
ترجمة محمد الدخاخني
تعيش الأحزاب السياسية الأمريكية حالة من الفوضى، فبدلاً من أن تكون المحرك الرئيس لسياسة البلاد، حلَّت محلها شخصيات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي وجماعات سياسية غير ربحية ولجان عمل سياسي كبرى، بالإضافة إلى المليارديرات الذين يمولون كل ذلك والمجموعات الاستشارية التي يوظفونها.
قبل بضعة أجيال كانت الأحزاب السياسية هي التي تنظم الحياة السياسية. وفي العديد من المجتمعات كانت هناك صلة عضوية بين الأحزاب وأعضائها. وقد وفَّرت الأحزاب هيكليةً وفرصاً للوصول، بالإضافة إلى بعض المزايا لمن انضموا إليها وشاركوا في عملها.
لكن لم يعد هذا هو الحال بالنسبة إلى معظم الأمريكيين. فاليوم أصبحت الأحزاب بمثابة "علامات تجارية" يُطلب من الناخبين تحديد هويتهم بها. إنّها أدوات للبحث عن التبرعات، حيث تجمع الأموال للعمليات الحزبية والمجموعات الاستشارية التي تقدّم الآن "الخدمات": اختبارات المراسلة وبيانات الناخبين والإعلانات والاتصالات.
بعبارة أخرى؛ تقتصر الصلة بين معظم الناخبين والأحزاب السياسية إلى حد كبير على ارتباط فضفاض بـ "العلامة التجارية"، وعلى الظهور في قوائم جمع التبرعات عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي أو المكالمات الآلية التي تطلب المال أو الأصوات. وبينما تجمع هذه الجهود بعض الأموال، فإنّ المبالغ ضئيلة مقارنةً بمئات الملايين التي يُسهِم بها المانحون من المليارديرات الذين يملؤون خزائن الأحزاب وجماعات المصالح "غير التابعة" الليبرالية أو المحافظة متزايدة النفوذ ولجان العمل السياسي.
وأفادت التقارير أنّه في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 جمعت إحدى هذه اللجان الليبرالية المستقلة وأنفقت ما يقارب ما جمعته حملة كامالا هاريس (حوالي مليار دولار) على رسائل كانت أحياناً متعارضة مع حملة هاريس التي يُفترض أنّها تدعمها. وفعلت جماعات الإنفاق المستقلة الجمهورية الشيء نفسه تقريباً، فقد أنفقت إحداها ربع مليار دولار على استهداف الناخبين العرب واليهود برسائل بريدية وإعلانات مضللة تهدف إلى قمع أصواتهم. وفي النهاية أغرقت المليارات التي أنفقتها الحملات الانتخابية والجماعات المستقلة الناخبين برسائل ورسائل مضادة، ممّا تسبب في إرباكهم وعزلهم.
حتى عندما وفَّرت الأحزاب تمويلاً لمستشارين للتواصل الشخصي مع الناخبين، من خلال توظيف مندوبين للزيارات المنزلية أو التواصل مع مراكز الاتصال الهاتفية، كانت جهودهم سطحية وغير مقنعة، لعدم وجود روابط عضوية تربطهم بالناخبين الذين يتواصلون معهم. وهذا يتناقض بشكل ملحوظ مع ما كان عليه الحال قبل عقود، عندما كان المندوبون والمتصلون قادة محليين منتخبين للأحزاب يتواصلون مع جيرانهم ممّن تربطهم بهم علاقات شخصية.
النقص في التواصل العضوي مع الناخبين وضعف البنية التحتية للأحزاب وسيل الرسائل التلفزيونية ورسائل وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أشكال الرسائل الرقمية أشياء تأتي بين بعض أسباب انخفاض مستوى الانتماء الحزبي إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، حيث يُعرِّف 43% من الأمريكيين أنفسهم الآن كمستقلين، بينما يتعادل الجمهوريون والديمقراطيون بنسبة 27% لكل منهما.
كما فقدت الأحزاب دورها في إدارة عملياتها الانتخابية لصالح المليارديرات وجماعات المصالح. وليس عليك سوى أن تنظر إلى الدور الذي لعبوه في هزيمة أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الحاليين في الانتخابات الأخيرة، أو كيف يتخطى المانحون من المليارديرات إرادة الناخبين الديمقراطيين في سباق عمدة مدينة نيويورك القادم. فخلال الانتخابات التمهيدية أنفقت هذه الجماعات (30) مليون دولار على الإعلانات في محاولة لتشويه سمعة المرشح التقدمي زهران ممداني وهزيمته.
والآن، ورغم فوز ممداني الحاسم كمرشح للحزب الديمقراطي، جمع هؤلاء المليارديرات أموالهم لدعم مرشح مستقل في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر). وحتى الآن لم ينتقد المسؤولون الديمقراطيون هذه الخطوة. ومن الجدير بالذكر أنّه لدى الحزب قاعدة تنص على أنّ المستشارين الذين يعملون ضد أعضاء الكونغرس أو المرشحين الديمقراطيين الحاليين الذين أيدهم الناخبون ليسوا مؤهلين للحصول على عقود ممولة من الحزب. لكن لم تُطبق هذه العقوبة على تلك المجموعات التي قبلت عقوداً لهزيمة أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الحاليين المؤيدين للفلسطينيين، وهو دليل واضح على ضعف الحزب "الرسمي" في مواجهة إنفاق المليارديرات.
بعد خسارة (1,200) مقعد في المجلسين التشريعيين الفيدرالي والولاياتي خلال عهد باراك أوباما، والتعرُّض لهزائم في اثنتين من آخر ثلاث انتخابات رئاسية، شعرتُ بالتفاؤل في البداية عندما رأيتُ عنوانين رئيسين في صحيفة (نيويورك تايمز) الأسبوع الماضي، أحدهما: "الديمقراطيون يدرسون تغييراً جذرياً في حملتهم الانتخابية لعام 2026: علينا إعادة النظر". ويبدو أنّ هناك عمليات تحليل تُجرى لفهم أسباب خسارة الديمقراطيين. لكن بعد قراءة المقال اتضح أنّ بعض المجموعات التي تُجري عمليات التحليل هي الجهات الاستشارية المستقلة الممولة نفسها التي هي مصدر المشكلة. وحلّهم هو: تحسين الاختبارات بالمراسلة وتعزيز استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الرقمية... إلخ. بمعنى آخر، ادفعوا لنا أكثر، وسنحفر حفرة أعمق. لم يتعلم أحدٌ أيّ دروس.
ما يجب أن يحدث، وما زال غير مدرج على جدول الأعمال، هو أن تُصلح الأحزاب نفسها وتُعيد التواصل مع الناخبين وتكسب ثقتهم من خلال إعادة بناء بنيتها التحتية على مستوى الولايات والمستوى المحلي. وهناك دفعٌ في هذا الاتجاه يُبذل في الحزب الديمقراطي من قِبل بعض قادته المنتخبين حديثاً. وبدافع من الإصلاحيين الحزبيين، زادوا بشكل كبير من التمويل المُقدّم لأحزاب الولايات، مُقلِّلين بذلك المبالغ المُرسلة إلى مستشارين خارجيين. ولكن طالما بقيت المجموعات الممولة من المليارديرات هي اللاعب المهيمن في العملية السياسية، سيظل الإصلاحيون الديمقراطيون يواجهون معركةً شاقةً لاستعادة السيطرة على الانتخابات وشؤون الحزب.
في غضون ذلك، يبدو أنّ الجانب الجمهوري قد خسر. فقد تمكَّن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحركته "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" من استغلال ضعف تنظيم حزبهم وإجباره على الخضوع وتحويله إلى شركة تابعة مملوكة بالكامل لترامب. أمّا الجمهوريون الذين عارضوا غزو ترامب، فقد تعرّضوا إمّا للإهانة والإسكات، وإمّا انحرفوا لتشكيل لجان عمل سياسي ركَّزت مواردها على الحملات الإعلانية "المناهضة لترامب"، والتي على الرغم من احتفاء بعض الديمقراطيين بها، لم يكن لها أيّ تأثير على إعادة بناء الحزب الجمهوري.
الخلاصة هي أنّ السياسة الأمريكية لم تعد معركةً بين حزبين سياسيين منظمين متنافسين، بل أصبحت منافسةً بين كيانات مموّلة من المليارديرات، تُشنُّ حملاتٍ افتراضيةً في محاولة لجذب الناخبين لتأييد "علاماتها التجارية". وحتى تُبذَل جهود حقيقية لتنظيم الدور المدمِّر الذي تلعبه الأموال الضخمة في السياسة، فسوف يستمر هذا الوضع، وكذلك سيستمر استياء الناخبين ونفورهم.
المصدر: جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 29 تموز (يوليو) 2025

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A3%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%88%20%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D8%B3.jpeg.webp?itok=JalEsM_e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=MOzjq6o-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_24_3_2.jpg.webp?itok=zwsdF7DC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_16_2_1_2_7.jpg.webp?itok=z23MusTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1699623_0_0_1.jpg.webp?itok=-uocDzy5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_1.jpg.webp?itok=TU8ZrqB7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA%20.jpg.webp?itok=ZphtZC9P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_2.jpg.webp?itok=0jQfuR3b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_2.jpg.webp?itok=ZhIFSYMU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%85.jpg.webp?itok=rOpfP4ap)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84.png.webp?itok=wBy9RuPe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83.jpg.webp?itok=guPYxGvp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=OIS5SU94)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_12.jpg.webp?itok=IZ6ZBjOJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A.jpg.webp?itok=vDZKlrI8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
