لماذا تتقاسم عائلة فلسطينية منزلها مع مستوطنين في حيّ الشيخ جراح؟

لماذا تتقاسم عائلة فلسطينية منزلها مع مستوطنين في حيّ الشيخ جراح؟

مشاهدة

31/08/2021

في شارع كرم الجاعوني في حيّ الشيخ جراح بالقدس الشرقية، يقع منزل عائلة الكرد الفلسطينية، والذي يحمل الرقم 13، فيما كُتب على مدخله بخطّ عريض وواضح عبارة "لن نرحل"، حيث تتقاسم مجموعة من المستوطنين مع العائلة الفلسطينية جزءاً من منزلها، لتمثّل العائلة أيقونة في النضال ضدّ قرارات الاحتلال، التي تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من الحيّ.

وأنشئ حي الشيخ جراح عام 1956، بموجب اتفاقية وقِّعت بين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" والحكومة الأردنية، وفي حينه استوعب 28 عائلة فلسطينية هُجرت من أراضيها المحتلة عام 1948، وتقدّر مساحة حيّ الشيخ جراح بـ 808 دونماً، ويقدَّر عدد سكانه بـ 2800 نسمة تقريباً، وتعود إدارته والمسؤولية عنه على عاتق بلدية الاحتلال في القدس.

أنشئ حي الشيخ جراح عام 1956

والحيّ ملاصق لما بات يعرف بـ "خطّ الهدنة" الذي تمّ ترسيمه عام 1949، وهو الخطّ الأخضر الفاصل بين شطري المدينة الشرقي والغربي، ولشطب الخط الفاصل بين شطري المدينة بالكامل، أقامت سلطات الاحتلال 3 فنادق إسرائيلية.

بلدية الاحتلال تسعى لإقامة ما يزيد عن 500 وحدة استيطانية في الحيّ، من بينها كنيس وحديقة توراتية، وربطهما بالجزء الغربي من مدينة القدس، لإحداث تغيير ديموغرافي

وتسلّمت العائلة مع ثلاث عائلات أخرى: هي (القاسم، الجاعوني، السكافي) بمجموع 30 شخصاً، في تشرين الأول (أكتوبر)2020، إخطاراً من محكمة الصلح الإسرائيليّة لمطالبتها بإخلاء منزلها لصالح المستوطنين، كما تلقّت مثل هذا الإخطار، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ثلاث عائلات أخرى هي: (حماد، الدجاني، الداوودي) بمجموع 25 شخصاً. 

وكانت سلطات الاحتلال قد هجَّرت 12 أسرة من عائلات حنون والغاوي والكرد، بين عامَي 2008 و2009، وهو التهديد الذي تواجهه ويُهدد عشرات الأُسر في الشهور المقبلة.

الشيخ جراح نقطة صراع

وتحوّل حي الشيخ جراح إلى نقطة صراع، بعد قيام قوات الاحتلال الاسرائيلية بتهجير العائلات الفلسطينية من بيوتها لتقوم ببناء 200 وحدة سكنية للمستوطنين، في إطار سعي قوات الاحتلال للسيطرة على الحي بموقعه الإستراتيجي الذي يربط بين شرق القدس وغربها، مما تسبّب في وقوع صِدامات واشتباكات عنيفة بين متظاهرين فلسطينيين من جهة، ومستوطنين وقوات الاحتلال من جهة أخرى.

منى الكرد

وفي أيار (مايو) الماضي، حظي فيديو الحوار الذي دار بين الشابة الفلسطينية منى الكرد، التي تعيش في إحدى المنازل المهددة بالإخلاء في حي الشيخ جراح، مع مستوطن يسكن في نصف المنزل، بتفاعل واسع النطاق، حيث ظهر المستوطن "يعقوب" الذي استولى على نصف منزل عائلة الحاج نبيل الكرد، بقرار من المحكمة الإسرائيلية، وقال المستوطن مستفزاً منى الكرد: "حتى لو أنا خرجت منه فأنتِ لن تعودي إليه، وإذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري".

اقرأ أيضاً: "الشيخ جراح" ينكأ الجراح.. أين توعدات إيران ونضالات أردوغان؟

وكانت المحكمة العليا قد أنهت، في جلسة المداولة بتاريخ 2 آب (أغسطس) الجاري، قرار تهجير عائلات من حي الشيخ جراح في القدس، دون إصدار قرار نهائي بالقضية.

طرد بقوة السلاح

بدوره، تحدث المسن نبيل الكرد (77 عاماً)، لـ "حفرياتقائلاً: إنّ "السلطات الإسرائيلية تسعى إلى طرده وعائلته من منزله بشكل كامل، بقوة السلاح، عبر تزوير وثائق وسن القوانين التي تتماشى مع مصالحها ومستوطنيها"، مبيناً أنّه "تعرض وعائلته للتهجير من منزلهما في مدينة حيفا خلال النكبة الفلسطينية عام 1948، وكان يبلغ من العمر حينها أربع سنوات فقط، والآن نواجه خطر الطرد والتهجير من المنزل، بدعوى أنّ الأرض المقام عليها البيت مملوكة ليهود".

اقرأ أيضاً: هل تنجح الحواجز والمكعبات الإسمنتية في كسر إرادة حي الشيخ جراح؟

وبيّن الكرد أنّه "تقدم بطلب لبلدية الاحتلال بالقدس عام 1999، لتوسيع المنزل الذي تبلغ مساحته 50 متراً، ويتكوّن من غرفتين فقط، ويضمّ ثمانية أفراد، لبناء غرفة إضافية في حديقة المنزل، إلا أنّ البلدية رفضت استلام الطلب، أو منحه ترخيصاً للبناء".

ولفت إلى أنّه "خلال عام 2009، قرّر أحد أبنائي أن يشيّد غرفة إضافية في حديقة المنزل، وبعد أن شارفت الغرفة ومرافقها على الانتهاء، حضرت بلدية الاحتلال وسلمتني مخالفة مالية، ومنعتني وعائلتي من دخول الغرفة، بعد مصادرة مفاتيحها، وفرض غرامة مالية تقدر 92 ألف دولار أمريكي، يتمّ سدادها على مدار 9 أعوام، وعند مطالبة البلدية بأن نهدمها، تمّ رفض طلبنا، بحجة أنّه لا يحقّ لنا التصرف بهذه الغرفة على الإطلاق".

الحاج نبيل الكرد

وتابع الكرد: "تفاجأنا خلال العام نفسه بمنح بلدية الاحتلال 15 مستوطناً شاباً الحقّ في العيش داخل الغرفة، ليتقاسموا معنا المنزل، في محاولة اسرائيلية لاستهداف صمودنا والتضييق علينا، لدفعنا على الرحيل والهجرة قسراً منه، إلا أنني ما أزال مصرّاً على عبارتي بأنّ "الطرد والتهجير أسوأ من الموت ولن أرحل"، حيث يضايقنا هؤلاء المستوطنون في كلّ الأوقات، بإلقاء الحجارة والقمامة علينا عند دخولنا وخروجنا من المنزل، وكذلك شتم أفراد العائلة بألفاظ نابية".

قهر إسرائيلي متواصل

من جهتها، تقول منى الكرد (23 عاماً)، وهي خريجة إعلام من جامعة بيرزيت، خلال حديثها لـ "حفريات": "عائلتي تعيش حالة من القهر والظلم المتواصل منذ استيلاء مجموعة من المستوطنين على المنزل، وكذلك بفعل التضييقات المستمرة من قبل شرطة الاحتلال، والتي تهدف جميعها لطردنا وتهجيرنا من منزلنا قسراً"، موضحة أنّ "المحكمة العليا الإسرائيلية تحاول أن تفرض على العائلات المهددة بالطرد، ومن بينها عائلتي، وإجبارها على الاعتراف بأنّ الأرض التي نقيم عليها تعود ملكيتها للمستوطنين، على أن يتم اعتبارنا كمستأجرين محميين، وهو الأمر الذي نرفضه جميعاً".

منى الكرد من حي الشيخ جراح لـ "حفريات": عائلتي تعيش القهر والظلم منذ استيلاء مجموعة من المستوطنين على المنزل، بهدف طردنا وتهجيرنا من منزلنا قسراً

وتابعت بأنّها لجأت لنقل معاناة سكان الحي لحظة بلحظة عبر حسابها الشخصي على "أنستغرام"، "كي أظهر وحشية الاحتلال ضدّ سكان الحيّ أمام العالم، الذين يتهددهم الطرد من منازلهم".

وأكّدت الكرد: "تعرّضتُ للاعتقال برفقة أخي محمد، في 6 حزيران (يونيو) الماضي، بعد اقتحام قوات من الشرطة الإسرائيلية لمنزلي، حيث تمّ تهديدي خلال التحقيق، ومُنع محامي الدفاع من التواجد معي أثناء التحقيق أيضاً، لتطلق السلطات الإسرائيلية سراحي، وأخي، بعد ساعات من الاعتقال".

نكبة فلسطينية جديدة

ويرى الناشط المقدسي وعضو لجنة الدفاع عن أهالي سلوان، فخري أبو دياب، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "ما يحدث في حي الشيخ جراح بحقّ عدد من العائلات هي نكبة فلسطينية جديدة، يهدف إلى تضييق الخناق على سكان الحي الملاصق للأراضي المحتلة عام 1948م، وكذلك للمضي قدماً في المشاريع التهويدية التي يقوم بها الاحتلال على قدم وساق، كإقامة مشروع ما يسمى "بالحوض المقدس"، والذي يبدأ من حيّ الشيخ جراح حتى بلدة سلوان".

فخري أبو دياب

ولفت إلى أنّ "بلدية الاحتلال تسعى لإقامة ما يزيد عن 500 وحدة استيطانية في الحيّ، من بينها كنيس وحديقة توراتية، وربطهما بالجزء الغربي من مدينة القدس، لإحداث تغيير ديموغرافي من المستوطنين على حساب الفلسطينيين، وهذا ما يبين لجوء السلطات الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة لمعاقبة المقدسيين عبر هدم بيوتهم، وسحب الهويات منهم، وإبعادهم عن مدينة القدس".

وأكّد الناشط المقدسي أنّ "إخراج العائلات بالقوة من منازلها هو مخالفة واضحة للقوانين الدولية، مطالباً المملكة الأردنية الهاشمية والمجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف خططها التهويدية بحقّ سكان مدينة القدس، وذلك بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض تتماشى وتتوافق مع المصالح الإسرائيلية ومستوطنيها".

الصفحة الرئيسية