قرية أثريّة فريدة من 3 أفراد فقط في بيت لحم

قرية أثريّة فريدة من 3 أفراد فقط في بيت لحم

مشاهدة

23/11/2020

على الطريق الواصلة بين الخليل ومدينة القدس المحتلّة، وعلى بعد خمسة كيلومترات عن مدينة بيت لحم، تتربّع قرية شوشحلة الأثرية، على تلة جبلية مرتفعة، متحدّية الأطماع الاستيطانية، بعد أن حاصرتها مستوطنات؛ أفرات، وسيدي بوعز، وايلي عازر، ونفي دانيال، من جهاتها الأربع.

وفي منزله المشيّد من الصخور المرصوصة فوق بعضها، والمغطَّى بألواح من الصفيح، تعيش عائلة الفلسطيني مهند صلاح (39 عاماً)، المكوّنة من ثلاثة أفراد، وحدها داخل القرية، دون أية خدمات أساسية، كالكهرباء والماء والطرق المعبدة، بعد أن هجر القرية سكّانها في سبعينات القرن الماضي، بفعل التضييقات الإسرائيلية المستمرة.

تعيش عائلة الفلسطيني مهند صلاح وحدها داخل القرية، دون أية خدمات أساسية

وتقع شوشحلة في المنطقة (ج)، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، وتشكّل هذه المنطقة 60% من أراضي الضفة الغربية؛ حيث حافظت فيها إسرائيل على سيطرة شبه تامة، وذلك عقب توقيع الاتفاق الانتقالي بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة، المعروف بـ "أوسلو 2"، عام 1995، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث قسّمت إسرائيل الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: المنطقة (أ)، والمنطقة (ب)، والمنطقة (ج).

وكان مدير وحدة الاستيطان في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج"، سهيل خليلية، قد قال، في حديث خاص لوكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، خلال عام 2019؛ إنّ "محافظة بيت لحم كانت من أوائل المناطق بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، عام 1967، التي تتعرض لهجمة استيطانية، حيث تنتشر في أرجاء المحافظة 23 مستوطنة، إضافة إلى 14 بؤرة استيطانية".

وأوضح خليلية؛ أنّ "المستوطنات استحوذت على 21 كم مربعاً من مساحة محافظة بيت لحم، البالغة 659 كم مربعاً، أي ما نسبته (3.2%)"، وتابع: "الإحصائيات تشير إلى أنّ 165 ألف مستوطن، أي ما نسبته 20% من عدد المستوطنين في الضفة الغربية، يسكنون في المستوطنات المقامة على أراضي محافظة بيت لحم".

هناك هجمة إسرائيلية في بيت لحم لبناء مستوطنات جديدة، تحديداً في منطقة تقوع وجناتا، لإقامة مشروع "القدس الكبرى"، لربط المستوطنات ببعضها


مطمع للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه

ويضيف صلاح، خلال حديثه لـ "حفريات": "قرية شوشحلة تبلغ مساحتها 1200 دونم، وكانت تسكنها 20 عائلة فلسطينية، قبل أن يتمّ تهجيرها، عام 1975، إلى بلدة الخضر المجاورة, بعد أن أصبحت القرية مطمعاً للجيش الإسرائيلي ومستوطنيه للسيطرة عليها ومصادرة أراضيها".

ولفت إلى أنّه "خلال العام 1991؛ قرّر ترك بلدة الخضر والعودة إلى منزله وأرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده داخل القرية، لإعادة إحيائها وزراعتها بالمحاصيل الزراعية المتنوعة"، مبيناً أنّه "يعتمد على الزراعة وتربية الماشية لتغطية احتياجات أسرته، كما تستخدم عائلته موقد الحطب لطهي الطعام والتدفئة خلال فصل الشتاء، ليعيش وزوجته، وابنته سيدرا، حياة بدائية، تنعدم فيها مقومات الحياة الآدمية".

وتوجد في القرية معالم أثرية كثيرة، كشفت عنها النقوش الرومانية التي جرى تخطيطها على جدران البيوت القديمة، إضافة إلى احتواء القرية على مقبرة ومسجد إسلامي ومعصرة للعنب وأحواض وآبار مائية. تلك المعالم بقيت أسماء فقط، وانعدمت الحياة والروح التي كانت ساطعة منها قبل عقود، فتلك الأماكن جميعها أصبحت شبه مهدّمة، وبقيت حجارتها شاهدة على مكانة القرية تاريخياً.

تعيش عائلة أبو صلاح بقلق وتوتر شديدَين، خوفاً من اقتحامات الجيش الإسرائيلي وهجمات المستوطنين

ولا يخفي صلاح حجم المعاناة التي يتعرض لها في داخل القرية، والتي يمنع الاحتلال سكانها من الوصول إليها، مؤكداً أنّ "المستوطنين يقومون بالاعتداء على القرية بقطع الأشجار وكتابة بعض الشعارات العنصرية على جدران منازلها المتهالكة، وقوات الجيش الإسرائيلي تغلق الطرق المؤدية إليها، كي يضطر وعائلته السير لمسافات طويلة مشياً على الأقدام إلى بلدة الخضر المجاورة، لتوفير متطلباتهم الحياتية وتلقى الرعاية الصحية".

حياة بدائية صعبة

بدورها، تقول الفلسطينية رائدة صلاح، زوجة مهند إنّها تعيش وعائلتها داخل القرية بقلق وتوتر شديدَين، "خوفاً من اقتحامات الجيش الإسرائيلي وهجمات المستوطنين في البؤر الاستيطانية المجاورة، التي لا تبعد سوى 50 متراً فقط عن منزلها"، مشيرة إلى أنّها تبقى وزوجها لساعات متأخرة من الليل مستيقظَين "للتصدّي لأيّة محاولة إسرائيلية لاقتحام القرية".

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

وبيّنت صلاح ( 41 عاماً) أنّها تعيش وعائلتها حياة بدائية صعبة، مع تواصل اعتداءات المستوطنين، والتي كان من بينها محاولة مستوطن دهس ابنتها الوحيدة سيدرا (15 عاماً)، بمركبته، أثناء سيرها في أحد الطرق، عام 2014، وكذلك قيام مجموعة من مستوطني مستعمرة "نفي داينال"، المجاورة للقرية، بحرق منزل العائلة عام 2016، وكتابة شعارات عنصرية تدعو إلى قتل العرب.

وأكّدت أنّه بعد إحراق المنزل بساعات، اعتقلت قوة من الجيش الإسرائيلي زوجها، وقدّمته لمحكمة "عوفر" العسكرية، "بدعوى تقديم بلاغ كاذب حول قيام مجموعة من المستوطنين بإحراق منزله، رغم مشاهدة القوة التي قدمت لاعتقاله للأضرار التي أصابت المنزل نتيجة التهام النيران له"، وسُجن زوجها لمدة 7 أيام وأُجبر على دفع غرامة مالية قدرها 5 آلاف شيكل إسرائيلي (1500 دولار أمريكي)، للإفراج عنه.

وأوضحت صلاح أنّ مكوث عائلتها وحيدة في القرية النائية يجابه بالعديد من الصعوبات والمخاطر، "إلا أننا متمسكون ببيتنا وأرضنا، ونواصل فلاحتها وزراعتها، ونرفض تركها تحت أيّ ظرف كان"، داعية جميع سكان قريتها الذين هاجروا منها للعودة إليها وترميم منازلهم واستصلاح أراضيهم وزراعتها، ومواجهة الاستيطان والأطماع الإسرائيلية".

مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم، حسن بريجية لـ "حفريات": قرية شوشحلة تعاني من عملية تهويد إسرائيلية مستمرة، للسيطرة والاستيلاء عليها

تهويد مستمر

ويرى مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم، حسن بريجية، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "قرية شوشحلة تعاني من عملية تهويد إسرائيلية مستمرة، للسيطرة والاستيلاء عليها، وضمّها للمستوطنات المجاورة"، مبيناً أنّ "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان استطاعت خلال عام 2016، ترميم عدد من المنازل واستصلاح مئات الدونمات الزراعية بالقرية، لتشجيع سكانها الذين تركوها عنوة على العودة إليها، وتعزيز صمودهم، حتى لا تصبح لقمة سهلة للمستوطنين لسرقتها".

يعتمد أبو صلاح على الزراعة وتربية الماشية لتغطية احتياجات أسرته

ولفت إلى أنّ "ترميم القرية لم يرق للجيش الإسرائيلي، الذي قام بإغلاق مداخل القرية بالسواتر الترابية لمنع وصول سكانها إليها، رغم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية تثبت ملكيتهم بشكل قانوني لأراضيهم وبيوتهم"، موضحاً أنّه "أمام عجز الاحتلال الإسرائيلي عن وقف عمليات الترميم بقوة القانون، أوكل مهمّة التضييق على السكان للمستوطنين في البؤر الاستيطانية المجاورة لدفعهم على عدم العودة إليها مجدداً".

وتابع بريجية: "إعادة الحياة لقرية شوشحلة يشجع على مواجهة عمليات الاستيطان والمصادرة المستمرة للأراضي الفلسطينية"، مشيراً إلى أنّ "هناك هجمة إسرائيلية شرسة في بيت لحم لبناء مستوطنات جديدة، تحديداً في منطقة تقوع وجناتا، لإقامة مشروع ما تسمى بـ "القدس الكبرى"، لربط المستوطنات ببعضها، وقطع أوصال المدن والقرى الفلسطينية وتفريغها من سكانها".

اقرأ أيضاً: "فلسطين ع البسكليت": للتعريف بالقرى المهددة بالاستيطان والمصادرة

وأكّد بريجية أنّ "شوشحلة، وغيرها من المدن المهدّدة بالمصادرة، في حاجة دائمة إلى المساندة الشعبية والأجنبية من خلال المتضامنين العرب والأجانب، بالوقوف إلى جانب سكان القرى الذين تهدّد منازلهم وأراضيهم بالمصادرة، وللتصدي لهجمات المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي".

الصفحة الرئيسية