كيف تفسر جيواقتصاديات الطاقة السياسية التركية في ليبيا؟

كيف تفسر جيواقتصاديات الطاقة السياسية التركية في ليبيا؟

مشاهدة

29/06/2020

محمد العربي

تمثل ليبيا بالنسبة لأنقرة  كنزًا استراتيجيًّا؛ فليبيا تتيح للنفوذ التركي مساحة لم تكن الدولة العثمانية بعيدة عنها منذ أكثر من مائة عام فقط. لذا يمكنها بناء وجود عسكري وسياسـي دائم يمكن استخدامه للضغط على الخصوم الإقليميين غير البعيدين عن ليبيا؛ خاصة اليونان ومصر وقبرص اليونانية. كما أنها منفذ الهجرة غير الشرعية الأساسـي لجنوب أوروبا، والتـي انفجر خطرها بعد انهيار نظام القذافي؛ حيث أضحى تهريب البشر من دول الساحل ووسط أفريقيا إلى جنوب وأوروبا مصدر دخل كبير للعصابات والمليشيات التـي تحكم البلاد فعلاً في الغرب والجنوب. وبالتحكم في هذه الخطوط يمكن لتركيا أن تعزز أداة استخدام اللاجئين والمهاجرين لتهديد أوروبا. كما أن ليبيا هي منفذ آخر على أفريقيا؛ خاصة البلدان الإسلامية في الساحل والغرب الأفريقي.

بيد أن هذه الأهداف الجيوسياسية للتدخل التركي في ليبيا تدفعها غاية أخرى أكثر إلحاحًا؛ وهي الإفادة من ملف الطاقة الليبية، وربطه بالنزاع على غاز شرق المتوسط. كان هذا واضحًا من خلال الاتفاقية التـي عقدتها أنقرة مع حكومة السراج، والتـي، وإن أسست للتدخل العسكري في تركيا بدعوى حماية “الحكومة المعترف بها دوليًا،” إلا أنها وسعت من الصراع في ليبيا حيث جعلته محكومًا بآليات الصراع على غاز شرق المتوسط. ومن ثم، ربطت الملف الليبـي باستراتيجية “الوطن الأزرق Mavi Vatan”  والتـي كانت قاصرة سابقًا على تأكيد هيمنة تركيا العسكرية والاقتصادية على محيطها المائي في البحر الأسود والمضايق وبحر مرمرة والبحر المتوسط، بما في ذلك التنقيب في الحقول المتنازع عليها مع قبرص باسم الدفاع عن قبرص اليونانية.

ما هي المحددات الجيواقتصادية لسياسات الطاقة التركية في المنطقة؟

تركيا بلد فقير في موارد الطاقة. فهي تستورد ٩٠٪ من احتياجاتها النفطية من دول الجوار وعلى رأسها إيران والعراق والسعودية وروسيا. وتعتمد في تركيا على إنتاج الكهرباء التي تتزايد الحاجة السكانية والاقتصادية لها باضطراد على الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى ٤٠٪، إلا أنها تستورد ٩٩٪ من الغاز الطبيعي من أذربيجان وروسيا وإيران. وبالتالي، فتركيا مستورد صافِ للطاقة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للأزمات الاقتصادية الناتجة عن تقلبات سوق الطاقة العالمية، كما أن محاولات تقليل “الاعتمادية” على الواردات من إيجاد بدائل من الطاقة المتجددة والنووية والوقود الصناعي لم تثبت قدرتها  علي تحقيق هذا الهدف.

على الرغم من هذه الاعتمادية استهدفت تركيا إلى التحول إلى سوق هامة للطاقة من خلال إبرام صفقات لتوريد الغاز والبترول لسد احتياجات الداخل؛ واستغلال الموقع الجغرافي لنقل الغاز من منتجي الطاقة (روسيا وإيران وأذربيجان والعراق) إلى مستهلكيها في أوروبا. اتضح هذا البعد الأخير في اشتراك تركيا في إنشاء العديد من خطوط نقل الغاز وأبرزها مشروعات “خط جنوب القوقاز” و”باكو-تبليسـي- أرضروم” و”خط الربط الداخلي بين تركيا واليونان”، و”خط الغاز الطبيعي عبر الأناضول”. وتمثل هذه المشروعات جزءًا من ممر الغاز الجنوبي، ومن المتوقع ربطه بمشروع آخر هو “الخط العابر للأدرياتيكي”. كذلك تنخرط تركيا في خط آخر لنقل الغاز من روسيا وهو “تورك ستريم” عبر البحر الأسود.

من المنتظر أن تساهم هذه الخطوط المنشأة وطور الإنشاء في تنويع مصادر توريد الغاز لتركيا، فضلاً عن عوائدها الضخمة على الاقتصاد التركي، وكذلك تقليلها من الأثر الاستراتيجي للاعتماد على استيراد الطاقة. بالإضافة إلى هذه العوائد الاقتصادية التـي تقوم علي تحويل تركيا إلى مركز للطاقة Energy Hub في الشرق الأوسط وفي جنوب أوروبا، فإن  تركيا تعمل على  تحويل الطاقة إلى ورقة للضغط على القوى الأوروبية، بالضبط على النحو الذي تتعامل به مع ملفات المهاجرين والعناصر الجهادية المطرودة مؤخرًا من سوريا والعراق. وبالتالي تحويل اعتمادية الطاقة إلى أداة للمساواة على المكاسب الاقتصادية والسياسية، خاصة على ساحة الشرق الأوسط وأبرزها سوريا، وحاليًا ليبيا، بالإضافة إلى ملفات مثل الدعم الغربي للأكراد في سوريا، أو تطبيع النفوذ السياسـي لأنقرة في أوساط الجاليات التركية.

إلا أن تصاعد التنافس على غاز شرق المتوسط، وامتلاك المنافسين الإقليميين لتركيا؛ خاصة اليونان ومصر وإسرائيل لاحتياطات كافية من الغاز، ولها القدرة على منافسة خطوط الطاقة التركية من خلال مد خطوط طاقة جديدة أبرزها “ميدستريم” المدشن مؤخرًا بين إسرائيل وقبرص واليونان، دفع أنقرة لتغيير استراتيجية الطاقة لتضيف “الإنتاج” فضلاً عن التمرير.

وهو ما أدى إلى تعقيد اللعبة الإقليمية خاصة مع تجاهل أنقرة لحقيقة عدم وجود احتياطات من الغاز الطبيعي داخل حدود المنطقة الاقتصادية الخاصة بها، وتعقد الصراع بين جمهورية قبرص التركية غير المعترف بها دوليًا وقبرص اليونانية، ووجود تحالف ضمنـي بين الأخيرة واليونان ومصر لمواجهة السلوك التركي العدائي، وهو ما أدى إلى استبعاد تركيا من منتدى غاز شرق المتوسط المنشأ بمبادرة مصرية في يناير ٢٠١٩. وهو ما ردت عليه تركيا بدبلوماسية عدائية تمثلت في عمليات تنقيب داخل المياه القبرصية بحماية الأسطول التركي والقيام بتدريبات عسكرية متتالية تستهدف الدفاع عن “حقوق” تركيا في التنقيب وهو ما أدى زيادة معدل “العسكرة” في شرق المتوسط؛ خاصة مع عدم وجود إطار إقليمي حاكم لحل النزاعات الحدودية أو حول الموارد في المنطقة؛ على نحو جعل المنطقة قابلة للاشتعال في أية لحظة.

كيف وسعت اتفاقية أنقرة- الوفاق حدود استراتيجية الوطن الأزرق التركية؟

تمثل استراتيجية الوطن الأزرق العقيدة شبه الرسمية والمفسرة للسياسة الخارجية التركية بعد أن هجرت أنقرة مبدأ “صفر مشاكل” لصالح سياسة أكثر عدائية وصدامًا مع جيرانها ومع شركائها في أوروبا والناتو. تتلاقى هذه الاستراتيجية مع مذهب العثمانية الجديدة، والذي يعد موضع خلاف كبير لدى مراقبـي الشأن التركي بسبب غموضه وتناقض استعمالاته، في التأكيد على قدرة تركيا على التشكل كقوة عالمية مستقلة في مواجهة السياسة الأطلسية، وإن كانت أكثر إصرارًا على أولوية القومية التركية علي حساب أي انتماء إقليمي أو أيديولوجي.

وفي هذا السياق، ترى إمكانية التحالف مع القوى غير الأطلسية من خارج الناتو مثل روسيا. وتستمد الاستراتيجية اسمها من الموقع الجيوسياسـي لتركيا باعتبارها القوة الأهم في البحر المتوسط والبحر الأسود الذي تتشاركه مع روسيا.

وبالتالي، ووفقًا لواضعي هذا الإطار، وعلى رأسهم جيم غوردنيز Cem Gürdeniz القائد السابق للبحرية التركية والمنتمي للحركة القومية حليفة أردوغان، فلأنقرة حق أصيل في التنقيب على الغاز والبترول في نطاق نفوذها السياسـي التاريخي وهو شرق المتوسط، دون أي تقيد أو اعتراف بالواقع الدولي أو بقوانين ترسيم الحدود البحرية؛ حيث ترفض تركيا إلى الآن اتفاقية الأمم المتحدة للبحار (١٩٨٢).

كانت الاتفاقية التـي عقدتها أنقرة مع حكومة السراج في طرابلس، في نوفمبر ٢٠١٩ وتضمنت إطارين للتعاون الأمنـي والعسكري ولترسيم الحدود البحرية، بمثابة التفافًا تركيًا على العزلة التـي ضربت على أنقرة بفعل التحالف الناشـئ في شرق المتوسط، وتوسيعًا لنطاق “الوطن الأزرق التركي” يشمل السواحل الليبية ويبتلع الجزر اليونانية المقابلة لشرق ليبيا التـي تجاهلها مهندسو الاتفاقية وعلى رأسهم “جهاد ياچـي” الذي يمثل امتدادًا لأفكار غوردنيز، وجودها في الحدود المرسومة.

وبالنسبة لحكومة الوفاق، فإن الاتفاقية تؤسس لتوسيع التدخل التركي في الشؤون الليبية وارتكز على دعم المليشيات والحركات الإسلامية منذ ٢٠١٣ ليصبح رسميًّا. وبالتالي، أصبحت آليات الصراع في ليبيا مرتبطة بالمصالح التركية واستراتيجية الطاقة الخاصة بها وآليات تفاعلها مع كل من الناتو وروسيا، فضلاً عن انخراطها في الصراع حول سوريا.

في مقابل الدعم العسكري الذي حصلت عليه حكومة الوفاق خلال الأشهر الأخيرة، ونجح في إحباط هجوم الجيش الوطنـي  على طرابلس، عادت الشركات الإنشائية التركية للعمل في ليبيا، خاصة تلك العاملة في بناء محطات الكهرباء، فيما أعلنت أنقرة عن استعدادها تولي عمليات إعادة الإعمار في المساحات الخاضعة لنفوذ حلفائها؛ وذلك مع تواتر تقارير تشير إلى إيداعات بمليارات الدولارات من مصرف ليبيا المركزي الخاضع لحكومة الوفاق للبنوك التركية لتغطية تكاليف الدعم العسكري، والذي يشمل دفع رواتب المرتزقة وشراء الآليات العسكرية.

إلا أن الأهم أن أنقرة أكدت استعدادها من خلال شركة النفط التركية لبدء التنقيب عن الغاز والبترول في السواحل الليبية الخاضعة لاتفاقية الترسيم. إلا أن توقف تقدم مليشيات الوفاق المدعومة تركيا عند خط “سرت الجفرة” يعنـي أن طموحات تركيا في غاز ونفط ليبيا، في إطار وخارج اتفاقية الترسيم لن تخضع فقط لتحالف أنقرة مع حكومة السراج وكارتلات مصراته.

ما هي حدود إفادة تركيا من الغاز والنفط الليبـي؟

فضلاً عن تعقد إمكانية تحقق اتفاقية أنقرة- السراج البحرية مع ترسيم الحدود البحرية بين اليونان وإيطاليا ، واقتراب الأولى من إبرام اتفاقية مماثلة مع مصر، فقد كانت المعضلة الأساسية في الاتفاقية أن السواحل الليبية المعنية في القلب من سيطرة الجيش الوطنـي وحكومة مجلس النواب، وبدون الاستيلاء على الساحل الشرقي، لا تتجاوز قيمة الاتفاقية حبر توقيعات المسؤولين عنها.

لذلك، فمن الضروري لأنقرة أن تصل مليشيات الوفاق ومعها المرتزقة السوريون إلى تلك المنطقة وأن يحكموا السيطرة وهو ما يعنـي ضرورة خرق الخط الأحمر الذي حددته كل من موسكو والقاهرة والمتمثل في “مدينةسرت، قاعدة الجفرة” والتـي تمثل البوابة الغربية للهلال النفطي الليبـي، وتعنـي السيطرة عليها سهولة السيطرة على ساحل يمتد إلى ٣٥٠ كيلومتر ويحتوي على الموانئ النفطية السدرة وراس لانوف والبريقة صولاً لبنغازي حيث تمتد ١١ أنبوب بترول و٣ أنابيب للغاز الطبيعي تعبر المتوسط وصولاً لجنوب أوروبا. إلا أن هذا يعنـي سعي تركيا لتحقيق نصر كامل في الصراع الليبـي، وهو ما لا يمكن الوصول له بدون التالي:

1- تغيير بنية القوات المقاتلة لقوات نظامية عالية التجهيز والتدريب.

2- تغيير نمط التدخل التركي إلى تدخل بري وربما جوي، وهو ما يعنـي  الدخول في صدام مباشر مع الجيش الوطنـي وربما الجيش المصري وفقًا لتصريحات القاهرة الأخيرة بتاريخ٢٠ يونيو  والصدام باعتراضات من داخل أوروبا والناتو. وبالتالي، فحسابات هذه المعركة تعنـي زيادة تكلفة التدخل التركي عما كانت تطمح إليه، إذ أن دخول الصراع الليبـي في مرحلة الصراع الإقليمي العسكري المباشر يعنـي خسارة تركيا أية مكاسب اقتصادية عاجلة أو آجلة.

مع الضرورة الأخذ في الاعتبار مطامع تركيا في النفط والغاز الليبيين، وهو ما بدأ فعليًا مع ترقب تركيا لمعارك الهلال النفطي وطرد الجيش الوطنـي لمليشيات حرس المنشآت النفطية التابعة للوفاق، ثم تشغيل عدد من شركات شرق ليبيا لموانئ الهلال النفطي بعيدًا عن المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، فمن الهام أيضًا عدم المبالغة في قدرة تركيا على ابتلاع مقدرات الطاقة الليبية.

فإلى الآن يبدو أن قطاع الإنشاءات التركية هو المستفيد الأكبر من العلاقات بين أنقرة والوفاق وكارتلات مصراته. وسيكون على تركيا الدخول في صدام مباشرة مع تحالف شرق المتوسط، فضلاً عن الاعتراضات الروسية الفرنسية لتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود مع الوفاق على الأرض. كما لا يغيب على أحد أن تركيا تفتقد القدرات التقنية والفنية التـي تنافس بها العقود السابقة التـي حصلت عليها الشركات الروسية والإيطالية والبريطانية في الفترة السابقة على اندلاع الحرب الأهلية.

على الرغم من أن تركيا قد فرضت نفسها كطرف أصيل في معادلة الصراع على ليبيا، إلا أنها تدرك أيضًا محدودية قدراتها العسكرية، في سياق ليبيا، فضلاً عن تشظي تحالف “الوفاق”.

لذا قد تجد نفسها مضطرة لبحث إمكانية التعاون مع روسيا وبقية الأطراف الأوروبية لضمان تحقيق أهدافها الاستراتيجية سالفة الذكر وقضم حصة من قطاع النفط. حتى ذلك حين، ستبقى ليبيا ورقة للضغط علي الخصوم وابتزازهم وربما إجبارهم علي التعاون معها.

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية