كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟

كيف وجهت الإسلاموية السياسة الخارجية لتركيا؟

مشاهدة

12/01/2020

ترجمة: محمد الدخاخني


في شباط، فبراير(2011)، قام رجب طيّب أردوغان بدعوة الرّئيس المصريّ حسني مبارك إلى الاستجابة "لنداءات الشّعب ومطالِبه الأكثر إنسانيّة"، وبهذا ألزمَ رجل تركيا القويّ بلاده أساساً باحتضان "الرّبيع العربيّ" النّاشئ. كان البيان مصيريّاً. فقد عرّض أردوغان المكاسب السّياسيّة والاقتصاديّة الّتي حقّقتها تركيا في العالم العربيّ حتّى تلك المرحلة للخطر. وفي الواقع، بعد ثلاثة أعوام، وجدت تركيا نفسها معزولة تماماً في المنطقة ومتورِّطة بعمق في الحرب الأهليّة الدّائرة في جارتها سوريا.

الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة

لماذا اتّخذت تركيا هذا المسار المحفوف بالمخاطر واحتضنت "الرّبيع العربيّ"؟ إنّ فهم ما ثبت أنّه اختيار كارثيّ لا يمكن إلّا إذا أخذنا في الاعتبار الأيديولوجيا الإسلامويّة لصانعي السّياسة الخارجيّة في أنقرة. بشكل أكثر تحديداً، يحتاج المحلّلون إلى النّظر في مفهوم "اتّحاد الإسلام"، الّذي كان دائماً مكوِّناً حاسماً للإسلامويّة في تركيا، والّذي من خلاله قامت القيادة الإسلامويّة لحزب العدالة والتّنمية الحاكم بتفسير التّطورات الإقليميّة والعالميّة. في نظر إسلامويّي تركيا السُّنّة، الّذين يشكّلون قيادة حزب العدالة والتّنمية، مثّل "الرّبيع العربيّ" بادِرة تحوّل إسلامويّ شعبيّ في الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
والسّؤال الواضح هنا هو، لو كان ذلك كذلك، علامَ تنصّ السّياسة الخارجيّة الإسلامويّة في السّياق التّركيّ قبل عام 2011، وفي منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا الّتي تغيّرت بشكل راديكاليّ بعد عام 2011؟

 

 

"اتّحاد الإسلام" في الدّولة العثمانيّة
من المؤكّد أنّ الإسلام ينطوي على تعاليم يمكن تفسيرها بسهولة على أنّها أوامر مباشرة للمسلمين تحضّ على المساعدة والتّعاون مع بعضهم البعض والعمل في وحدة في مجال السّياسة الخارجيّة. ومن بين الآيات القرآنيّة الّتي يجري الاستشهاد بها كثيراً، على سبيل المثال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّفوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" (3: 103). وبالمثل، الحديث الّذي أخرجه مسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

اقرأ أيضاً: هذا ما ينتظر تركيا بعد صفقة "إس 400"
وقد ألهمت هذه النّصوص وما شابهها عدداً من العلماء والمثقّفين الدّينيّين في القرن التّاسع عشر للدّعوة إلى تطوير تعاون أوثق وعلاقات أقوى بين المسلمين من كافّة الأعراق والطّوائف. وكان ما سُمّي بـ"اتّحاد الإسلام" في تركيا العثمانيّة، أو "وحدة الإسلام" بالعربيّة، دعوةً وجدت صدى لها بين رجال الدّولة والبيروقراطيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، الدّولة الّتي لجأ إليها العديد من المسلمين بحثاً عن المساعدات الماليّة والعسكريّة والدّبلوماسيّة طوال هذا القرن الطّويل. بل إنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة سعت إلى "عموميّة إسلامويّة pan-Islamism" - وهي عبارة صاغها الأوروبيّون للإشارة إلى السّياسة الخارجيّة القائمة على الوحدة الإسلاميّة في عهد السّلطان عبد الحميد الثّاني، الّذي حكم من 1878 إلى 1909.

كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى

في القرن التّاسع عشر، أدرك الكثيرون في العالم ذي الأغلبيّة المسلمة أنّ هناك تبايناً قويّاً ومتزايداً في القوّة بين أوروبا والعالم الإسلاميّ. وربّما كان بالإمكان تجاهل هذا التّباين في القوّة بسهولة إذا لم يخلق بيئة دوليّة معادية: القوى الأوروبيّة، خاصّة بريطانيا وفرنسا وروسيا، كانت تستعمر العالم الإسلاميّ شيئاً فشيئاً، وفشل العديد من الحكّام المسلمين في إحباط هذه القوى الاستعماريّة. وردّاً على ما بدا أنّه اعتداء أوروبيّ موحّد على أراضي المسلمين، ولدت فكرة "اتّحاد الإسلام" واكتسبت شعبيّة من كراتشي إلى الرّباط.
كانت الفكرة منطقيّة. فمن خلال التّعاون مع بعضهم البعض، يمكن للمسلمين الوقوف ضدّ أوروبا وحماية مصالحهم. ومع ذلك، بالرّغم من اعتناق السّلطان العثمانيّ عبد الحميد الثّاني لهذا المفهوم، فشلت الفكرة في مساعدة الإمبراطوريّة العثمانيّة وغيرها على منع الهيمنة الأوروبيّة الكاملة الّتي أقرّها كونغرس برلين في 1878 ومؤتمر برلين في 1884-1885. ولم تتكثّف عمليّة الهيمنة الغربيّة على العالم ذي الأغلبيّة المسلمة إلّا في القرن العشرين عقب نهاية الحرب العالميّة الأولى وانحلال الدّولة العثمانيّة.

اقرأ أيضاً: تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟
بحلول الرّبع الثّاني من القرن العشرين، كان عدد قليل فقط من الدّول الإسلاميّة قد احتفظ باستقلاله عن أوروبا. وتركيا كانت واحدة من هذه الدّول، بعد أن أسّست جمهوريّة على أنقاض الإمبراطوريّة العثمانيّة في 1923 ثمّ ألغت الخلافة في 1924. على كلّ حال، تبنّت تركيا الجمهوريّة أجندة قوميّة بحتة في السّياسة الخارجيّة لم تطمح إلى تحسين مصالح المسلمين خارج تركيا أو حمايتها. إلّا أنّ فكرة "اتّحاد الإسلام" واصلت حضورها في تركيا، وأصبحت أساساً راسخاً لما سيصبح الإسلامويّة التّركيّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين.
كان سعيد النّورسيّ (1878-1960) شخصيّة حاسمة في هذا التّحوّل، وقد عاش فترة انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة والتّأسيس الّلاحق للجمهوريّة. اعتنق النّورسيّ "العموميّة الإسلامويّة" قبل فترة طويلة من انهيار الإمبراطوريّة. وفي مقال كتبه عام 1909، على سبيل المثال، أعلن أنّ وحدة الإسلام تُعدّ أعظم ما فُرِضَ على المسلمين. وخلال العصر الجمهوريّ، واصل النّورسي اعتزازه بفكرة "اتّحاد الإسلام" باعتبارها مثالاً أعلى سيتحقّق، وعمل على إقامة صِلات مع شخصيّات وقادة دينيّين في أماكن أخرى من العالم الإسلاميّ.

 

 

الصّراع الإسلامويّ-الكماليّ في تركيا
بالرّغم من أنّ الإسلامويّة التّركيّة أو الأناضوليّة قد نشأت في القرن التّاسع عشر، فإنّها تطوَّرت وأخذت معالمها الرّئيسة في صراع جدليّ - في المقام الأوّل - مع أيديولوجيا الدّولة السّائدة: الكماليّة، الّتي سمّيت على اسم مؤسّس الجمهوريّة التّركيّة، مصطفى كمال أتاتورك.
في ربع القرن الأوّل من عمر الجمهوريّة التّركيّة، نفّذ الزّعماء الكماليّون سلسلة من الإصلاحات العلمانيّة الّتي قيّدت بشكل كبير أدوار الدّين واتّخذت تدابير قاسية ضدّ النّاشطين الدّينيّين والجماعات الدّينيّة. وكان حكم الإسلامويّة على الكماليّة، الّذي جاء كردّ الفعل، قاسياً للغاية. وفقاً للإسلامويّين، فإنّ الكمالية كانت في الأساس أيديولوجيا معادية للدّين، وفي نظر شخصيّات دينيّة مثل النّورسيّ، لم يجسّد أتاتورك نفسه سوى شخصيّة معادية للإسلام، شأنه شأن المسيح الدّجّال.

كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001

بالنّسبة إلى الإسلامويّين، كانت الكماليّة غريبة على الأناضول - وهي المنطقة الرّيفيّة النّائية في تركيا الّتي يسكنها القرويّون الأتراك والأكراد. وقد أصبح هذا الاتّهام أكثر وضوحاً كلّما أصبحت الإسلامويّة في تركيا أكثر شعبيّة في اعتقادها بالتّقوى الفطريّة للمسلمين العاديين. وبعد عام 1924 - بعد تجريدها من المثل الأعلى للخلافة - أصبحت الإسلامويّة مركّزة ليس في القصور والمساجد العثمانيّة في إسطنبول الكوزموبوليتانيّة، ولكن بدلاً من ذلك بين عامّة النّاس في الأناضول. كانت الإسلامويّة في السّنوات الأولى من عمر الجمهوريّة حقيقة سرّيّة تقريباً، ونادراً ما اعترفت بها النّخبة القويّة في المدن الكبرى. وقد حاججت الإسلامويّة بأنّ المسلمين في تركيا لا يزالون مرتبطين شعوريّاً ولا شعوريّاً بالإسلام، بغض النّظر عن أيّ ادّعاء مغاير تروّج له الجمهوريّة الكماليّة.

اقرأ أيضاً: تركيا تسجل تصنيفاً جديداً في جرائم العمل
في السّياق الخاصّ بتركيا، حيث بقيت الأشكال التّقليديّة للإسلام قويّة وسمح النّظام السّياسيّ بالسّياسة الانتخابيّة، اختفت الرّاديكاليّة المحدودة للإسلامويّة تماماً بمرور الوقت واكتسبت شعبيّتها المزيد من القوّة. كان الإيمان بتعلّق المسلمين الفطريّ بالإسلام أمراً بالغ الأهميّة لأنّه خدم الإسلامويّين في تصوير أيديولوجيّتهم على أنّها الأيديولوجيا الأصليّة الوحيدة في البلاد، وفي تصوير أتباع الإسلامويّة على أنّهم أكثر ممثّلي الجماهير أصالة. والأيديولوجيّات الشّعبيّة الأخرى في أوائل العهد الجمهوريّ - الكماليّة والشّيوعيّة - عُدّت، في رأي الزّعماء الإسلامويّين، غريبة على البلاد، حيث سعت تلك الأيديولوجيّات الأخرى إلى تغيير النّاس العاديّين على أسس مستوحاة من الغرب.

 

 

عبدالله المنياوي أو كيف يرى الإسلامويّون الأتراك العالم؟

أصبحت الإسلامويّة في تركيا ترى أنّ جميع أنظمة ما بعد الاستعمار في الشّرق الأوسط (بما في ذلك الدّولة الكماليّة في أنقرة) تتّبع سياسات معادية للدّين وتتبنّى أيديولوجيّات أجنبيّة ضدّ المسلمين. ومن هنا، كما قال العديد من الإسلامويّين الأتراك، فإنّ كلّ هذه الدّول لم تكن ممثّلة حقيقيّة لشعوبها. والأهم من ذلك هو أنّ الإسلامويّة أصبحت متمسّكة بأنّ الأنظمة العلمانيّة القمعيّة في القرن العشرين قد قسمت الشّرق الأوسط بشكل مصطنع، وعزلت شعوب المنطقة عن بعضها البعض، وأثارت العداوة بينهم، وألحقت الأذى بالصّداقة الدّينيّة والثّقافيّة.

بعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر

بعبارة أخرى، أكّدت الإسلامويّة التّركيّة بشكل أساسيّ أنّ الإسلامويّين، أو المسلمين الأتقياء، عاشوا طوال القرن العشرين في ظلّ أنظمة معادية للدّين في كافّة أنحاء المنطقة. وقد أُطِّر هذا التّصوّر بوضوح في رواية أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً وألهمت فيلماً في تركيا.
تسرد الرّواية الصّعوبات المختلفة الّتي يواجهها رجل يدعى عبد الله من محافظة المنيا في مصر (ومن هنا، عنوانها، عبد الله المنياويّ). في القصّة، على عبد الله أن يُكابِد الظّلم في مصر لمجرّد أنّه مسلم تقيّ. ويصف ناشر هذه الرّواية، تيماش، الكتاب بكلمات معبّرة: "تسرد 'عبد الله المنياويّ' قصّة مسلم في القرن العشرين. إنّها قصّة عِباد الله الّذين يعيشون في مصر وكذلك في سوريا والعراق والجزائر وباكستان ونيجيريا وتركيا أو في أيّ مكان آخر في العالم، الّذين بحثوا ووجدوا الطّريق الحقيقيّة إلى النّور في ظلام هذا القرن الّذي يتّسم بالكفر والضّلالة".

اقرأ أيضاً: تركيا أكبر داعم للإخوان المسلمين في العالم
بالرّغم من هذا التّصريح، كان عبد الله المنياويّ بالتّأكيد عملاً يقوم على المجاز: إنّه يدور حول تركيا أكثر ممّا يتعلّق بمصر. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُخفي هذا حقيقة أنّ الإسلامويّة في تركيا طوَّرت تعاطفاً مع مختلف الجماعات والإثنيّات المسلمة التّركيّة وغير التّركيّة. وقد حقّقت الإسلامويّة التّركيّة هذا من خلال دمجها، داخل سرديّتها التّضحويّة، قصص اضطّهاد شخصيّات مثل حسن البنا وسيّد قطب (وتشير الأدبيّات الإسلامويّة التّركيّة إليهما باعتبارهما من الشّهداء)، والإخوان المسلمين في مصر، وجبهة الإنقاذ الإسلاميّة في الجزائر، ومختلف الجماعات الإسلاميّة الثّوريّة التي مثّلت شعوباً مضطهدَة ذات أغلبيّة مسلمة مثل الفلسطينيّين والكشميريّين والشّيشانيّين والبوسنيّين والإيغور.

 

 

الإسلامويّة السّياسيّة من أربكان إلى أردوغان
جاء حزب العدالة والتّنمية الحاكم الّذي يتزعّمه أردوغان إلى السّلطة في تركيا عام 2002، ووصف نفسه بأنّه محافظ وديمقراطيّ. ومع ذلك، فإنّ كوادر قيادة الحزب تكوّنت أساساً من الجيل الجديد من الإسلامويّين الأتراك، ممّن كانوا أتباعاً ومساعدين سابقين لنجم الدّين أربكان (1926-2011).
كان أربكان رمز تركيا الإسلامويّ منذ السّتينيّات وحتّى ظهور أردوغان وتأسيس حزب العدالة والتّنميّة في عام 2001. وطوال حياته السّياسيّة، دعا أربكان إلى ضرورة تطوير تركيا لعلاقات أقوى مع العالم الإسلاميّ، وليس مع الغرب. على سبيل المثال، نعت الاتّحاد الأوروبيّ - الّذي تقدّمت تركيا بطلب الانضمام إليه - بأنّه "ناد مسيحيّ"، وتزعّم عمليّة تأسيس منظّمة إسلاميّة دوليّة عرفت باسم "دي 8"، والّتي تشكّلت من ثماني دول إسلاميّة كبرى. على كلّ حال، لم يتمكّن أربكان من تحقيق الكثير. فلم يصل إلى السّلطة البتّة على رأس حزب يتمتّع بالأغلبيّة السّياسيّة، وبالتّالي كان عليه أن يبرم صفقات مع أحزاب سياسيّة أخرى عندما يكون في الحكومة ويواجه مؤسّسة كماليّة هائلة أصبحت أقوى مع سيطرة الكماليّين على القوّات المسلّحة والقضاء والجامعات ووسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: كلهم ضد الحرب مع إيران إلا... تركيا!
بعد تلقّيها درساً مؤلماً من فشل أربكان في تحدّي المؤسّسة الكماليّة، خفّفت قيادة حزب العدالة والتّنمية - بمجرّد وصولها إلى السّلطة في 2002 - من خطابها الأيديولوجيّ، واحتضنت الدّيمقراطيّة وحتّى العلمانيّة، وتمكّنت من بناء تحالف اجتماعيّ واسع النطاق. وعند تولّيهم السّلطة في أوّل انتخابات لهم بعد الانفصال عن أربكان، بدأ قادة حزب العدالة والتّنمية عمليّة طويلة لتفكيك المؤسّسة الكماليّة، استغرقت ما يقرب من عقد من الزّمان.
خلال العقد الأوليّ (2002-2011)، ظلّ زعماء حزب العدالة والتّنمية موالين إلى حدّ ما لخصائص السّياسة الخارجيّة التّقليديّة لتركيا. حتّى أنّ حزب العدالة والتّنمية اتّبع برنامج إصلاح سياسيّ للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ، وهو إجراء أكثر طموحاً من أيّ شيء آخر اتّخذته أيّ حكومة تركيّة سابقة. حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو وعملوا على تحسين علاقات تركيا مع الولايات المتّحدة. وفي بداية الغزو الأمريكيّ للعراق، على سبيل المثال، وبصفته رئيس وزراء تركيا، نشر أردوغان مقال رأي في صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان معبّر: "بلدي… حليفك وصديقك الوفيّ". وممّا ذكره أردوغان في هذا المقال: "إنّنا مصمّمون على الحفاظ على تعاوننا الوثيق مع الولايات المتّحدة. كذلك، نأمل ونصلّي من أجل أن يعود الشّبان والشّابات الشّجعان إلى ديارهم بأقلّ خسائر ممكنة، وأن تنتهي المعاناة في العراق في أقرب وقت ممكن".

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي: تراجع للحريات وقيود على القضاء بتركيا
مع ذلك، وعلى مستوى آخر، اتّبع حزب العدالة والتّنمية سياسة خارجيّة إسلامويّة خفيّة إلى حدّ ما. انطلاقاً من الفكر الإسلامويّ التّركيّ، يعتقد قادة حزب العدالة والتّنمية أنّ المسلمين أمّة واحدة، لكنهم منقسمون بشكل ظاهريّ إلى هويّات قوميّة وإثنيّة وطائفيّة. وعلى كلّ حال، يشعر العديد من قادة حزب العدالة والتّنمية بأنّ على المسلمين أن يتطلّعوا إلى تجاوز كلّ ما يفرّقهم من أجل العمل على تطوير دولة إسلاميّة واحدة. لذلك، في ظلّ حكومات حزب العدالة والتّنمية المتعاقبة من 2002 حتّى 2011، كانت تركيا تهدف إلى تحقيق هذا المثل السّياسيّ، بغض النّظر عن مدى مثاليّته أو لامثاليّته (حسب موقفك السّياسيّ).

 حافظ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية أيضاً على التزامات تركيا تجاه حلف الناتو

صعود السّياسات الخارجيّة الإسلامويّة
لم يكن الأمر واضحاً في العقد الأوّل من القرن العشرين، ولكن بحلول 2010-2011، بعد أن نفى حزب العدالة والتّنمية كلّ النّفوذ الكماليّ تقريباً داخل الدّولة وخارجها، شرع الإسلامويّون في تركيا يتحدّثون بصوت أعلى عن الأهداف الإسلامويّة للسّياسة الخارجيّة لحزب العدالة والتّنمية. وبعد 2010، بدأ المؤيّدون الإسلامويّون المتشدّدون للجناح الإعلاميّ لحزب العدالة والتّنمية في تصوير أردوغان ضمن دور دينيّ أكبر، وغالباً ما كرّروا الشّعار الشّهير الآن، "أنت [في إشارة إلى أردوغان] حلم هذه الأمّة وقد تحقّق".

لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ"

إلى جانب الشّعارات والتّصويرات الإعلاميّة، اتّخذت تركيا في عهد أردوغان خطوات ملموسة لتطوير العلاقات مع المسلمين غير الأتراك. على سبيل المثال، زادت تركيا تجارتها الإجماليّة مع العالم الإسلاميّ ثمانية أضعاف. وبفضل الجهود الّتي بذلها قادة حزب العدالة والتّنمية في مختلف القدرات، زادت تجارة تركيا مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة من 8.4 مليار دولار في 2002 إلى 69 مليار دولار في 2018. وفي محاولة لتحسين العلاقات مع الدّول ذات الأغلبيّة المسلمة، فإنّ الدّولة الّتي يقودها أردوغان عملت على إلغاء متطلّبات التّأشيرة بشكل متبادل، وإنشاء آليات تشاور رفيعة المستوى، والمشاركة في جهود الوساطة في بعض النّزاعات الدّائمة بين الدّول وداخلها، والمشاركة في منظّمات إقليميّة مثل مجلس التّعاون الخليجيّ وجامعة الدّول العربيّة.
كذلك، عزّزت تركيا تعاونها الوثيق مع المنظّمات غير الحكوميّة في العالم الإسلاميّ، وعملت على تنشيط منظّمة التّعاون الإسلاميّ، واستضافت عشرات المؤتمرات الدّوليّة الّتي حضرتها شخصيّات دينيّة بارزة وكذلك مثقّفون/أكاديميّون علمانيّون من الشّرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، وباشرت العديد من مشاريع التّرميم فيما يخصّ التّراث العثمانيّ، وقدّمت مختلف أشكال المساعدات الإنسانيّة الدّوليّة - في المقام الأول للمسلمين المحتاجين. ومن خلال جهود حزب العدالة والتّنمية وأردوغان لتعزيز علاقاتهما التّاريخيّة مع جماعة الإخوان المسلمين والحركات الدّينيّة الإسلاميّة الأخرى، أصبحت تركيا مركزاً يمكن فيه لصانعي الرّأي الإسلاميّ عبر العالم الّلقاء والنّقاش حول المشكلات المشتركة.

اقرأ أيضاً: هكذا استغلت تركيا الإخوان المسلمين في إريتريا..ما أهدافها؟
عبر احتضان الرّبيع العربيّ بوصفه أداة لـ"اتّحاد الإسلام" - شأن إخوانهم الإسلامويّين في أماكن أخرى من الشّرق الأوسط -، أصبح الإسلامويّون في تركيا مبتهجين بالرّبيع العربيّ. وربّما تُعدّ وجهة نظر وزير الخارجيّة التّركيّ آنذاك، أحمد داود أوغلو، بشأن الرّبيع العربيّ أفضل مثال على ما رآه حزب العدالة والتّنمية في الأيّام الأولى من عام 2011. خلال حديث له في منتدى الجزيرة في مدينة الدّوحة في قطر، في آذار (مارس) 2011، ادّعى داود أوغلو أنّه منذ انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة، مرّ الشّرق الأوسط بتجربتين مأساويتين، كلّ واحدة منها عملت على تعميق العزلة بين شعوب المنطقة. أوّل تجربة كانت الاستعمار والأخرى كانت الحرب الباردة. وعلى كلّ حال، كانت هذه الفترة بأكملها، كما ادّعى داوود أوغلو، انحرافاً غير طبيعيّ، وشذوذاً في تاريخ المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل ينجح العراق في وضع حدٍّ لتجاوزات تركيا؟
ومع نهاية الحرب الباردة، كما أوضح داود أوغلو، كان ينبغي لهذه الغرابة أن تنتهي. ومع ذلك، لم يحدث ذلك لأنّ المنطقة لم تمرّ بعمليّة دمقرطة. وقد حاجج داود أوغلو بشكل طنّان في خطابه بأنّ "الرّبيع العربيّ" في الواقع يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى طبيعته. يقول: "الأحداث الّتي تجري حولنا اليوم تمثّل تطوّرات طبيعيّة. إنّها تتطوّر، بالطّبع، بشكل تلقائيّ، لكن علينا أن نراها بوصفها انعكاسات طبيعيّة للتّدفّق الطّبيعيّ للتّاريخ".
في رأيه، يبدو أنّ "الرّبيع العربيّ" يعيد تاريخ الشّرق الأوسط إلى سويّته، أو وفق استعاراته، يغلق "قوساً عمره 100 عام" في المنطقة، أو يكسر "القالب الّذي رسمته معاهدة سايكس-بيكو" من خلال جلب الأحزاب السّياسيّة الّتي تمثّل بحقّ شعوب الشّرق الأوسط والإسلامويّين في المنطقة إلى السّلطة.

اقرأ أيضاً: تركيا ـ أردوغان قلقة... لماذا؟
لقد احتضنت تركيا تماماً "الرّبيع العربيّ" أكثر من أيّ دولة أخرى، بالرّغم من أنّها كانت تتمتّع بعلاقات اقتصاديّة وسياسيّة ممتازة مع كافّة دول وأنظمة ما قبل "الرّبيع" بما في ذلك سوريا. لم يكن هناك سبب اقتصاديّ أو جيوسياسيّ مُقنِع وراء مثل هذا الاحتضان الصّادق، إلّا أنّ قيادة حزب العدالة والتنمية اعتقدت أنّ "الرّبيع العربيّ" يمهّد الطّريق أمام "اتّحاد الإسلام". وكما رأينا، كان هذا دائماً الهدف والمثل الأعلى للإسلامويّين في تركيا.
بعد مرور عامين على خطابه الّذي ألقاه في منتدى الجزيرة، كان داود أوغلو أكثر ثقة في المستقبل الّذي ينتظر "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. في خطاب ألقاه في جامعة دجلة، في مدينة ديار بكر في تركيا، في آذار (مارس) 2013، أعلن داود أوغلو قائلاً: "سنجعل الحدود بلا معنى في رياح التّغيير هذه [الّتي تهبّ] في الشّرق الأوسط، [وسنعمل] مع الإدارات الّتي أتت إلى السّلطة والّتي ستأتي إليها".

اقرأ أيضاً: الديمقراطية تخسر المعركة في تركيا
وبعد أربعة أشهر فقط من إلقاء هذا الخطاب، تحطّمت أحلام تركيا بشأن مستقبل الشّرق الأوسط بسبب الأحداث الّتي وقعت في مصر والإطاحة بالرّئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين، محمّد مرسي. وعلاوة على ذلك، فإنّ النّزاع الأهليّ المستمرّ والمتعمّق في سوريا وليبيا واليمن كان يشير بالفعل إلى أنّ مياه التّاريخ لن تتدفّق حسب رغبة داوود أوغلو وغيره من الإسلامويّين الأتراك. في أواخر صيف 2013، وجدت تركيا نفسها معزولة في المنطقة وانتقلت إلى الدّولة الأخرى الوحيدة في الشّرق الأوسط الّتي تواجه نكسة مماثلة، قطر.

احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013

أحداث ما بعد 2013 وعزلة أردوغان المستمرّة
كان عام 2013 دراماتيكيّاً من بعض النّواحي الأخرى. اندلعت احتجاجات ضخمة في شوارع إسطنبول، عرفت باسم احتجاجات غيزي بارك، في أواخر أيّار (مايو) 2013 وانتشرت إلى المدن التّركيّة الكبرى الأخرى، وأظهر تحقيق في الفساد - كان قد بدأ في كانون الثّاني (ديسمبر) 2013 - تورُّط عشرات المسؤولين رفيعي المستوى في حزب العدالة والتّنمية. من جانبهم، فسّر الأنصار الإسلامويّون لحزب العدالة والتّنمية كلّ هذه التّطورات دون أيّ عين نقديّة. من خلال رفض هذه الاتّهامات، رجعت قاعدة حزب العدالة والتّنمية، والإسلاميّون الأتراك، إلى الخيال التّاريخيّ بشأن "اتّحاد الإسلام" في الشّرق الأوسط. وكما أوضح العديد من الإسلامويّين للقرّاء الأتراك في أعمدة الصّحف ومقالات الرّأي، فإنّ "الجهات الدّوليّة الفاعلة" القوية كانت تعمل بشكل خفيّ ضدّ أردوغان وإدارته. فسيطرة الجيش على الأمور في مصر، واحتجاجات غيزي بارك، والتّحقيق الخاصّ بالفساد، كلّها أحداث تهدف - من وجهة نظر النّقاد الإسلامويّين الأتراك في عامي 2013 و2014 - إلى الحفاظ على الوضع الرّاهن في الشّرق الأوسط، بحيث يمكن للنّظام العالميّ الاستغلاليّ، الّذي لا يستفيد من أحد سوى الولايات المتّحدة وأوروبا، أن يستمرّ.

اقرأ أيضاً: هل تبخرت أحلام تركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في سواكن السودانية؟
ومنذ 2013-2014، شهدت تركيا تغييراً كبيراً في الدّاخل والخارج. بالإجمال، وعلى كلّ حال، سبح أردوغان خلال موجات من المدّ والجزر خلال عام 2013 واستطاع تعزيز قوّته. وفي غضون ذلك، تغيّر توجّه تركيا في السّياسة الخارجيّة أيضاً. إنّ طموح تركيا في لعب دور نَشِط وقياديّ في الشّرق الأوسط لم يتضاءل. ومع ذلك، فقد نقّحت أيضاً وبشكل جديّ أولويّاتها في الشّرق الأوسط، في الوقت الّذي تحالف فيه أردوغان نفسه مع القوميّين الأتراك من أجل الحفاظ على سلطته في الدّاخل. وعلى غرار القوميّين الأتراك الجيّدين، يرى أردوغان وبقيّة قادة حزب العدالة والتّنمية الآن أنّ الهدف الرّئيس لتركيا في الشّرق الأوسط يتمثّل في القضاء تماماً على وحدات حماية الشّعب في شمال سوريا، والّتي تعتبرها الدّولة التّركيّة الفرع السّوريّ لحزب العمّال الكردستانيّ، وبالتّالي تهديداً أمنيّاً. ولتحقيق هذه الغاية، قامت تركيا بتوغّلين عسكريّين كبيرين وتستعدّ الآن لعمليّة ثالثة. ومع ذلك، في نهاية المطاف، وبغض النّظر عن مدى تحرّك أردوغان نحو القوميّين الأتراك للبقاء في السّلطة، فإنّ حزب العدالة والتّنمية وقاعدة دعم الرّئيس يستندان إلى الإسلامويّين الأتراك.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
الإسلامويّة هي أمر يرجع تعريفه إلى الإسلامويّين. وما إذا كان التّوجّه الجديد للسّياسة الخارجيّة لتركيا متوافِقاً مع الفهم العالميّ للإسلامويّة أم لا لَهو قضيّة لا يمكن لشخص من الخارج أن يحسمها. يكفي أن نقول إنّ العديد من الإسلامويّين في تركيا وفي الخارج قد اضطّروا - على الأقلّ علناً - إلى تبنّي استخدام نظام أردوغان لسياسة خارجيّة تركّز على الإسلامويّة. وما زال العديد من الإسلامويّين الأتراك ينظرون إلى أردوغان على أنّه تجسيد لشخصيّات تاريخيّة مثل أرطغرل غازي وعبد الحميد الثّاني، كما جرى تصويرهما بوضوح في مسلسلين تركيّين شهيرين: قيامة أرطغرل وعاصمة عبد الحميد. كان أرطغرل غازي والد عثمان غازي، مؤسّس الإمبراطوريّة العثمانيّة، ويدّعي الإسلامويّون الأتراك أنّ أرطغرل نجا وتمكّن من الصّمود في وجه العديد من المؤامرات المحلّيّة والدّوليّة. وعبد الحميد الثّاني كان سلطاناً عثمانيّاً حكم خلال القرن التّاسع عشر وجرى الحديث عنه سابقاً في هذا النّصّ. ويعتقد عدد كبير من الإسلامويّين أنّ عبد الحميد الثّاني قد دعم المسلمين في كافّة أنحاء العالم واستخدم مؤسّسة الخلافة في مواجهة الإمبرياليّة الغربيّة.

 

 

استخدام الإسلامويّين للسّياسة الخارجيّة
غالبًا ما يزعم محلّلو السّياسة الخارجيّة أنّ الدّول تستخدم الدّين أو تعبّئ الجهات الدّينيّة الفاعلة لخدمة مصالح خالية من أيّ معنى أو هويّة دينيّة حقيقيّة. وينظر هؤلاء المحلّلون إلى السّياسة الخارجيّة لأمّة ما باعتبارها انعكاساً للمخاوف السّياسيّة والاقتصاديّة داخل البلاد. ومع ذلك، فإنّ هذا النّهج لا يمنحنا الصّورة الكاملة، خاصّة عندما يقوم السّياسيّون "الّذين ينطلقون من دوافع دينيّة" بصياغة وتنفيذ هذه السّياسات الخارجيّة. وتتّضح حدود هذا النّهج عند النّظر إلى سبب احتضان تركيا للرّبيع العربيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا: هل تُلغى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؟
لا يبدو أنّه ثمّة سبب اقتصاديّ أو سياسيّ واضح أو جذّاب قد أدّى إلى احتضان تركيا لـ"الرّبيع العربيّ". بعد "الرّبيع العربيّ"، جرى ربط القوّة الرّئيسة وراء السّياسة الخارجيّة التّركيّة، عوضاً عن ذلك، بالعامل الأيديولوجيّ. وانطلاقاً من خلفيّتها الإسلامويّة، رأت قيادة حزب العدالة والتّنمية الحاكم في تركيا في "الرّبيع العربيّ" فرصة تاريخيّة يمكن أن تزيل النّخبة الحاكمة المنعزلة ثقافيّاً في العالم العربيّ وتصل بـ"الصّوت الحقيقيّ" للشّعب إلى السّلطة. وفي أذهان قادة حزب العدالة والتّنمية، كانت الجماهير في العالم العربيّ، كأغلبيّة، تميل بشكل طبيعيّ نحو الإسلامويّين، وأيّ انفتاح ديمقراطيّ سيؤدّي إلى صعود جماعات معارضة مثل جماعة الإخوان المسلمين، الّتي تعكس في نظرهم تقوى الشّارع العربيّ، إلى السّلطة. ووفقاً لفهم الإسلامويّين الأتراك، كان الرّبيع العربيّ يُطلِق عمليّة تحوّل يمكن أن تساعد الإسلامويّين في تركيا على تحقيق حلمهم الرّاسخ المتمثّل في "اتّحاد الإسلام" في كافّة
أنحاء العالم الإسلاميّ.


المصدر: بيرول باسكان، ذي كايرو ريفيو

الصفحة الرئيسية