كيف أحيا اللبنانيون الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت؟

كيف أحيا اللبنانيون الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت؟

مشاهدة

05/08/2021

أحيا اللبنانيون أمس الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة 214 شخصاً، على الأقل، وإصابة نحو 6500 آخرين، وخلّف دماراً ضخماً في المرفأ وطالت أضراره معظم المدينة وضواحيها، التي خرج أهلها أمس للتعبير عن الأسى والألم الذي يتملكهم مع مرور عام على الجريمة دون أن يتغير شيء، الحقيقة ما تزال غائبة والناس ما تزال غاضبة، والسلطة باقية على حالها، وأزمات لبنان السياسية والاقتصادية تتفاقم.

ونزل اللبنانيون إلى محيط موقع الجريمة وداخلها، مُجمعين على أنّ مرور عام على "الجريمة" لن يمر هكذا، وسط مواجهات دامية ومحاولات اقتحام مقار يعتبرها المحتجون "وكر الفساد" لا سيما مجلس النواب الذي يرفض أعضاؤه إلى الآن رفع الحصانات عن الأمنيين والسياسيين المتورطين بشكل وبآخر بالتسبب بحصول الانفجار.

منذ ساعات الظهر بدأت المسيرات في عدة مناطق من بيروت بالانطلاق باتجاه المرفأ ومحيطه، وشهدت الطرقات انتشاراً كبيراً لعناصر قوى الأمن والجيش

ومنذ ساعات الظهر بدأت المسيرات في عدة مناطق من بيروت بالانطلاق باتجاه المرفأ ومحيطه، وشهدت الطرقات انتشاراً كبيراً لعناصر قوى الأمن والجيش، الذين قطعوا بعض الطرقات أمام المحتجين خاصة تلك المحاذية للمباني والمراكز الأمنية.

مواجهات دامية

وشهدت عدة مناطق من العاصمة اللبنانية مواجهات دامية بين قوى الأمن والمتظاهرين الذين خرجوا تلبية لدعوات أطلقتها أحزاب ومجموعات معارضة ومحامون وأطباء ومهندسون وأهالي ضحايا الانفجار، وكذلك ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي حيث دشنوا عدة وسوم "كلنا ضحايا.. كلهم مسؤولون"، "ارفعوا_الحصانات_الآن"، "لن_ننسى" وأطلقوا عبرها دعوات للنزول إلى الشارع.

واندلعت مواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية أمام البرلمان، حيث استخدمت القوى الأمنية مدافع المياه وأطلقت قنابل الغاز ورشقات من الرصاص المطاطي مباشرة نحو المتظاهرين لتفريقهم.

بالمقابل، رد المتظاهرون بإلقاء الحجارة وإطلاق هتاف "ثورة"، قبل أن تنجح قوى الأمن بدفعهم من محيط مبنى البرلمان إلى ساحة الشهداء حيث لوحظ وجود كثيف لقوى الأمن اللبناني.

 أعلن الصليب الأحمر اللبناني أن عدد الجرحى في أحداث الأمس بلغ 84 وقد هرعت 21 سيارة إسعاف و100 مسعف لإسعاف الجرحى في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من عدم توفر الأدوية

وأقدم مئات من المحتجين على اقتحام مبنى شركة "كهرباء لبنان"، بعد وقت قصير من اقتحام مبنى يضم وزارة الاقتصاد وسط بيروت.

ووقع اشتباك بين أهالي ضحايا المرفأ وقوى الأمن أمام المركز الرئيسي للأمن العام في منطقة العدلية بعدما حاول الأهالي إزالة العوائق الحديدية، وعلى إثر ذلك أغلق الأمن العام الطريق بشكل كامل، وحوّل مسار التظاهرات باتّجاه المحكمة العسكرية، وفق ما أورد موقع "النهار".

وأعلن الصليب الأحمر اللبناني أنّ عدد الجرحى في أحداث الأمس بلغ 84 وقد هرعت 21 سيارة إسعاف و100 مسعف لإسعاف الجرحى في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من عدم توفر الأدوية.

تضارب بين مناصري "الشيوعي" و"القوات" 

ولم تخل الذكرى من إشكالات بين مناصري القوى السياسية المختلفة، إذ تعارك في الجميزة مناصرو "القوات اللبنانية" و"الحزب الشيوعي"، مع تضارب بالأيدي والكراسي، ورشق بالحجارة.

وأدّى الإشكال إلى سقوط عدد من الجرحى، فيما سُمع صوت إطلاق نار، تبيّن أنّه ناتج من إطلاق قوى الأمن النار في الهواء لتفريق المتظاهرين.

وفي الأثناء، وصلت قوّة من الجيش إلى الجميزة لضبط الأوضاع على الأرض، قبل أن تطلب "القوات اللبنانية" من مناصريها الانسحاب من قرب مكتبها في الجميزة، وترك الأمر للجيش.

القداس الإلهي في المرفأ

وفي مكان الانفجار، تم تنظيم القداس الذي يترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في مكان الانفجار في مرفأ بيروت، بتنظيم من أبرشية بيروت المارونية وتجمّع كنيسة من أجل لبنان، وبمشاركة أهالي ضحايا الانفجار، مع تلاوة آيات من القرآن الكريم.

وندد الراعي بما قال إنه تهرب مسؤولين من التحقيق تحت ستار الحصانة، داعياً القضاء إلى الحزم في قضية المرفأ.

كما دعا إلى "عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يعلن حياده ويضع آلية لتنفيذ القرارات الدولية"، مؤكداً على أنه "لا نريد قتالاً ولا اقتتالاً ولا حروباً، لدينا فائض حروب وشهداء ومقاومات، فلنتجه نحو الحرية والسلام".

إهمال جنائي
وأول أمس، الثلاثاء، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، السلطات اللبنانية بالإهمال "جنائياً" وانتهاك الحق بالحياة بعدما أظهرت في تحقيق، تقصير مسؤولين سياسيين وأمنيين في متابعة قضية شحنة نيترات الأمونيوم التي أدت إلى وقوع انفجار مرفأ بيروت قبل عام.

وأوصت المنظمة بفرض عقوبات على المسؤولين وبإجراء الأمم المتحدة تحقيقاً مستقلاً في الكارثة التي أوقعت 214 قتيلاً على الأقل، وأكثر من 6500 جريح، ونتجت عن 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم بقيت مخزنة لسنوات في العنبر رقم 12 في المرفأ.

ووثقت المنظمة في تقرير مفصل من 126 صفحة، الأخطاء والإغفالات التي ارتكبها موظفون ومسؤولون سياسيون وأمنيون في طريقة إدارتهم لشحنة نيترات الأمونيوم منذ وصولها إلى المرفأ على متن سفينة روسوس في 2013 وحتى وقوع الانفجار.

وكانت تحقيقات إعلامية أظهرت سابقاً أن مسؤولين، بينهم رئيس الجمهورية ميشيل عون وقادة أمنيون وعسكريون، كانوا على علم بمخاطر تخزين تلك المادة في المرفأ، من دون أن يحركوا ساكناً، وفق ما أورد موقع العربية.

اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، السلطات اللبنانية بالإهمال "جنائياً" وانتهاك الحق بالحياة بعدما أظهرت في تحقيق، تقصير مسؤولين سياسيين وأمنيين في متابعة قضية شحنة نيترات الأمونيوم

وأوردت "هيومن رايتس ووتش" الوثائق الرسمية "تُظهر أن بعض المسؤولين الحكوميين توقعوا وقبلوا ضمنياً مخاطر الوفاة التي يشكلها وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ"، موضحةً أنه "بموجب القانون المحلي، يمكن أن يرقى هذا الفعل إلى جريمة القتل قصداً و/أو القتل بغير قصد".

ووجهت "هيومن رايتس ووتش" أصابع الاتهام في تقريرها لكل من عون ودياب ومدير عام جهاز أمن الدولة طوني صليبا وقائد الجيش السابق جان قهوجي ووزير المالية السابق علي حسن خليل ووزيري الأشغال العامة السابقين غازي زعيتر ويوسف فنيانوس. واعتبرت أن هؤلاء، وغيرهم، "فشلوا في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الناس".

ستارة الحصانة تحجب الحقيقة

وتقف الحصانات السياسية اليوم عائقاً أمام طلب تقدم به المحقق العدلي طارق بيطار لاستدعاء نواب شغلوا مناصب وزارية، بينهم زعيتر وخليل وفنيانوس، وقادة أجهزة أمنية، بينهم صليبا. كما ادعى بيطار على كل من دياب وقهوجي.

ورفع المتظاهرون أمس إلى جانب الأعلام اللبنانية يافطات تطالب برفع الحصانة عن المجرمين وتقديمهم للمحاكمة بغض النظر عن مناصبهم أو طوائفهم.

وكانت منظمة العفو الدولية (أمنستي)، قد اتهمت الإثنين 2 آب (أغسطس) السلطات اللبنانية بأنها تعرقل "بوقاحة"، مجرى التحقيق في انفجار مرفأ بيروت للتوصل إلى الحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا.

جانب من الانفجار

وقالت المنظمة في بيان لها إن "السلطات اللبنانية أمضت السنة المنصرمة وهي تعرقل بوقاحة بحث الضحايا عن الحقيقة والعدالة في أعقاب الانفجار الكارثي الذي وقع في مرفأ بيروت". 

وأضافت أن "الجهود التي بذلتها السلطات اللبنانية بلا كلل ولا ملل طوال العام لحماية المسؤولين من الخضوع للتحقيق عرقلت على نحو متكرر سير التحقيق".

ويبدو أنه بات من الضروري اليوم إنجاز تحقيق يتسم بالشفافية، ولا يخضع للضغوط السياسية، بهدف الكشف عن المسؤولين عن انفجار المرفأ، في وقت مايزال فيه الاقتراح الذي قدمه سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل اللبناني، حول رفع الحصانة عن كل المسؤولين دون استثناء، محل أخذ ورد، وسط تشكيك بإمكانية تنفيذه، نظراً للممانعة التي قد تبديها كتل وأحزاب لمساءلة سياسييها.

مساعدات دولية

وبمبادرة من فرنسا والأمم المتحدة، نظمت باريس، عبر اتصال مرئي الأربعاء، مؤتمراً للمانحين تحت عنوان "دعم لبنان وشعبه"، بمشاركة 33 دولة و13 منظمة دولية، و5 ممثلين عن المجتمع المدني اللبناني.

وتعهّد المشاركون بتقديم نحو 370 مليون دولار مساعدات للبنان، ودعوا القادة اللبنانيين إلى الإسراع بتشكيل حكومة تجري إصلاحات، يشترطها المجتمع الدولي منذ عام مقابل تقديم دعم مادي، لوضع حدّ لانهيار اقتصادي صنّفه البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ 1850.

تعهّد المشاركون بتقديم نحو 370 مليون دولار مساعدات للبنان، ودعوا القادة اللبنانيين إلى الإسراع بتشكيل حكومة تجري إصلاحات

ومنذ نحو 10 أيام، يعمل رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي، على تشكيل حكومة جديدة، بعد أن حالت خلافات بين قوى سياسية دون تشكيل حكومة لتخلف حكومة تصريف الأعمال الراهنة برئاسة حسان دياب، التي استقالت بعد 6 أيام من انفجار المرفأ.

وخلال مؤتمر المانحين، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، إن "لبنان سيحصل على نحو 860 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة في هذا الوقت الحرج، لتعزيز احتياطيات البلاد المستنفدة، وكذلك لتلبية الاحتياجات الملحة للشعب اللبناني"، داعية إلى "التصرف فيها بحكمة".

جانب من مخلفات انفجار المرفأ

فيما اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال كلمة له، الطبقة السياسية في لبنان بلعب دور كبير في تعقيد الوضع السياسي؛ بسبب تغليبها للمصالح الشخصية والحزبية على مصالح الشعب، مشدداً على أن تشكيل حكومة تنفذ الإصلاحات وتدير شؤون البلاد هي "أولوية عاجلة".

أما وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان فجدد تضامن المملكة مع الشعب اللبناني في أوقات الأزمات والتحديات. وقال إن المملكة كانت من أوائل الدول التي قدمت المساعدات للبنان بعد انفجار مرفأ بيروت.

وأضاف أن المملكة ستحافظ على مساهمتها المستمرة في إعادة إعمار لبنان، مشيراً إلى أنّ لبنان يواجه صعوبات في تشكيل حكومة "فاعلة".

وشدد على أنّ "إصرار حزب الله على فرض هيمنته على الدولة اللبنانية هو السبب الرئيسي" لمشاكل لبنان.

ويُنظر إلى لبنان، وفق مراقبين، كبلد تتصارع فيه مصالح دول إقليمية وغربية، وهو ما يزيد من تعقيد أزماته المتعددة.

الصفحة الرئيسية