ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟

مصر

ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟

مشاهدة

23/10/2018

في كتابها الاختلاف الديني في عصر علماني المنشور عام 2015 عملت الباحثة صبا محمود على تقصي السجالات التي تزامنت وإعداد أول دستور لمصر عام 1929 والتي أسفرت عن التوافق على صيغة ما لدولة علمانيّة (تعتبرها صبا غير منقوصة بالمرة). وكانت هذه لحظة فارقة في التطور الذي عرفته مصر على مدار قرنين.

تمحورت هذه السجالات حول كيفية رسم الحد الفاصل بين الدين والسياسة، وكيفية تحقيق التلاحم الاجتماعي على أسس عقلانية (وبراغماتية أيضاً) وتجاوز الاختلافات الدينية وضمان فصل الانتماء الديني للفرد عن موقعه السياسي والمدني.

غلاف كتاب "الاختلاف الديني في عصر علماني" للباحثة صبا محمود

سجالات مؤسِسة

يقول سيف عبدالفتاح في ورقته التي جاءت بعنوان تجديد الفكر الديني من الحملة الفرنسية إلى الحملة الأمريكية ضمن كتاب حال تجديد الخطاب في مصر إن خطاب الهويّة ظل حتى الربع الأول من القرن العشرين خطاباً دينياً، وتبدى ذلك في كتابات الإمام محمد عبده ورشيد رضا وطائفة من الكتاب في جرائد اللواء والعلم والدستور بالإضافة إلى الحزب الوطني، إلا أنه دخل على هذا الخطاب توجه سياسي لا يكترث بالتكيف الديني للمسألة (السياسية) بل ينازع على الهوية الوطنية.

أقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (40): كيف استخفّت الجماعة بفكرة الدولة والحزبية والدستور؟

ولا يتوافق المخطط الزمني للأيديولوجيات الذي فصّله عبدالفتاح مع حقيقة أن الظواهر الفكرية والسياسية لا تحدث على طريقة التتابع، فكلا الخطابين: الإسلامي (المرتبط بالخلافة العثمانية كإطار جامع، أو المحلي المنهمك في انشغالات الواقع المصري ويمثله علماء الأزهر) والعلماني -تزامناً وتصارعاً إلا أنّ التوجه العلماني كان أكثر سطوة بحكم ارتباطه بالميل المتصاعد للحس الوطني تحت الضغط الاستعماري.

كانت للنزعة القومية المصرية (مصر للمصريين) جاذبية شديدة لدى الطبقة البرجوازية التي كانت الحاضنة الاجتماعية المثالية للعلمانيين

كما أنّ الانتفاضة الجماهيرية عام 1919 أعطت الحس والثقافة العلمانيين زخماً كبيراً بإلحاحها على الفكرة الوطنية وتنحيتها الحساسيات الدينية جانباً، إلا أنّ ذلك لم يقضِ على التعددية الصراعية حول طبيعة الدولة، (وإن كان الصراع حُسم مرحلياً لصالح التوجه العلماني)؛ فقد بقي خطاب تسكين الهوية المصرية ضمن إطار الجامعة الإسلامية فاعلاً على نحو ما تبناه المنحدرون من الحزب الوطني، وثلة من علماء الأزهر وصولاً إلى الفقيه الدستوري عبدالرازق السنهوري.

وتبلور، في المقابل، تيار آخر رافضاً للفكرة الوطنية نفسها لصالح الهوية الإسلامية الجامعة التي لا تعترف بالتجزئة ولا بالدولة القُطرية، كما عبر عنه عبدالعزيز جاويش وإبراهيم المويلحي ورشيد رضا الذي سيسلم الراية لجماعة الإخوان المسلمين.

لم تقضِ ثورة 1919 على التعددية الصراعية حول طبيعة الدولة

سبقك بها العلماني

أبرزت لحظة كتابة أول دستور لمصر 1923 تفوقاً حاسماً للتوجه العلماني التحديثي على نظيره الإسلامي التقليدي الذي خاض الأزهر المعركة بالنيابة عنه حتى إذا تأسست الجماعات الدينية كالإخوان المسلمين (1924) كانت المعركة قد انتهت في جولتها الأولى المؤسِسة؛ فلجأت الجماعة إلى محاولة أسلمة الدولة عبر أسلمة المجتمع، وهي القضية التي كانت ولا تزال العنصر الحاكم في وعي ومسار تلك الجماعة.

اتسمت محاولات الأزهر بعدم الوضوح الأيديولوجي، ولم يستطع تقديم بدائل واضحة لما يعارضه من علمنة، فضلاً عن عدم امتلاكه مشروعاً سياسياً فكان قبوله بتقاسم السلطة مع الدولة، عبر باب الأحوال الشخصية، هو أكبر مكسب يمكن تصوره آنذاك.

أبرز أول دستور لمصر 1923 تفوقاً حاسماً للتوجه العلماني التحديثي على نظيره الإسلامي الذي خاض الأزهر المعركة بالنيابة عنه

في المقابل كان الوفد؛ الكيان السياسي الأكبر في البلد، يمتلك مشروعاً مكتمل الملامح قوامه الوطنية المصرية المستقلة عن المظلة الإسلامية التي لطالما أكد ضرورتها الحزب الوطني ذو النزعة الدينية المحافظة والذي اعتبر أنّ "حب الوطن من الإيمان" بينما رفع الوفد شعار "الدين لله والوطن للجميع" وتفسيره زحزحة لموقع الدين من دائرة الهوية أو تأكيد القومية المصرية كدائرة انتماء قائمة برأسها.

وكان هذا الخطاب، الذي مفصله أحمد لطفي السيد سابقاً، وتبناه الوفد ومفكرون من طراز طه حسين وسلامة موسى لاحقاً، مواكباً لانهيار الخلافة العثمانية، وهو الخطاب الذي تم تفعيله جديّاً في الممارسة السياسية، عبر تمثيل الأقباط في أرفع مستويات الوفد بهدف إحلال الوحدة الوطنية محل الوحدة الإسلامية الغاربة، وتم "تنصيصه" كإطار حاكم علماني في قوامه لدولة وطنية لا يعدو الدين فيها سوى رمزية ثقافية مرشحة للتحول إلى ساحة للصراع حول تأويلها.

 

 

ولمقاومتهم الاحتلال الإنجليزي لمصر جنباً إلى جنب، تمتع الأقباط بمكان الصدارة في التأريخ القومي لمصر، كما تشير صبا محمود، وحققوا بذلك مساواة سياسية مع نظرائهم من المسلمين خلال هذه الحقبة التأسيسية من تاريخ مصر، وإن كان سرعان ما تدهورت تلك المكانة في حقبة ما بعد الاستعمار.

حيازة الدولة

بتأسيس الدولة الحديثة، حتى قبل تأطير فلسفتها الحاكمة بالدستور، وبإلحاق الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي مع محمد علي والخديوي إسماعيل، أصبحت الرأسمالية قوة عاتية في المجتمع المصري لتنشأ طبقة من كبار ملاك الأراضي الذين تحولوا إلى تجار كبار للقطن مع بريطانيا في البداية واليابان ألمانيا لاحقاً، حتى تحولت مصر إلى مزرعة قطن كبيرة، ومع تذبذب أسعار القطن وتعسف البنوك الأجنبية في تمويل المشروعات الزراعية أثناء الأزمة الاقتصادية المؤقتة في 1907 لجأ كبار الملاك إلى توظيف رأسمالهم في المشروعات التجارية والصناعية وأسفر ذلك عن تأسيس بنك مصر في النهاية.

موسم جمع القطن في مصر أوائل التسعينيات

بالتزامن مع ذلك ارتأت العائلات الثرية أن تزج بأبنائها في المدراس الأجنبية، وأن ترسلهم في بعثات علمية للخارج بحكم الضبابية التي لفت السياسة الزراعية في مصر في أوائل القرن العشرين وغموض مستقبل "العاطلين بالوارثة" الذين عادوا من الخارج ليحوزوا السلطة السيادية للدولة.

أعطت الانتفاضة عام 1919 الحس والثقافة العلمانيين زخماً كبيراً بإلحاحها على الفكرة الوطنية وتنحية الحساسيات الدينية جانباً

وعلى عكس الأرستقراطية التركية والشركسية المرتبطة سياسياً وأيديولوجياً بالخلافة العثمانية، لم تكن البرجوازية المصرية على أي صلة بها، بل على العكس كانت ترى في  تلك الأرستقراطية منافساً اجتماعياً في وقت كان فيه جُلّ مصالحها التجارية مرتبطة بالدولة في الداخل والشركات الكبرى في الخارج، ومن ثم كانت للنزعة القومية المصرية (مصر للمصريين) جاذبية شديدة لدى هذه الطبقة التي كانت الحاضنة الاجتماعية المثالية للعلمانيين المصريين.

اقرأ أيضاً: أزمة الحداثة في مصر.. قراءة في فكر السيسيولوجي أحمد زايد

وبحيازة الاستقلال الجزئي لمصر في 1923 بدأ الصعود التاريخي لهؤلاء الذين تحولوا إلى النخبة الحاكمة التي صار بيدها المصير السياسي والثقافي للبلاد، والذين أحالوا قضية الوحدة الإسلامية إلى غياهب التاريخ، وثبّتوا محلها الهوية الوطنية كفلسفة سياسية حاكمة للدولة، وكأمر واقع لم يرق أي جدال بشأنه سوى مع صحافة الإخوان في أواخر الثلاثينيات، أي في وقت كانت فيه القضية محسومة سلفاً.

أبرزت كتابة أول دستور لمصر تفوقاً حاسماً للعلمانية على التوجه الإسلامي

فحتى مع مناوشات صحافة الإخوان ونشاطهم، في الجامعات خلال الأربعينيات، أصبحت العلمانية واقعاً صلباً لا يمكن تجاوزه إلا بلحظة فارقة إسلامية (أُدركت في أوائل الثمانينيات إلا أنّ الانقسام الاجتماعي بين الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الراديكالية فوتها) لم تأتِ وربما ولن.

اقرأ أيضاً: المصريون والجيش... و "الإخوان"

ورثت دولة التحرر الوطني الناصرية الهيكل السياسي المعلمن والجهاز البيروقراطي المعقلن بالمعنى الفيبري (نسبةً إلى ماكس فيبر) وبتحطيمها للقوة الإستراتيجية للإسلام السياسي (ممثلة في جماعة الإخوان) وإعادة تنظيمها للأزهر ثبّتت العلمانية كمسلّمة سياسية مضمرة (وقابلة للتحوير) للدولة المصرية.

الصفحة الرئيسية