
في مشهد جسّد بوضوح عمق التحالف البراغماتي بين إدارة ترامب واليمين الديني، ظهر الرئيس الأمريكي محاطاً بحلقة من أبرز القادة الإنجيليين وحلفائهم. لم يكن هذا اللقاء مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل بدا كطقس سياسي/ديني تم الإعداد له بعناية فائقة؛ حيث تحلق رجال الدين حول الرئيس الأمريكي واضعين أيديهم عليه في حركة رمزية تمنح "البركة" وتعلن الدعم الروحي، بينما تعالت ابتهالاتهم بطلب النصر والتمكين. كان هذا المشهد استثماراً صريحاً للمقدّس، وتحويلاً للرموز الدينية إلى رافعة سياسية تضمن ولاء القاعدة الجماهيرية المحافظة.
يستدعي هذا المشهد تساؤلاً جوهرياً: هل ما يزال "المقدّس" هو المحرك الخفي والمعلن للصراع بين الأمم؟ قد يبدو من المفارقة أن يظل الدين محتفظاً بهذا الدور المحوري في قلب الصراعات الحديثة التي تحركها فعلياً دوافع التوسع والمصالح المادية، بيد أنّ هذه المشاهد تؤكد أنّ الدين ما يزال يمثل طاقة رمزية كبرى، تملك وحدها القدرة على إضفاء 'الشرعية الأخلاقية" على العمل السياسي وإعادة صياغة هوية الصراعات. وهكذا فإنّ العصر الحديث، الذي بشر بنهاية دور الدين في المجال العام عبر علمنة السياسة، لم ينجح في تحييده، بل أعاد تدويره كأداة براغماتية فاعلة ضمن ترسانة أدوات الصراع الدولي.
والحقيقة أنّ مثل هذه الترميزات المقدّسة ليست غريبة على منطقة الشرق الأوسط؛ فباعتبارها مهداً للأديان ومنبعاً لها، تُعدّ الساحة الأبرز لتوظيف الرمز الديني في شرعنة أهداف القوى المتصارعة. إذ تبدو شعوب المنطقة مهيأة تاريخياً وسيكولوجياً لتقبل التبرير الديني لأيّ فعل سياسي، لا سيّما حين يتخذ طابعاً عنيفاً. لكن، في خضم المعارك الكبرى التي تشكل وجه المنطقة اليوم، تبرز مفارقة لافتة في "هندسة الخطاب"؛ حيث يتم استدعاء الدين وتغييبه وفق حسابات معقدة تتجاوز الإيمان العقدي إلى الوظيفة الإيديولوجية. إننا باختصار أمام مشهد يغيب فيه الدين حيث كان من المتوقع حضوره، ويحضر بشراسة في بنية خطابات دول تصنف "علمانية".
إيران: الأسلحة المقدّسة في مواجهة الطاغوت
في هذا السياق هناك العديد من الملاحظات اللافتة؛ فالثابت أنّ إيران تمثل النموذج الأوضح للدولة التي تضع الدين في بنية الحكم عبر نظرية "ولاية الفقيه"، وتستخدمه كأداة تعبئة إقليمية فعالة. ويتجلى ذلك عادة في استحضار سرديات المظلومية التاريخية (كربلاء) والنزعة المهدوية لإضفاء صبغة المقدّس على التحركات العسكرية والسياسية، ممّا يُسهم في خلق هوية عابرة للحدود الوطنية. يسمح هذا للنظام الايراني ببناء نفوذ إيديولوجي يتجاوز الجغرافيا، وصياغة المعركة كواجب ديني وأخلاقي، وهو ما يجعل منها نموذجاً واضحاً لدولة "ثيوقراطية سياسية" تستخدم الدين كوقود للشرعية الداخلية والتمدد الخارجي على حد سواء.
بيد أنّ الغريب في المعركة الدائرة رحاها الآن، هو أنّ طهران لم تستخدم "المعتقد الشيعي" بهويته الضيقة، بل عمدت بذكاء إلى توظيف الإيديولوجيا الإسلامية الجامِعة. ويظهر ذلك جلياً في انضباط لغتها السياسية؛ إذ تحاشت وصم الخصوم بالكفر أو "الطاغوت" بالمعنى المذهبي التقليدي، واختزلت حضورها الديني، بدلاً من ذلك، في "رمزية الأدوات"؛ تجلت في تسمية الصواريخ بأسماء قرآنية وتاريخية مشتركة مثل صواريخ "سجيل" و"خيبر" و"فتاح"، وطائرات "أبابيل" و"شاهد"، وصولاً إلى تسمية العمليات الكبرى بأسماء موحية، مثل "الوعد الصادق" تحت راية "فيلق القدس". إنّ هذا التحول الخطابي المدروس نابع، بالضرورة، من حرص طهران على ألّا تفقد مساحات واسعة ومؤثرة في الوجدان العربي السنّي. فمن خلال تبنّي لغة المقاومة و"المقدّسات العامة"، تسعى لتقديم نفسها باعتبارها المدافع الوحيد عن بلاد الإسلام، متجاوزة بذلك فخ الانحباس الطائفي لتكسب تأييداً يتخطى الحدود المذهبية في معركتها الوجودية.
إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية: استدعاء رموز العهد القديم
الموقف يغدو أكثر غرابة حين ننظر إلى الاستراتيجية التي تتبعها إسرائيل والولايات المتحدة في إدارتهما للمعركة الحالية؛ إذ انتقل استحضار الدين في الداخل الإسرائيلي من الهامش، المتمثل في التيارات المتدينة، إلى قلب المؤسسة السياسية والعسكرية. وقد تجلى هذا التحول في استبدال لغة "الأمن القومي" العلمانية التي سادت في القرن العشرين، بلغة "النبوءات" التوراتية، وذلك عبر استدعاء السرديات التوراتية حول شعب "العماليق" لوضع الهجوم على إيران في سياق توراتي دموي. وفي هذا الإطار استغل بنيامين نتنياهو توقيت "سبت التذكر" (شبات زاخور) ليعلن أنّ إسرائيل لا تكتفي باستعادة ذكرى "محو عماليق" تاريخياً، بل هي بصدد "محوهم" واقعياً في اللحظة الراهنة؛ باعتبارهم يمثلون "ذروة الشر" في التقاليد اليهودية. لم تكن العودة إلى شعار "إسرائيل الكاملة" في الخطاب العسكري الرسمي مجرد استخدام خطابي معدّ للاستهلاك محلي، بل كان محاولة لتحويل الحرب إلى مهمة مقدّسة تبرر تحويل الصراع من صراع حدود سياسي إلى صراع وجودي قدري. تبرز "اليهودية الصهيونية" هنا كحجر زاوية للشرعية التي تقوم عليها الدولة (قانون القومية)، حيث يوظف الدين لإلغاء الرواية التاريخية للآخر وتكريس "الحق الإلهي" في الأرض، ويكرس لقومية دينية صلبة تدمج بين الجيوش والطقوس.
أمّا الولايات المتحدة، فعلى الرغم من الصبغة العلمانية، فإنّ دستورها يبرز "الدين" كعنصر حاسم في بنية الدعم الإيديولوجي لصراعاتها الخارجية. إذ يمنح حضور "الصهيونية المسيحية" في مطبخ القرار الأمريكي الحرب غطاء "خلاصياً"؛ حيث ينظر للتحالف مع إسرائيل كضرورة لاهوتية تسبق الحسابات الاستراتيجية المجردة، وهو ما يجعل الخطاب الأمريكي مشحوناً بنبرة "أخلاقية دينية" تصنف العالم إلى فسطاطين: النور والظلام. وهنا تبرز المفارقة؛ ففي حين لا يدخل الدين في البنية القانونية للدولة، على عكس نموذجي إيران وإسرائيل، فإنّه يحضر بقوة في البنية الإيديولوجية للنخبة والجمهور. لقد دأبت الإدارات اليمينية على استحضار المفاهيم البروتستانتية حول "الرسالة" الكونية لأمريكا، وتوظيفها لحشد القاعدة الشعبية المحافظة، بما يضفي على السياسات الخارجية نوعاً من "التفوق الأخلاقي" عبر تسويق الصراع على أنّه معركة بين الخير والشر، أو النور والظلام. إننا في واقع الأمر أمام استحضار نمط من التدين المدني النفعي، يجري استدعاؤه ببراعة لشرعنة التدخلات العسكرية، وإعادة صياغتها تحت عباءة قيم لاهوتية تمنح العمل السياسي طابعاً قدرياً ومقدّساً.
الإحجام السعودي عن استخدام الدين: مغامرة "العقلنة" وسط العاصفة
في الطرف الآخر للمعركة، كانت دول الخليج المعرضة للهجوم الإيراني بعيدة بصورة كليّة عن استخدام الدين في خطابها الموجه إلى الداخل العربي وإلى العالم الخارجي. ففضلاً عن عدم وجود هذا النزوع التديني في الحرب والسياسة من الأصل، فإنّها اكتفت بإدانة الهجمات بخطاب هادئ سلمي الأداء وإقليمي الطابع يدعو إلى التهدئة وتحكيم العقل، وتعلية شأن المصالح والسلامة الوطنية للدول المتصارعة. ومن جانبها حاولت المملكة العربية السعودية أن تبتعد عن التورط في المعركة القائمة، لكنّها لم تمتلك رفاهية الخروج الكامل منها باعتبار أنّ منطقة الخليج العربي كاملة كانت موضوعاً للهجمات الإيرانية، أي أنّه صراع طرفاه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران بكل ثقلها العسكري والإيديولوجي ونزوعها للزعامة الإقليمية، كدولة تتبنّى المعتقد الشيعي في مواجهة أطراف عربية سنّية الهوى، من جهة أخرى. صحيح أنّ محدودية الدور السعودي يقلل من استخدامها للترميز الديني لعدائها لإيران، لكن حتى في إطار هذا الدور المحدود في المعركة الدائرة يبرز الموقف السعودي كأكثر الظواهر إثارة للتساؤل والدهشة، فالسعودية، التي تحتضن الحرمين وتمثل الثقل الروحي للسنّة، تختار بوعي لافت تحييد المعتقد السنّي كليّاً عن لغة الصراع.
فبينما يستحضر الخصوم والحلفاء "الله" في بياناتهم العسكرية، تصرّ الرياض على لغة "القانون الدولي"، و"الاستقرار الإقليمي"، و"المصالح الاقتصادية". والحقيقة أنّ هذا الغياب المتعمد للدين هو في الحقيقة "حضور سياسي بامتياز"؛ فهو يعكس رغبة حاسمة في حصر الصراع داخل حدود "الدولة الوطنية" والقانون، بدلاً من تركه لتيارات الإسلام السياسي التي تتغذى على الشحن العاطفي. يأتي ذلك اتساقاً مع رغبة السعودية في تقديم نفسها كدولة "طبيعية" وتكنوقراطية؛ حيث يتم توطين المقدّس ليصبح تراثاً وطنياً خاصاً، بدلاً من كونه وقوداً عابراً للحدود. فضلاً عن إدراك القيادة أنّ إقحام المذهبية السنّية في المواجهة سيحوّل المنطقة إلى محرقة طائفية، تتعارض مع طموحاتها كمركز جذب للاستثمار العالمي.
ختاماً، لا يمكن فهم جدلية الحضور والغياب للدين دون تحليل استجابة الجماهير في المنطقة؛ فالمواطن العربي، الذي تشكلت ذاكرته الجمعية على أنّ المعارك الكبرى هي "حروب وجودية دينية"، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مربك؛ فبينما يشحن الخطاب الإسرائيلي والإيراني والأمريكي المعركة بصبغة "الخلاص" أو "الواجب الإلهي"، يجد جزء من الجمهور السنّي نفسه في حالة "يتم إيديولوجي لغياب الخطاب الذي كان يمنحه شعوراً بالمركزية الروحية. والحقيقة أنّ هذا الفراغ الإيجابي، إذا جاز استخدام هذا التعبير، قد يؤدي إمّا إلى التوجه نحو الوطنية المحلية، أي الأولويات الوطنية، وإمّا البحث عن بدائل إيديولوجية خارج إطار الدولة تدور جميعها في أفق نفعي. إنّ الرهان على خطاب الواقعية السياسية هو مدخل لإعادة تربية الجمهور سياسياً، لكنّ التحدي يكمن في مدى قدرة لغة الأرقام، والمصالح، والقانون الدولي، على الصمود أمام إغراء "السرديات الملحمية" التي يقدّمها الخصوم. إننا نعيش لحظة فارقة في تاريخ المنطقة؛ ليس فحسب على صعيد التوازنات الإقليمية؛ بل أيضاً على صعيد حضور الرمزية الدينية وفعاليتها في الحشد والتجييش والتعبئة.





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)