في ذكرى وفاته.. الحسن ابن الهيثم: شغف المعرفة ونور الحقيقة

في ذكرى وفاته.. الحسن ابن الهيثم: شغف المعرفة ونور الحقيقة

مشاهدة

06/03/2022

 لم يدُر في خلد الحسن ابن الهيثم أنّ عبارته الأشهر "لو كنت بمصر لعملت بنيلها عملاً يحصل النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقصان"، ستقوده إلى عشرة أعوام من الإقامة الجبرية، لتوفر له عواقب تلك الكلمة بيئة لظهور أهم الأعمال الإنسانية في علم الطبيعة خلال القرون الوسطى وهو كتابه "المناظر" الذي يؤرخ به لظهور علم البصريات.

عندما وصل هذا القول إلى الحاكم بأمر الله (985-1021) سادس حكام الدولة الفاطمية، دعاه إلى مصر لتنفيذ ما وعد به لتنظيم فيضان النيل وانحساره، وأمدّه بما يحتاجه لتنفيذ هذا المشروع، من صناع وبنائين، محمّلين بكل ما يحتاجونه من أدوات ومعدات وأجهزة هندسية، ولكن ابن الهيثم عندما ذهب لتفقّد مكان السد الذي كان ينوي إقامته في الموقع الحالي لسد أسوان، هاله ما رأى من عظم النيل وأدرك أنّ فكرته كانت سابقة لزمانها لتواضع الإمكانات المتاحة لإنجاز هذا العمل الضخم في ذاك الوقت.

اقرأ أيضاً: الحاجب المنصور.. كيف أنهى أحد العامّة حكم الأمويين في الأندلس؟

عاد الحسن إلى القاهرة يجر أذيال الخيبة واعتذر إلى الخليفة الفاطمي عن عجزه عن تنفيذ ما وعد به فأظهر له قبول حجّته، وولّاه بعض الدواوين لكنه لم يجعله من ضمن من جمعهم من العلماء في دار الحكمة التي أنشأها، فاضطر إلى قبول هذه الوظيفة المكتبية التي لا تليق بعالم كبير مثله اعتاد حياة البحث والتجربة والتأليف خوفاً من بطش هذا السلطان الذي اشتهر بنزواته وتقلّب مزاجه.

قدم ابن الهيثم نظريات سابقة لعصره في الميكانيكا حول حركة الأجسام وتحليلها، فضلاً عن آرائه في الفلسفة والمنطق، وله مؤلفات في الطب والجبر والحساب‎

لم يجد ابن الهيثم بُدّاً لينجو من هذا الموقف إلا أن يدعي الجنون. فلما بلغ الحاكم ذلك عزله من منصبه وصادر أمواله، وألزمه داره من عام 401 هـ/1011م ولم تنته محنته إلا بوفاة الحاكم بأمر الله في عام 411 هـ/1021م. وخلال تلك المدة وضع كتابه الأشهر " المناظر" الذي يعد ثورة في علم البصريات بالقياس إلى جهود كل من سبقوه في هذا المجال، فابن الهيثم لم يتبنَّ نظريات بطليموس ليشرحها ويجري عليها بعض التعديل؛ بل إنه رفض عدداً من نظرياته في علم الضوء، بعدما توصل إلى أخرى جديدة غدت نواة علم البصريات الحديث.

وصفت مديرة اليونسكو ابن الهيثم بأنّه: عالِم رائد، وإنساني النزعة، عاش قبل ألف سنة ولم تكن حياته وأعماله يوماً مهمة، بقدر ما هي عليه الآن

ولد أبو علي الحسن بن الحسن، الشهير بابن الهيثم، في البصرة في 1 تموز (يوليو) عام 354هـ/ 965م، ونشأ فقيراً يعتاش من الوراقة ينسخ الكتب ويبيعها، بدأ ولعه العلمي مبكراً وأخذ يرتحل في سبيله حتى وصل الشام ثم القاهرة التي أقام فيها حتى وفاته في 6 آذار (مارس) عام430 هـ/ 1040م.

بعد انقضاء محنته مع الحاكم بأمر الله عاد ابن الهيثم إلى نشاطه العلمي، واتخذ له داراً بالقرب من الجامع الأزهر في القاهرة، ولم تكن عزة نفسه لتسمح له بسؤال الناس فعاد لحرفة نسخ الكتب القديمة ليعيل نفسه التي نذرها للعلم والتصنيف والشك الموصل إلى اليقين "آمنت بأني لكي أتقرب إلى الله، ليس هناك طريقة أفضل من ذلك من البحث عن المعرفة والحقيقة".."الحقيقة ذاتها تبحث عن الحقائق المغمورة في الشكوك وليست بمنأى عن الخطأ".

اقرأ أيضاً: محمود أمين العالم: الفكر خارج عباءة السلطة

كتب ابن الهيثم عشرات الأطروحات العلمية بلغت أكثر من مئتي مؤلف لكن معظمها فُقِد للأسف، وكثير مما وصلنا من كتبه كان مترجماً عن اللاتينية وغيرها.

خلال مقامه في مصر سافر إلى الأندلس ليتابع مساعيه العلمية في البصريات والرياضيات والفيزياء والطب، وقام ببعض التجارب العلمية حول العدسات والمرايا والانكسار والانعكاس، وكان أول من اختزل أشعة الضوء المنعكس والمنكسر في متجهين رأسي وأفقي، الأمر الذي يعد تطوراً أساسياً في البصريات الهندسية، يقول في مخطوطة الحركة المتعرجة "البحث عن الحقيقة في حد ذاتها أمر صعب، والطريق إلى ذلك وعر. فالحقائق يكتنفها الغموض.. الله لم يعصم العلماء من الخطأ، ولم يحم العلم من القصور والنقص. لو كان هذا هو الحال، لما اختلف العلماء على أي من مسائل العلم".

المستشرق البلجيكي جورج سارتون: ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة؛ بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن علماء البصريات القلائل في العالم كله

كما قدم الحسن ابن الهيثم نظريات سابقة لعصره في الميكانيكا حول حركة الأجسام وتحليلها، فضلاً عن آرائه في الفلسفة والمنطق، وله مؤلفات في الطب والجبر والحساب، وأسهم في تصحيح العديد من المفاهيم العلمية المغلوطة في عصره.

اقرأ أيضاً: في ذكرى ميلاده.. تعرف إلى أبرز محطات حياة الدبلوماسي والأديب السعودي غازي القصيبي

فرغم أنّ الغرب يحلو له أن يلقبه بـ "بطليموس الثاني" إلا أنه انتقد في مخطوطته "شكوك على بطليموس" العديد من نظريات بطليموس الفلكية والرياضية مستنداً إلى المنهج التجريبي الذي يعد رائداً فيه، مشيراً إلى الكثير من المتناقضات التي وجدها في هذه الأعمال كنموذجه في الأفلاك الدائرية، وأثبت أنّ الضوء يسير في خطوط مستقيمة وأنّ القمر يعكس ضوء الشمس وليس له ضوء بذاته، وكان أول مَن أثبت بالمنطق العلمي خطأ نظرية إقليدس عندما بيّن أنّ الرؤية تحدث في الدماغ وتتحقق نتيجة استقبال العين للضوء القادم من الأجسام، وليس العكس كما كان شائعاً قبل ذلك، وإليه تنسب مبادئ اختراع الكاميرا التي أطلق عليها "القمرة"، وهو أول من شرّح العين تشريحاً كاملاً ووضّح وظائف أعضائها في كتابه "المناظر"، وأول من درس التأثيرات والعوامل النفسية للإبصار فقال إنّ التجارب الشخصية لها تأثير على ما يراه الناس وكيف يرونه، وأنّ الرؤية والتخيل أمور نسبية.

اقرأ أيضاً: في ذكرى ميلاد ابن بطوطة: تعرف على أهم محطات حياة ورحلات "أمير الرحالة"

كما أورد "المناظر" معادلة من الدرجة الرابعة حول انعكاس الضوء على المرايا الكروية ما زالت تعرف باسم (مسألة ابن الهيثم). وتركزت أبحاثه في البصريات على دراسة النظم البصرية باستخدام المرايا وخاصة المرايا الكروية والمقعرة والزيغ الكروي، واقترح نموذجاً لانكسار الضوء أثبت فيه أنّ النسبة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار ليست متساوية ممهداً بذلك لقانون سنل المعروف، كما قدم عددًا من الأبحاث حول قوى تكبير العدسات التي كان أول من أطلق عليها هذا الاسم.

في العراق وضعت صورته على ورقة فئة 10,000 دينار الصادرة في عام 2003

كان ابن الهيثم عالماً استثنائياً بكل المقاييس، حتى أنّ المستشرق البلجيكي جورج سارتون (1884-1956) الذي يعد مؤسس علم تاريخ العلوم، وصفه بأنه أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة "بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن علماء البصريات القلائل في العالم كله".

اقرأ أيضاً: صلاح حافظ.. انتفاضة بقلم "بقايا إنسان

فلم يكن مستغرباً التكريمات العديدة التي أولاه العالم لهذه العقلية الموسوعية المذهلة، فأطلق اسمه على إحدى الفجوات البركانية على سطح القمر، وفي 7 شباط (فبراير) 1999 على أحد الكويكبات المكتشفة حديثاً وهو "59239 Alhazen الاسم اللاتيني الذي عُرف به، وبمناسبة مرور 1048 عاماً على ولادته، أصدر محرك "غوغل" شعاراً خاصاً به على صفحته الرئيسية يوم الأول من تموز 2013. وفي العراق وضعت صورته على ورقة فئة 10,000 دينار الصادرة في عام 2003.

كما قررت منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عرفاناً لهذا العالم الكبير أن تحتفي به سنة 2015 التي اعتبرتها المنظمة السنة الدولية للضوء وتكنولوجيا البصريات، حيث وصفت مديرة المنظمة ابن الهيثم بأنّه "عالِم رائد، وإنساني النزعة، عاش قبل ألف سنة ولم تكن حياته وأعماله يوماً مهمة، بقدر ما هي عليه الآن".



الصفحة الرئيسية