فريدمان: إيران بارعة في الظهور بمظهر الانتحار.. لماذا؟

فريدمان: إيران بارعة في الظهور بمظهر الانتحار.. لماذا؟

مشاهدة

03/03/2021

تُدرك طهران أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن يريد العودة إلى الاتفاق النووي، ولذلك فإنها تتبنى تكتيكاً في التفاوض يُظهرها بأنّها غير عقلانية، مع أنّها بأمسّ الحاجة لرفع العقوبات عنها، لكنها ترى بأنّ التصعيد غير العقلاني يحصد أكثر.   

لقد أكدت الحكومة الإيرانية أنّها لن تحضر الجولة الأولى من المفاوضات بشأن إعادة الاتفاق النووي. وتقول طهران إنّ العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب يجب أولاً رفعها لبدء المحادثات.

تُدرك طهران أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن يريد العودة إلى الاتفاق النووي ولذلك فإنها تتبنى تكتيكاً في التفاوض يُظهرها بأنّها غير عقلانية

في تحليله للتكتيكات والأهداف الإيرانية، نشر مؤسس موقع "جيوبولتيكال فيوتشرز"، المحلل الإستراتيجي الأمريكي جورج فريدمان، مقالاً أكد فيه أنّ من الواضح أنّ هذا تكتيك يهدف إلى تحسين موقف طهران التفاوضي مع الولايات المتحدة. ويرى فريدمان أنّ إيران تعتبر أنّ الرئيس جو بايدن معرّض للخطر بشكل خاص بشأن الملف النووي؛ إذْ لطالما أكد بايدن أنّ التخلي عن الاتفاق النووي كان خطأ وأنه سيصححه في أول فرصة.

لذلك يحتاج بايدن إلى إحياء الاتفاقية الأصلية أو استبدالها بشيء مماثل. تتفهم إيران السياسة الأمريكية مثلها مثل أي شخص آخر، وقد أثبتت أنّها مفاوض ممتاز، برأي فريدمان، الذي يضيف: "إذا اعتقد المسؤولون في إيران أن بايدن يجب أن يستعيد الاتفاقية، فإنهم سيجعلونها صعبة قدر الإمكان".

مفاوض غير عقلاني!

ويلفت فريدمان النظر إلى أنه من أفضل الطرق للتفاوض أن تبدو غير عقلاني. فالفاعلون العقلانيون يعتقدون أنّهم عقلانيون ويعملون على افتراض أنّ نظراءهم يعتقدون أنّهم عقلانيون أيضاً. قد يكون المفاوضون عقلانيين، لكن إظهار أوراقهم بطريقة معقولة يمنح الطرف الآخر خريطة طريق لكيفية تهدئة المحادثات. ويقول فريدمان: "إيران بارعة في الظهور بمظهر الانتحار، في حين أنها في الواقع تخشى الإبادة النووية مثل أي دولة أخرى. التعصب الديني حول إبادة إسرائيل، على سبيل المثال، لا يتوافق مع الواقع. لدى الإسرائيليين ترسانة نووية كبيرة وسنوات من الخبرة في التلاعب بالتهديدات الإيرانية المحتملة. سيتم الكشف عن أي هجوم إيراني مخطط له في وقت مبكر من العملية، وستقوم إسرائيل بشن هجوم استباقي. بعبارة أخرى، فإنّ أسوأ مكان يمكن أن تكون عليه إيران هو الاقتراب من استكمال سلاح نووي، وقادتها يعرفون ذلك". من ناحية أخرى، فإنّ قيمة البرنامج النووي كبيرة. إنه يظهر محاولة لامتلاك سلاح نووي من دون إعطاء أي مؤشر على امتلاكه بالفعل. إنّه البرنامج المثالي لإيران. إنّه يخيف دون إجبار أي شخص على اتخاذ إجراءات محفوفة بالمخاطر. أدوات بناء البرنامج ملقاة على الأرض مع بذل جهود جادة على ما يبدو لتجميعه. يجب أن تتفاوض إيران بشأن التنازلات لعدم بناء سلاح نووي، حتى دون أن تتعرض للتهديد المباشر بالإبادة النووية.

اقرأ أيضاً: هل ربطت واشنطن الصراع اليمني بالبرنامج النووي الإيراني؟

الورقة القوية

ويشير فريدمان إلى تكتيك إيراني آخر بات معروفاً؛ إذْ تحاول إيران أيضاً تأكيد قوتها بطريقة أكثر فعالية - من خلال تقديم الدعم، على سبيل المثال، للحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وقوات الحرس الثوري في سوريا، ومن خلال الانخراط بعمق عبر الجماعات المسلحة الموالية لها في العراق. إنّ أكثر تكتيك فعال للسياسة الخارجية الإيرانية في المنطقة هو تقديم دعم سري للقوات والميليشيات الموالية لإيران، التي يمكن أن تمارس الضغط على الدول العربية وإسرائيل والقوات الأمريكية التي لا تزال منتشرة في المنطقة. ويشرح فريدمان وجهة نظره بالقول: الأسلحة النووية مفهوم نظري مصمم لتضخيم القوة الإيرانية. تعتمد قوة إيران الحقيقية على قدرتهم على زعزعة استقرار بعض البلدان. هذه الإستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر ضئيلة فقط مقارنة ببناء سلاح نووي وصواريخ لإيصاله. تريد إيران القدرة على امتلاك أسلحة نووية من دون امتلاك أسلحة نووية، بينما تشرك إسرائيل والعرب والأمريكيين في عمليات سرية يصعب مواجهتها.

فريدمان: إيران بارعة في الظهور بمظهر الانتحار في حين أنّها في الواقع تخشى الإبادة النووية مثل أي دولة أخرى

غرضان

ويبيّن جورج فريدمان أنّ تظاهُر إيران بأنّها ترفض مناقشة المعاهدة النووية القديمة يخدم غرضين. إنه يختبر الرئيس الأمريكي الجديد لترى مدى حاجته إلى هذه الاتفاقية، ويسمح للإيرانيين بتصعيد أولوياتهم الفعلية باستخدام وتوظيف الرغبة الأمريكية في إحياء الاتفاق. ويضيف: لا يوجد جانب سلبي حقيقي لإيران. ما تحتاجه طهران أكثر من أي شيء آخر هو رفع العقوبات. العقوبات التي فُرضت على إيران بعد أن ألغى ترامب الاتفاق النووي في العام 2018 تدمر اقتصادها، وتولّد بدورها معارضة سياسية إيرانية لمخططي الاتفاقية الأولى. (وقد ضاعف ذلك التحالف الناشئ بين الدول العربية السنّية وإسرائيل، وهو تحالف دفاعي اسمي يمكن، كما تعلم إيران جيدًا، أن يتحول إلى هجوم سريع)، بحسب فريدمان.

سياسياً، إذا أراد بايدن الوفاء بوعوده، فعليه إحياء نسخة من المعاهدة القديمة. قرأ الإيرانيون هذه الحاجة كفرصة لانتزاع التنازلات، لا سيما رفع العقوبات، ولكن أيضاً، على المدى الطويل، التقليل من تهديد القوات الأمريكية عبر الخليج. هذه أمور حاسمة بالنسبة لإيران، بحسب فريدمان، الذي يضيف: مشكلة بايدن هي أنه لم يبدأ الحكم بعد. الأشهر القليلة الأولى لأي إدارة أمريكية جديدة هي امتداد للحملة الانتخابية. وهكذا، أمر بايدن بشن غارة جوية على الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا لإثبات استعداده لضرب عملياتها السرية. يراقب الإيرانيون بعناية ليروا ما إذا كان الجناح اليساري للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة هو الذي سيحكم أم أنّ الوسط هو الذي سيحكم. وبهذا المعنى، يواجه بايدن مشكلة: فهو تعهد بإحياء اتفاق لا يعالج مشكلة إيران حقاً، ويجب عليه أن يفعل ذلك ليُظهر للأوروبيين أنّه ليس ترامب بينما يوضح للإيرانيين أنه كذلك... وستجعل إيران هذا الأمر صعباً عليه قدر الإمكان.

الصفحة الرئيسية