ماذا نعرف عن الأقلية المسلمة في اليونان؟

ماذا نعرف عن الأقلية المسلمة في اليونان؟

ماذا نعرف عن الأقلية المسلمة في اليونان؟


22/11/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

أولت اليونان دوماً أهميّةً كبيرةً لتنفيذ سياسات تضمن ثلاث قِيَم عزيزة عليها: المساواة أمام القانون، واحترام حقوق الإنسان والحرّيّات الدّينيّة، وتكافؤ الفرص للجميع - بما في ذلك أفراد الأقلّيّة المسلمة في إقليم تراقيا.

لسوء الحظّ، يؤدّي هذا الوضع أحياناً إلى سوء فهم وسوء تمثيل للحقائق.

نشرت صحيفة «ذي ناشونال»، مؤخّراً، مقالة رأي بعنوان «لماذا لا تزال المنطقة الحدوديّة بين تركيا واليونان موقعاً لبؤس المهاجرين»، بتاريخ 24 تشرين الأوّل (أكتوبر)، حول محنة عدد من هؤلاء المهاجرين. ومع ذلك، فإنّ المقالة تُسيء تفسير الحقائق في موضعين: أحدهما يتعلّق بالحادثة المأساويّة التي وقعت الشّهر الماضي والتي شَمِلت مهاجرين في منطقة إيفروس اليونانية، والآخر يتعلّق بوضع الأقلّيّة المسلمة في إقليم تراقيا.

بهدف استعادة الحقيقة ووضع الأمور في نصابها، يتحتّم عليّ أن أوجّه انتباه القرّاء إلى بعض الحقائق.

أسّست «معاهدة لوزان» لعام 1923 مكانة الأقلّيّة المسلمة في تراقيا، وحدّدتها على أساس الدّين من دون الإشارة إلى الأصول الإثنيّة لأفرادها (التّركيّة، والبوماكيّة، والغجريّة). وأحكام المعاهدة واضحة ولا يمكن تغييرها أو تحريفها.

ومن الواضح بالدّرجة نفسها أنّ الدّولة اليونانيّة اتّخذت تدابير تَهدِف إلى تعزيز الهويّة الثّقافيّة للأقلّيّة المسلمة في تراقيا وحمايتها، فضلاً عن تسهيل حصول أفرادها على وظائف في القطاع العام.

حقوق الأقلّيّات

وتجدر الإشارة، أيضاً، إلى أنّ أفراد الأقلّيّة هم من مواطني الاتّحاد الأوروبيّ ويتمتّعون بمجموعة واسعة من حقوق الأقلّيّات، بالإضافة إلى الحقوق والحرّيّات المكفولة لجميع المواطنين اليونانيّين من دون أيّ تمييز.

على المشارف الغربية لأثينا، حيث سيتم بناء مقبرة للمسلمين بجوار مقبرة أرثوذكسية

يشارك أعضاء الأقلّيّة المسلمة بنشاط في جميع جوانب الحياة العامّة، والمدنيّة، والسّياسيّة اليوميّة. في الانتخابات البرلمانيّة المتعاقبة منذ عام 1927، انتُخِبَ أعضاء من الأقلّيّة نواباً. ويوجد حالياً ثلاثة نوّاب من الأقلّيّة المسلمة في البرلمان.

كما لم تدّخر الدّولة اليونانيّة أيّ جهد لتأمين الحقوق التّعليميّة لأطفال الأقلّيّة. تعمل في تراقيا أكثر من مائة مدرسة، بالإضافة إلى مؤسّستين قرآنيّتين.

أفاد المهاجرون، الذين أنقذتهم الشّرطة اليونانيّة، بأنهم نُقلوا إلى الجانب التّركيّ من نهر إيفروس في مركبات تركيّة وأُجبروا على عبوره للوصول إلى الجانب اليونانيّ

وقد شُرِعَ في خطوات إضافيّة لتمكين أفراد الأقلّيّة، خاصّة النّساء والشّباب، من الاستفادة من المشاريع الوطنيّة التي تركز على الحفاظ على المساواة بين الجنسين، ومكافحة العنصريّة وكراهية الأجانب، وتحسين الحصول على العمل، والحوار بين الثّقافات.

علاوةً على ذلك، يعمل أكثر من 240 مسجداً في الإقليم، وهو أعلى معدّل للمساجد نسبةً إلى عدد المواطنين المسلمين في أوروبا.

المثال الأكثر توضيحاً للسّياسات المواتية للأقلّيّة المسلمة هو القانون الجديد المتعلّق بالمفتيين، والذي ينصّ على أوسع شمول ممكن في عمليّة اختيار المفتين.

المقالة التي أشرت إليها في مستهلّ حديثي تتحدّث عن أفراد الأقلّيّة المسلمة الذين فقدوا جنسيّتهم. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ اليونان، التي تدرك تماماً التزاماتها الدّوليّة، عالجت هذه المسألة من خلال إصلاح قانون الجنسيّة الخاصّ بها في عام 1998.

استعادة الجنسية

كنتيجة فوريّة ومباشرة لهذا التّشريع، يجوز لأيّ شخص يحقّ له استعادة جنسيته أن يفعل ذلك باتّباع الإجراءات الإداريّة ذات الصّلة المنصوص عليها في القانون.

قبل أن يُلقي أيّ شخص محاضرةً على اليونان، يجب أن يكون معروفاً أنّه لا أحد تقريباً من بين آلاف الأشخاص المنحدرين من أصل يونانيّ الذين أجبروا على مغادرة تركيا خلال مذبحة عام 1955 وعمليّات تسليم عام 1964 قد عاد إلى منزله.

في الواقع، في حين أنّ الأقلّيّة المسلمة في تراقيا لا تزال تضمّ حوالي 120 ألف عضو، فإنّ عدد أفراد الأقلّيّة اليونانيّة في تركيا يصل إلى أقلّ من ثلاثة آلاف شخص - نزولاً من حوالي 120 ألفاً عندما وقِّعَت «معاهدة لوزان» قبل ما يقرب من مائة عام.

بيان أوروبي: يأسف الاتّحاد الأوروبيّ بشدّة للسّياسات التّمييزيّة السّابقة التي نفّذتها تركيا، والتي أدّت إلى أن تكون الأقلّيّة اليونانيّة حالياً على وشك الانقراض

تتحدّث الأرقام عن حقيقتها العنيدة وتُشكّل أفضل دليل على أنّ اليونان تتبع سياسةً تُعزّز التّعايش السّلميّ في تراقيا للأقليّة داخل الأغلبيّة.

كما جاء ببلاغة في بيان الاتّحاد الأوروبيّ الأخير بمناسبة الذّكرى الثّلاثين لـ«إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقلّيّات قوميّة أو إثنيّة وإلى أقلّيّات دينيّة ولغويّة»: «يأسف الاتّحاد الأوروبيّ بشدّة للسّياسات التّمييزيّة السّابقة التي نفّذتها تركيا، والتي أدّت إلى أن تكون الأقلّيّة اليونانيّة حالياً على وشك الانقراض». إن هذا التّصريح لا يحتاج إلى شرح.

رجال الشرطة يقومون بدوريات بجانب جدار حديدي في نهر إفروس، بالقرب من قرية بوروس، على الحدود اليونانية التركية

كما أنّ المقالة التي أشرت إليها تحرّف الحقائق المتعلّقة بالحادث الذي شمل 92 مهاجراً على نهر إفروس.

أفاد المهاجرون، الذين أنقذتهم الشّرطة اليونانيّة، بأنهم نُقلوا إلى الجانب التّركيّ من نهر إيفروس في مركبات تركيّة وأُجبروا على عبوره للوصول إلى الجانب اليونانيّ. وبحسب شهاداتهم، تعرّضوا للسّرقة وجُرحوا على يد السّلطات التّركيّة. من جانبها، أبلغت الشّرطة اليونانيّة على الفور «هيئة الحدود وخفر السّواحل الأوروبيّة» ونظّمت عمليّة إنقاذ.

يثبت هذا الحادث المقيت أنّ تركيا تواصل استخدام المهاجرين في انتهاك لحقوق الإنسان الخاصّة بهم.

أنقرة ترفض الالتزام

ومن الواضح، أيضاً، أنّ أنقرة ترفض الوفاء بالتزاماتها الدّوليّة، بموجب «البيان المشترك بين الاتّحاد الأوروبيّ وتركيا» لعام 2016.

من ناحية أخرى، ستستمر اليونان في حماية حدود الاتّحاد الأوروبيّ بطريقة فعّالة وملائمة، والوفاء بالتزاماتها كدولة عضو في الكتلة وفي منطقة «الشّنغن».

بالنّظر إلى كلّ هذا، من اللافت للنّظر أنّ المقالة تغفل أيّ إشارة إلى المهاجرين الذين توجّههم السّلطات التّركيّة نحو حدودها البرّيّة والبحريّة. إنّها تساوي فعليّاً الجاني بالضّحيّة وتشوّه الواقع على الأرض.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

أنتونيس الكسندريديس، ذي ناشونال، 10 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2022




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية