لماذا مولت قطر حزب الله؟

لماذا مولت قطر حزب الله؟

مشاهدة

09/08/2020

"قطر، الإمارة الصغيرة التي تستعدّ لتنظيم كأس العالم بعد عامين، أصبحت لاعباً نشطاً بشكل مذهل في عالم تمويل التطرف ودعم المنظّمات المتطرفة" هكذا بدأت صحيفةDie Zeit" " السياسية الألمانية المرموقة تحقيقها عن دور قطر في تمويل عمليات حزب الله. وأشارت الصحيفة الألمانية إلى "وجود دلائل ملموسة على تدفق الأموال من قطر إلى الجماعات المتطرفة مثل حزب الله، وهذا سيزيد الضغط على الدوحة، وقد يعرّضها لعقوبات كبيرة".

 فقد كشفت الصحيفة عن علاقة قطر بحزب الله عبر عميل كان وسيطاً في شراء أسلحة ومعدات عسكرية ثقيلة لصالح حزب الله، إضافة إلى معلومات عن تبرعات بمبالغ طائلة جمعتها مؤسسة قطرية خيرية شهيرة، بمعرفة مسؤولين كبار في الحكومة القطرية، وذهبت إلى حزب الله في لبنان.

العلاقة بين حزب الله وقطر ليست بالأمر الجديد فهي ممتدة منذ سنوات طويلة

العلاقة بين حزب الله وقطر ليست بالأمر الجديد، فهي ممتدة منذ سنوات طويلة، بامتداد علاقة قطر بإيران، والتي تأتي على حساب الأمن القومي العربي في كثير من الأحيان، ففي العام 1992 ظهر الخلاف الحدودي بين السعودية وقطر على منطقة الخفوس، فاستغلّ الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني ذلك الخلاف وأعلن مساندة إيران لقطر، ما حدا بالأمير القطري خليفة بن حمد آل ثاني، جدّ الأمير الحالي، إلى إرسال رسالة شكر له لموقفه الداعم لقطر، لتبدأ سلسلة من العلاقات القطرية الإيرانية وأفرعها، وعلى رأسها حزب الله.

ومن المعروف أنّ حزب الله هو صنيعة إيرانية في المنطقة العربية، أُسّس على يد قادة فيلق الحرس الثوري الإسلامي في 16 شباط (فبراير) 1985، وتصريحات قادة الحزب وميثاقه تؤكد دوماً التبعية للثورة الإيرانية ومرشدها، وصور قادة إيران وعلمها تسيطر على مرافق وفعاليات الحزب، ويتداخل البعدان؛ السياسي والديني في سياسته؛ فكوادره تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويُعتبر مرشد الثورة الإيرانية أكبر مرجعية دينية بالنسبة إليهم.

اقرأ أيضاً: التشكيك بكلام نصر الله أقوى هذه المرة.. لماذا؟

ولعل تصريحات حسن نصر الله، في بداية تأسيس الحزب، تكشف بوضوح ارتباط هذا التنظيم عضوياً وفكرياً بإيران، عندما قال: "إنه يسعى لأن يكون لبنان جزءاً من الدولة الإيرانية الإسلامية، التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه التقي الإمام الخميني"، وإقرار إبراهيم الأمين، الناطق باسم حزب الله في التوقيت ذاته: بأنهم جزء من إيران قائلاً: "نحن لا نقول: إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران".

تماهي حزب الله مع إيران ليس مقصوراً على البداية، بل امتدّ إلى اليوم، وفق الباحث فرد هاليداي في مقالة له، نشرت في 20 تموز (يوليو) 2006، على موقع (opendemocrac) كشف فيها عن حوار دار مع الشيخ نعيم قاسم، نائب حسن نصر الله زعيم حزب الله، قال له فيه: "إنّ حزب الله يتبع القيادة الإيرانية كمسألة مبدأ"، وإنّ حزب الله يرى أنّ الزعيم الروحي الإيراني خامنئي هو المرجعية النهائية لهم، فعندما وقع خلاف بين قادة حزب الله حول خوض الانتخابات العام 1992 حسم الخلاف علي خامنئي وأمر بخوض الانتخابات، وهو تدخل في الشأن اللبناني بلا شك.

صنعت إيران حزب الله ليكون ذراعها العسكرية في المنطقة ينفذ سياساتها، والتي هي بالضرورة ضد الأمن القومي العربي، وعندما أصبح من العسير على إيران تمويل حزب الله مباشرة لجأت إلى حليفتها قطر لتكون البوابة الخلفية لتقديم الأسلحة والدعم الكامل، وكان الشيخ فهد بن عبد الله آل ثاني، وهو ابن عم أمير قطر الشيخ تميم، قد انتقد في السابق الدور الخطير الذي أصبحت تلعبه قطر بتمويل الجماعات المتطرفة، ومنها حزب الله، بملايين الدولارات لاستمرار أعماله التخريبية، بعد أن صارت إيران غير قادرة على تمويله بسبب تشديد العقوبات عليها.

رغم إدراج قطر "حزب الله" كمنظمة إرهابية، مثلها مثل بقية دول الخليج، لكنّ ذلك لم يكن يوماً عن قناعة ويقين، فهي في العلن تصنفه منظّمة إرهابية، وفي الخفاء تعقد معه الصفقات وتمدّه بالأموال والعتاد العسكري، وهذا دليل آخر على ازدواجية السياسة القطرية.

اقرأ أيضاً: حقائق جديدة عن تمويل قطر لحزب الله .. ودعوات للمحاسبة

تجدّد الحديث عن توّرط شخصيات دبلوماسية قطرية في تمويل التطرف، بعد أن كشفت شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية، عن اتهامات لمسؤولين قطريين، بينهم السفير القطري لدى بلجيكا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) عبد الرحمن بن محمد سليمان الخليفي، بتورطه في دعم الميليشيات المسلحة لحزب الله منذ العام 2017، ورأت الصحيفة أنّ تنامي العلاقة بين حزب الله وقطر يعرّض قرابة عشرة آلاف من الجنود الأمريكيين المتمركزين في قاعدة العديد العسكرية في قطر للخطر الحقيقي، مع المطالبة بعودتهم ومحاسبة المسؤولين القطريين.

اقرأ أيضاً: تساؤلات بعد كشف العلاقة بين قطر وحزب الله: هل المخفي أعظم؟

 يُذكر أنّ الدوحة تواجه اتهامات بدعم التطرف أيضاً أمام القضاء الأمريكي، ففي حزيران (يونيو) الماضي قدّم محامٍ أمريكي دعوى قضائية في مدينة نيويورك ضد عدد من المؤسسات القطرية من قبل أسر ضحايا الإرهاب الأمريكيين. وبحسب صحيفة "واشنطن فري بيكون" الأمريكية، التي نقلت تفاصيل الدعوى القضائية، فإنّ مؤسسة قطر الخيرية ومصرف الريان وبنك قطر الوطني، اللذيْن يسيطر عليهما أفراد من العائلة الحاكمة، على رأس قائمة المؤسسات القطرية المتهمة بتمويل الجماعات المتشددة، تحت ستار العمل الخيري، وأشارت الصحيفة إلى أنّ مؤسسة قطر الخيرية تحديداً وزعت، بين آذار (مارس) وأيلول (سبتمبر) 2015، ما لا يقل عن 28 مليون دولار على التنظيمات المتشددة الموالية لها.

 وفي هذا الإطار، توالت ردود الأفعال الدولية الغاضبة تجاه سياسة قطر بتمويل حزب الله؛ حيث قالت ناتالي جوليه، وهي سيناتور فرنسي قادت لجنة تحقيق في ملف الشبكات الإرهابية في أوروبا: "لا بدّ أن يكون لدينا سياسة أوروبية فيما يتعلق بقطر، وأن نكون حريصين فيما يتعلق بتمويلها للإرهاب"، بحسب "فوكس نيوز".

اقرأ أيضاً: بعد تحقيق "فوكس نيوز".. ناشطون يغردون: "قطر تمول حزب الله"

وذكرت الشبكة أنّ إيان بيزلي جونيور، عضو البرلمان البريطاني قال: "سلوك النظام القطري فاضح، ويجب على الحكومات في بلجيكا والمملكة المتحدة اتخاذ موقف حاسم"، مضيفاً: "هذه الاتهامات خطيرة، خاصة أنّ سفير (قطر لدى بلجيكا) والناتو متورط فيها، ويجب التحقيق فيها واتخاذ إجراءات مناسبة".

وارتفعت أصوات عدة تطالب الاتحاد الأوروبي بتجميد الحسابات المصرفية القطرية وأخذ الإجراءات المناسبة ضدّ أيّ ممول للتطرف.

  قطر في العلن تصنف الحزب منظّمة إرهابية وفي الخفاء تعقد معه الصفقات وتمدّه بالأموال والعتاد

ويذكر أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال في العام 2017: إنّ قطر "كانت ممولاً للإرهاب على مستوى عالٍ جداً"، ولكن ما لبث بعد عام أن تراجع عن أقواله، ويعتقد أنّ قطر تمكّنت من التلاعب بمراكز القرار الأمريكي ليغيّر الرئيس تصريحاته، لكن ما كشفته التقارير الجديدة وإثبات تمويل قطر لمنظمات متطرفة، يثير الشك حول حقيقة زعمها المعلن بمحاربة الإرهاب.

"صحيفة العرب" الصادرة في لندن بدورها سجلت سبقاً بشأن تطوّر علاقة قطر بحزب الله، فبعد إعلان دول التحالف العربي (المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والبحرين) مقاطعة قطر العام 2017، رصدت الصحيفة اتصالاً بين مسؤولين قطريين وآخرين من حزب الله في مقرّاته بالضاحية الجنوبية لبيروت، والتي جاءت ردّاً على المقاطعة، والدور السعودي في تصنيف تنظيم "الإخوان" الموالي لقطر "جماعة إرهابية".   

ويظلّ السؤال معلّقاً: لمصلحة من يقوم النظام القطري بتعريض المنطقة لموجات من التطرف؟ وإلى متى تظلّ الدوحة تنفق من أموال القطريين على هذا الأمر؟ وهل ستنجح في التغطية على هذه الممارسات كما فعلت في السابق

الصفحة الرئيسية