ستوجه اتهامات لك بالتحريض علناً على الكراهية والعداء".

الإعلام والأمن التركي.. أدوات للترهيب والقمع

وفي حين عمد الإعلام التركي الموالي للنظام إلى تثبيت سردية أنّ القتل جرى بعيداً عن دوافع العنصرية والتطرف القومي، فقد قام الأمن هو الآخر بدوره في ممارسة الضغط والتهديد على والد الضحية، وابن عمه؛ حيث تمّ القبض عليهما واعتقالهما تعسفياً، بعد أن تصدّرا وسائل الإعلام وفضحا ملابسات الحادث، وخلفياته المتكررة، مما أرغمهما على الإذعان والتراجع عن تصريحاتهما المتداولة في الإعلام.

في ظلّ التصعيد ضدّ الأكراد، طالب حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا باصطفاف قوى المعارضة ضد الحكومة التي يتنامى استبداده

وعليه، قال والد الشاب الكردي للإعلام التركي: "مقتل ابني لا صلة له بالأغاني بالكردية.. وقد سبق وحذّر المهاجمون ابني من عدم الاستماع إلى الأغاني، بصوت مرتفع، خلال إذاعة الأذان ومن ثم طعنوه بعد جدال بينهم"، حسبما نقلت عنه وكالة "الأناضول" التركية الرسمية.

لكنّ حزب الشعوب الديمقراطي التركي، شدّد على أنّ "تشاكان قتل بدوافع عنصرية لأنه كان يستمع إلى الأغاني الكردية"، وذكر في بيان رسمي: "العقلية التي قتلت تشاكان تغذي نفسها إغلاق المدارس التي تدرس الكردية وإزالة اللافتات الكردية".

تعدّ منظمة "الذئاب الرمادية"، التي سبق ورفع الرئيس التركي، شعارها الشهير في مناسبات عديدة، متورطة في عملية قتل الشاب الكردي، بالإضافة إلى غيره، وذلك على خلفية النعرات اليمينية المتشددة ضدّ القوميات المختلفة، سواء كانوا أكراد أو أرمن؛ فهي إحدى الحركات القومية المتطرفة التي انخرطت في حوادث قتل واغتيال منذ عقود، علاوة على كونها ذراع الرئيس التركي الذي يبطش به خصومه السياسيين، والجماعات المعارضة له، محلياً وخارجياً، خاصة أنّها الجناح المسلح، غير الرسمي، لحزب الحركية القومية الذي هو أحد الأحزاب المؤيدة والحليفة لأردوغان.

أردوغان يبعث "الذئاب الرمادية"

يحفل سجل المنظمة المتطرفة، التي تأسست في ستينيات القرن الماضي، بجرائم عنصرية عديدة؛ حيث دشنت العديد من العمليات الإرهابية، فقتلت 100 علوي عام 1978، وفي العام ذاته، أعدمت نحو 14 طالباً يسارياً داخل جامعة إسطنبول، كما أنّ عداءها التاريخي مع الأكراد، بوجه خاص، جعل ممارساتها العدوانية لا تتجمد عند نقطة بعينها؛ إذ استخدمها أردوغان في صراعه بسوريا، خلال الأعوام الأخيرة، وتحديداً، إبان معركة "نبع السلام" ضدّ الأكراد في شمال شرق سوريا، وذلك في سبيل تنفيذ مخططاته السياسية والعسكرية، والتي من بينها التغييرات الديموغرافية ضدّ السكان المحليين للمنطقة.

اقرأ أيضاً: أردوغان يواصل حربه على وسائل التواصل الاجتماعي

وكشف المركز الأوروبي لحقوق الإنسان؛ أنّ المنظمة تشارك التركمان في سوريا بالمساعدات العسكرية، وتمدهم بالعناصر القتالية من خلال الأفراد المنتمين لحزب الحركة القومية.

وفي ظلّ التصعيد ضدّ الأكراد، طالب حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا، قبل أيام قليلة، باصطفاف قوى المعارضة في "تحالف الديمقراطية" ضدّ الحكومة التي يتنامى استبدادها، وقالت بروين بولدان، الرئيسة المشاركة لحزب الشعوب الديمقراطي، في مؤتمر صحفي: إنّ "الضغط السياسي على المعارضة والاتجاه الاستبدادي للحكم يخنقان المواطنين".

وخلال الأسبوع الماضي؛ شهدت إسطنبول "مسيرات الديمقراطية" التي احتشدت للاحتجاج على الممارسات القمعية لـ "الحكومة الأمنية" ضدّ المعارضين، وإجراءات العزل التي وقعت بحقّ رؤسات وحكّام نصف بلديات تركيا، وسجن نوابهم، الأمر الذي واجهته قوى الأمن باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المظاهرة.

أردوغان رأس الإرهاب في تركيا

وإلى ذلك، يرى الكاتب والباحث السياسي، مصطفى عبدي، المتخصص في الشأن التركي؛ أنّ تركيا تعيش منذ مرحلة ما يعرف بالانقلاب العسكري الفاشل حالة الطوارئ، علاوة على أنّ البنية القانونية التقليدية وقضية فصل السلطات باتت خاضعة تماماً لسلطة الجهاز التنفيذي، وقصر الرئاسة تحت سيادة ونفوذ أردوغان، وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة في وصف الإجراءات التعسفية بحقّ المناخ السياسي القائم، فإنّ تركيا تعيش تحت وطأة نفوذ اليمين المتطرف، المتمثل في الإسلام السياسي الراديكالي، والجماعات القومية المتطرفة، بقيادة أردوغان، وكلاهما يفرض سطوته على المناخ السياسي العام، بواسطة التحالف مع الحزب القومي المتطرف، بقيادة دولت باهتشلي، وتيار يساري يطلق على نفسه جماعة "أورواسيون"، ولديهم نفوذ كبير داخل أجهزة الأمن، والمخابرات، والجيش، بقيادة دوغو برنتشيك.

التيارات اليمينية المتطرفة في تركيا تستفيد من موجة صعود اليمين العالمي، كما تفرض مناخاً من الرعب وفق قانون الطوارئ

وفي العموم، هذه التيارات اليمينية المتطرفة تستفيد من موجة صعود اليمين العالمي، كما تفرض مناخاً من الرعب وفق قانون الطوارئ المعادي لقيم الديمقراطية وسيادة القانون، بحسب عبدي الذي يضيف لـ "حفريات": "في الحقيقة، هذه التكتلات الثلاثة تعدّ المناخ السياسي الحرّ، والانفتاح على الديمقراطية، والقضية الكردية، بمثابة نهاية لوجودهم السياسي، ومن دون قوانين الطوارئ والميليشيات التي تجندها هذه الأطراف باعتبارها أسلحة خفية وعلنية في آن تعمل لصالحهم، وبمثابة كيان موازٍ لمؤسسات الدولة الرسمية، فلن يكون بمقدورهم تصفية الحركات الديمقراطية القانونية؛ فنحن أمام كيان تسلطي وقمعي، يستأثر بالسلطة، ويمارس القمع ضدّ إرادة المواطن والناخب التركي، وقد يكون من السذاجة أن نتحدث عن دولة القانون والدستور وقوة البرلمان في تركيا؛ لأنّ أردوغان واليمين التركي يوظفون أجهزة الديمقراطية التمثيلية فقط لصالح تعزيز نفوذهم".

ويتناول عبدي ما يصفه بالفاشية في التعامل مع الخصوم، من خلال "الازدواجية في المعايير، وممارسة العنف اليومي ضدّ الأقليات، فضلاً عن اعتقال المعارضين والخصوم السياسيين لتكميم الأفواه، باتت مطبقة بصورة تشبه الأنظمة الفاشية، بل وتتقاطع تماماً مع الأنظمة الهتلرية، خاصة في ظلّ حملات القتل المتكررة في المناطق الكردية بتركيا، وصولاً إلى استهداف المناطق الكردية في سوريا، مثل: عفرين ورأس العين وتل أبيض، وذلك على وقع ممارسات عدوانية أخرى، تطال البنية السكانية والثقافية، ما ينجم عنه هجرات جماعية، ومحاولات إبادة ثقافية، لا يستثنى فيها الأطفال أو النساء".



الوسوم
الصفحة الرئيسية