كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

مشاهدة

13/01/2020

لطالما أمطرتنا إيران بحديثها عن تفوقها التكنولوجي وقدراتها العسكرية، التقليدية وغير التقليدية، التي تمكّنها، وفق روايتها، من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وحسم المعركة في أي مواجهة مع دول الخليج. في الأيام الماضية شهدنا آخر اختبار لهذا الحديث الإيراني المتكرر؛ حيث ثبت من تحقيقات إسقاط الطائرة الأوكرانية أنّ الشخص المسؤول في "الحرس الثوري الإيراني" عن إطلاق صاروخ أرض-جو باتجاه الطائرة- والتي قضى جميع ركابها الـ176- لم يتمكن من التمييز في ما إذا كان الجسم الذي أمامه هو طائرة مدنية أم صاروخ كروز أمريكي معادٍ! الحادثة المأساوية شكّلت، كما صار معروفاً، إحراجاً لإيران التي ظلت في اليومين الأولين على سقوط الطائرة تنكر على لسان مسؤوليها أنّ يكون ثمة صاروخ إيراني أطلقه الحرس الثوري وتسبب بالكارثة، إلى أن رضخت واعترفت أخيراً بذلك، تحت ضغط الرواية الكندية والأمريكية التي تحدثت منذ البداية عن سيناريو الصاروخ، مبرزة صور الأقمار الصناعية والأدلة الفنية التي تثبت ما ذهبتا إليه.


ما هو صحيح أنّ الاعتراف الإيراني بالكارثة الإنسانية بعد أيام من وقوعها أفضل بكثير من استمرار الإنكار، والصحيح أيضاً أنّ الاعتراف، وإنْ تأخر بعد لفّ ودوران وتحايل، وفّر جهوداً كبيرة كانت ستبذلها فرق التحقيق والمتابعة الدولية بغية عدم ضياع الحقيقة وضياع حقوق الضحايا وذويهم... لكنّ ما هو صائب في الوقت نفسه أنّ حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية كشفت عما يلي:
أولاً، أظهرت الضربة الصاروخية للطائرة على يد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني عدم تنسيق بين الحرس الثوري ومؤسسة الطيران المدني الإيرانية، وبدا أنّه ليس ثمة تشاور فعّال بين المؤسسات العسكرية في الدولة الإيرانية والمؤسسات المدنية، أو أنّها أظهرت جلياً تغوّل مؤسسات على أخرى.

المسؤول بالحرس الثوري عن إطلاق صاروخ باتجاه الطائرة الأوكرانية لم يميز إذا كان الجسم الذي أمامه طائرة مدنية أم صاروخ معادٍ!

ثانياً، كان في ظل احتدام التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بعد اغتيال قائد "فيلق القدس"، الجنرال قاسم سليماني، ثمّ قيام طهران بالردّ بقصف قاعدتي عين الأسد وأربيل في العراق...كان من الواجب على الجمهورية الإسلامية أن تفرض حظراً جوياً أمام الطيران المدني من وإلى مطار الإمام الخميني، في ظل تنامي الشكوك حول اتساع منطقة الاشتباك، واحتمالات الرد الأمريكي على القصف الإيراني، كما كان يتخوف المسؤولون الإيرانيون. وليس معروفاً مدى دقة ما أوردته قناة "إيران إنترناشونال"، كما نقلت قناة "الحرة"، عن أنّ الحرس الثوري تعمّد عدم وقف رحلات الطيران المدني في أثناء وبعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف قاعدتين أمريكيتين في العراق؛ كجزء من التخطيط العسكري لاستخدام الطائرات المدنية كدروع رادعة ضد أي إجراءات يمكن أن تتخذها القوات الأمريكية.

اقرأ أيضاً: إيران تهدي الموت لحلفائها
ثالثاً، مراهنة طهران على تمييع الحقيقة وتشتيت الأنظار عن الحقيقة أثار مزيداً من الشكوك حول صدقية إيران ومسؤوليتها الأخلاقية؛ حيث حاولت ألا يكون الاعتراف بالخطأ هو خيارها الأول، متذرعة بـ "العدوانية الأمريكية" ووقوع إيران تحت ضغوطها. كان التمييع والتشتيت ومحاولة إخفاء ما جرى أمراً واضحاً حين أعلنت السلطات الإيرانية أنّها لن تسلّم الصندوقين الأسودين الخاصين بالطائرة المنكوبة. والشيء بالشيء يُذكر، فإنّ الصدقية الإيرانية كانت على المحك أيضاً حين زعمت أنّ الضربة الإيرانية على قاعدتي "عين الأسد" وأربيل في العراق أسقطت ثمانين جندياً أمريكياً، وأنّ الولايات المتحدة تعمل على إخفاء قتلاها!!، وكان ردّ الرئيس الأمريكي على "تويتر": "كل شيء على ما يرام".

اقرأ أيضاً: سياسيون يتساءلون: لماذا يهدّد الإيرانيون الأردن ودول الخليج؟
المثير في الأمر، أنّ الأخطاء الإيرانية المتعددة التي صاحبت إسقاط الطائرة الأوكرانية خسّرت إيران كل تحشيدها لصالح جعل مقتل سليماني وسيلة للالتفاف الشعبي حول القيادة الإيرانية، فإذا بالحادثة الأوكرانية تسلّط أنظار الإيرانيين، قبل غيرهم، على أوجه التقصير في الداخل الإيراني، الأمر الذي دفع بمتظاهرين إيرانيين للدعوة إلى إسقاط المرشد الإيراني، السيد علي خامنئي، فضلاً عن تمزيق المحتجين لصورته وصورة الجنرال قاسم سليماني. والغريب أنّ من أورد هذا الخبر هو وكالة "فارس" التابعة للحرس الثوري الإيراني. هذه المسألة جعلت باحثاً أكاديمياً، هو الدكتور إدموند غريب، يستخلص بأنّ ضغوطات إدارة الرئيس دونالد ترامب وتصعيده ضد إيران تؤتي ثمارها.
إنّ اتجاه حكومات عديدة وشركات طيران دولية كبرى لتعليق رحلاتها حالياً إلى إيران يكشف عن قلق وعدم ثقة كافية بكفاءة المؤسسات الإيرانية ومصداقيتها المهنية وتحلّيها بالشفافية وعدم التنازل عن مبدأ المحاسبة وعدم تعريضه للمساومة والتلاعب والمراوغة.

أظهرت الضربة الصاروخية عدم تنسيق بين الحرس الثوري ومؤسسة الطيران المدني الإيرانية وأنّه ليس ثمة تشاور فعّال بين المؤسسات العسكرية والمدنية

في كل الأحوال، يتجاوز الكلام عن تداعيات إسقاط الطائرة الأوكرانية مسألة إجراء تحقيق دولي أوسع أو تعويض الضحايا من جانب الحكومة الإيرانية... يتجاوز ذلك ليسلّط الضوء على مفهوم القوة الحقيقية، التي تتجاوز ترسانة صواريخ إيرانية لا تتمكن من تمييز الطائرة المدنية عن صاروخ كروز. الأجدى لإيران الغنية بالنفط والغاز والتاريخ والموارد أن تستلهم الدروس والعبر من هذه الواقعة، ليس في حدودها الفنية وأبعادها المتعلقة بإدارة الأزمة، بل الأكثر إلحاحاً أن تكون الواقعة مدخلاً للجمهورية الإيرانية لإعادة الاعتبار لمفهوم القوة الحقيقية الشاملة؛ حيث التنمية والازدهار والاستثمار في الإنسان والسعي لتوفير العيش الكريم الحر له، وتوظيف الموارد الغنية في تأمين سلامة الوطن والإقليم، وإقامة علاقات طيبة مع الجيران والمجتمع الدولي، والتنافس في العلم والتكنولوجيا، وكلّ ذلك سيحقق في المحصلة قوة حقيقية ستمكّن إيران من الدفاع عن بلدها من دون استعداء الجوار والعالم والمجتمع الدولي.

الصفحة الرئيسية