فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام
صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
5510
عدد القراءات

2020-01-30

أجرت الحوار: منى يسري


قالت الباحثة المصرية في التاريخ والدراسات النسوية الإسلامية، الدكتورة فاطمة حافظ، إنّ المحدد الأساسي للنسوية الإسلامية هو بذل جهد فكري أكاديمي لإنتاج معرفة في هذا المجال تنطلق من العمل على أدوات تحليل الخطاب الموجّه للنساء وتأويلاته، مضيفة في حوارها مع "حفريات" أنّه "لا ينبغي أن نرفض بالمطلق الفكر النسوي الغربي بإنتاجه المعرفي الغزير، بل يجب أن ننطلق منه، ونعمل على قضايا النوع الاجتماعي، مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية".

ينبغي أن ننطلق من الفكر النسوي الغربي مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية

وأوضحت الناشطة الحاصلة على الدكتوراه في الآداب، أنّ قسوة التقاليد والسيطرة الذكورية على الخطاب الفقهي من أهم العوائق في سبيل تأسيس حراك نسوي عربي، مشيرةً إلى أنّ "ما يقدمه السلفيون من نسوية جرم في حق الإسلام؛ لأنّهم يسعون إلى الخلط بين الإسلام كثوابت وتعاليم روحية، وبين التجربة التاريخية الاجتماعية للإسلام، وأخذهما معاً في بوتقة واحدة".
وأكدت حافظ أنّ ما اصطُلح على تسميته بالنسوية الإسلامية، "لم يبدأ كما يروّج مع صعود جماعة الإخوان المسلمين، لكنّ له جذوراً أقدم منها يمكن إعادتها إلى عائشة تيمور التي بدا أنّ دعوتها لتحرير المرأة كانت من منظور إسلامي"، مؤكدةً أنّ مراجعات الجماعة المتأخرة في هذا المجال كان هدفها الأول "السعي لمكاسب سياسية سلطوية لا أكثر".
وهنا نص الحوار:
أطروحات النسوية الإسلامية المعاصرة

أنضج تجليات النسوية الإسلامية العربية كان مع بزوغ الألفية الجديدة
حول أي قيمة تدور أطروحات النسوية الإسلامية المعاصرة؟

المحدد الأساسي للنسوية الإسلامية هي بذل جهد فكري أكاديمي لإنتاج معرفة نسوية إسلامية، ذات شقين؛ الأول نسوي والثاني إسلامي، أما النسوي فهو الانطلاق من منظور النوع والعمل على أدوات تحليل الخطاب الموجه للنساء وتأويلاته، وبما أنّ كلمة "إسلامية" هي المحور المحرك للنظرية، فالانطلاق فيها إسلامي والمرجعية هي التراث الإسلامي.

جماعة الإخوان شاخت ولم تعد لهم جماهيرية بين شرائح الفتيات والشباب في الجامعات كما في السبعينيات حتى التسعينيات

وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ النص مطلق ومقدس، ألا أنّه لا ينبغي أن نرفض بالمطلق الفكر النسوي الغربي بإنتاجه المعرفي الغزير، بل يجب أن ننطلق منه، ونعمل على قضايا النوع الاجتماعي، مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية، والعمل على التوفيق بين الإطارين، لإنتاج معرفة نسوية من منظور إسلامي، مع العمل على مراجعة ما كتب الفقهاء القدامى وتمحيصه، وهو قابل للأخذ والرّد.
كما لدينا في التراث نساء من المسلمات الأوائل اللاتي تبنّين العلم الديني من الحديث، ولدينا أيضاً فقيهات لكنهن قلّة، وهنا ينبغي أن تطرح النسويات الإسلاميات تساؤلاً مهماً: لماذا أُحيي وتعاظم تراث ابن تيمية، بينما أهيل التراب على تراث فاطمة السمرقندية وغيرها من الفقيهات؟ أين ذهبت جهود هؤلاء النساء؟

لكن ما تقدمه الأخوات المسلمات كأبرز تجليات للنسوية الإسلامية، لا يضع تساؤلات من هذا النوع، فلماذا؟
هذا حقيقي، لكن من منظوري فإنّه إن لم تصطدم النسوية الإسلامية بتلك التساؤلات، وإبراز ما طمسه التاريخ، ولا تقدم على إنتاج معرفي، فهذا هو الفيصل بينها وبين غيرها من النسويات.
وإنّ ما اصطلح على تسميته بالنسوية الإسلامية، لم يبدأ كما يروج مع صعود جماعة الإخوان المسلمين، لكنّ له جذوراً أقدم منها يمكن إعادتها إلى "عائشة تيمور"، التي بدا أنّ دعوتها لتحرير المرأة كانت من منظور إسلامي.

لماذا أُحيي وتعاظم تراث ابن تيمية بينما تم تجاهل تراث فاطمة السمرقندية وغيرها من الفقيهات؟

ودعيني أقول إنّ النسوية الإسلامية اليوم ليست تياراً واحداً، بل مدارس وتيارات متباينة في الكثير من الأحيان، ويمكن إعادة ما تأطر منها إلى فترة التسعينيات، من خلال مجموعة من الباحثات سافرن إلى الولايات المتحدة، وعلى أيديهنّ تأسست فكرة النسوية الإسلامية من بينهن كانت زينة أنور من حركة مساواة، وفاطمة المرنيسي في الثمانينيات، وآمنة ودود التي عاشت في القاهرة ثم سافرت إلى الولايات المتحدة، وأمثلة كثيرة درست الفكر النسوي من منابعه الأصيلة، واحتكت بالتجربة الأمريكية وجماعات النسوية المسيحية واليهودية، واطلعن على تجارب إعادة قراءة النص الديني من منظور نسوي، وهذا أفادهنّ بشكل كبير، ومن هنا كانت البداية الحقيقية للنسوية الإسلامية كنظرية، حيث بدأن في عملية تأويل النص الديني قبل انطلاقها من مصر والمغرب.

زخم العولمة

لا يوجد ما يحرم أو يمنع المرأة من التبحر في العلم الشرعي لتصبح فقيهة أو محدّثة
بنفس التوقيت الذي تتحدثين عنه، بدأت النسويات في إيران في الصراخ من سطوة الدولة الدينية، هل ثمة ترابط؟

بالطبع هناك ترابط، بنفس التوقيت وتحديداً مطلع الثمانينيات، ظهرت أصوات إيرانية مثل شهلا شركت، وزنان أمروز وغيرهن، بدأن في عملية تأويل النص الديني من منظورهن كنساء، والبحث عن أصول القمع الواقع عليهن، واللاتي بدأن في الإجابة عن سؤال: هل قمع النساء الذي يتم بعد الثورة الإسلامية باسم الدين له قاعده شرعية؟، وبدأت قضاياهن الاجتماعية تطفو على السطح، مثل حضانة الأم لأطفالها في حال الطلاق أو وفاة الزوج، فبدأن في مراجعة التراث الإسلامي، ووجدن آراء تكفل للنساء حقوقهنّ المسلوبة.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
لكنّ النظام السياسي يفضل غض الطرف عنها، فالحاجة الواقعية هي التي دفعت هؤلاء النسوة للبحث عن مخرج لن يجدنه في ظل ثورة إسلامية إلّا بين طيات كتب الفقه التراث، وأشهر الوقائع على ذلك هي تجربة طلاق "زيبا مير حسيني"، التي دفعتها  إلى  مراجعة قوانين الزواج والطلاق وأحكام الأسرة الإسلامية، والتي كانت محوراً أساسياً في كتابها "القوامة في التراث الإسلامي: قراءات بديلة"، وهذا هو الفيصل بين الإيرانيات المدفوعات بالتجارب الشخصية المريرة والواقع القمعي، وبين غيرهنّ من النسويات العربيات المتلقيات للنظرية من منابعها، كجزء معرفي نظري لم ينفذ بعد.

إذن، يمكن القول إنّ مدرسة النسوية الإيرانية تيار منفصل بحد ذاته؟
نعم هو كذلك، فإيران تيار، يوازيها تيار النسوية الغربية، بالتقارب مع تيار النسوية العربية الإسلامية الذي تأطر في التسعينيات كما أشرنا،  لكن أيضاً تيار النسوية العربية كان مدفوعاً بقسوة التقاليد، فبالنسبة إلينا في مصر والعالم العربي، يظل لدى النسويات الإسلاميات تساؤل لم يجد الإجابة بعد، وهو: لماذا يظل الأزهر ورجاله فقط المسيطرين على ساحة العلم الديني؟ مع العلم أنّه لا يوجد من الكتاب والسنة، وحتى الإرث الفقهي، ما يحرم أو يمنع المرأة من التبحر في العلم الشرعي لتصبح فقيهة أو محدثة، لكن نجد أنّ الحرج قائم في نفوس السلطة الدينية التي يسيطر عليها الرجال.

النسوية الإسلامية اليوم ليست تياراً واحداً بل مدارس واتجاهات متباينة أحياناً

هنا أشير إلى أنّ أنضج تجليات النسوية الإسلامية العربية كان مع بزوغ الألفية الجديدة، وتحديداً مع تأسيس الدكتورة منى أبوالفضل دورية "المرأة والحضارة"، التي بدأت في أواخر 1999، وأفردت أول أعدادها لنقاش النوع الاجتماعي في القرآن الكريم، وكان ذلك طفرة نوعية في هذا التوقيت تحديداً، واستُهل عدد بداية الألفية بإيضاح أنّ هناك تحيزات تفسيرية لدى المفسرين، وأنّه انطلاقاً من دورنا كنساء أكاديميات وعالمات، لا يمكن أن تفرض علينا هذه التفسيرات مع بداية الألفية الثالثة، وانطلقن من مفهوم "القراءة البريئة للنص من منظور امرأة"، بعد إسقاط كافة التفسيرات السابقة.
في ذات التوقيت انطلقت كل من الدكتورة أميمة أبوبكر، والدكتورة هدى الصدا بالكتابة عن المرأة في التاريخ الإسلامي كفاعل لا كمفعول به، من خلال مؤسسة المرأة والذاكرة، والجديد في تلك الانطلاقة أن تبدأ تساؤلات حداثية لدى نساء أكاديميات على قدر جيد من التعليم والثقافة، منطلقات من الفهم الديني لا رافضات له.
مراجعات الإخوان

في نفس هذا التوقيت هناك مراجعات قدّمتها جماعة الإخوان المسلمين، في شأن دخول النساء معترك السياسة، هل كان اقتباساً براغماتياً منهم أم ماذا؟
نعم قدّم الإخوان من خلال رصدهم لهذا الحراك تساؤلات حول المرأة كعضو فاعل في الجماعة، واستمرت خمسة أعوام، توّجت بدخول جيهان الحلفاوي إلى مجلس النواب المصري العام 2005،  لكن الفارق هنا، أنّ الإخوان يبحثون عن ثغرات تمهد لهم الطريق إلى السلطة، وبعدما استمروا لعقود في رفض المشاركة السياسية للنساء، دفعتهم مصالحهم إلى التنازل عن جمودهم التنظيمي.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
لكن بالنسبة للحركة النسوية الإسلامية فالهدف هو تقديم محتوى معرفي لخدمة قضايا المرأة، وليس لخدمة تنظيم بعينه، وكان طرح الحركات النسوية في ذلك الوقت حول دور المرأة المسلمة في المجتمع وعلاقتها بالنص المقدس والتشريع في ألفية جديدة.

إذن، هل ثمة تطبيق لهذا المحتوى المعرفي على أرض الواقع؟
النسوية الإسلامية امتلكت رصيداً معرفياً غزيراً في الأعوام الأخيرة، تكاملت معها في التطبيق على أرض الواقع الحركات الإيرانية التي أحدثت تغيرات تشريعية لصالح المرأة في قوانين الحضانة والطلاق وغيرها، إلا أنّ العلاقة بين الشقين المعرفي النظري والتطبيقي الحركي في مصر ليست واضحة، لكن بالنظر إلى المغرب يتضح الترابط بين الشقين في 2010، حينما دار نقاش مجتمعي حول إنشاء مدونة جديدة لقوانين الأسرة باسم "مدونة الأسرة المغربية"، انطلاقاً من المذهب المالكي، قدمت اقتراحات غاية في التقدمية، كان منها حق المرأة في ثروة الرجل عند الطلاق، استناداً من مساهمتها في هذه الثروة كونها شريكة الحياة الزوجية، وإعطاء المرأة الحق في تطليق نفسها.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
وهنا يجب الإشارة إلى رحابة الفقه الإسلامي باختلاف مدارسه، فالباحث المدقق، سيجد بين آراء الأئمة ما يوافق مصلحته ويتطابق مع الشرع، لكن التطرف الذي يسود مجتمعاتنا اليوم، ينقّح الفقه ويختار أشد المذاهب وينشرها بين الناس، لكن ما قدّمته المدونة من إعادة تفكير في الحقوق الاجتماعية للنساء كان أبرز تجليات الحركة النسوية العربية على الأرض.
نحو حراك تطبيقي

بعد حراك 2011 في الربيع العربي، ألم تجد النسويات الإسلاميات، في مصر وغيرها من البلدان العربية، منفذاً لتطبيق برامج اجتماعية، كخطوة أولى على طريق المساواة، على غرار المغرب؟
بالطبع جرت محاولات، ففي 2012، تواصلنا مع رموز الحركات النسوية الأخرى وفي مقدمتهن النسوية البارزة، المحامية عزة سليمان، وهالة عبدالقادر، ومن خلال عدة لقاءات اقترحنا أن تقدم النسويات الإسلاميات المحتوى المعرفي، وتطبقه المؤسسات التي تتحرك على الأرض، ولكن أجهضت تلك المحاولات تماماً، وذلك بسبب التضييقات القانونية التي جرت على مؤسسات المجتمع المدني المعنية بقضايا النساء.

الإخوان يبحثون عن ثغرات تمهد لهم الطريق إلى السلطة بعدما رفضوا لعقود المشاركة السياسية للنساء

إثر ذلك انقطع جسر التواصل بيننا، والذي أطرناه من خلال آلية تقديم هذه المؤسسات لمشكلات اجتماعية قائمة، نقوم نحن بالعمل عليها وتقديم حلول قابلة للتنفيذ يقومون عليها، هذا الشق بدأ بالفعل في المغرب من خلال ورشة بعنوان: "مفهوم الولاية والقوامة: نحو إعادة قراءة".
إنّ هذا الربط بين الشقين يحتاج لإرادة للتطبيق، لكن ما يتم حالياً هو تصدير نسوية إسلامية إصلاحية، طرحها رشيد رضا وتبنتها جماعة الإخوان، أو ما يقدمه السلفيون من نسوية أراها جرماً في حق الإسلام، لأنّهم يسعون إلى الخلط بين الإسلام كثوابت وتعاليم روحية، وبين التجربة التاريخية الاجتماعية للإسلام، وأخذهما معاً في بوتقة واحدة، وهذا محض تلفيق لا علاقة له بالإسلام كمنظومة إنسانية روحية في المقام الأول.

ختاماً، أود سؤالك حول تصدير النسوية الإسلامية كتجلٍّ لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وما الذي ترتّب عليه؟
للأسف كان للمراجعات التي تبنتها الجماعة في عهد محمد حسني مبارك دور في ذلك، وهي مراجعات هدفها الأول السعي لمكاسب سياسية سلطوية لا أكثر كما ذكرت، فلا قدّم الإخوان محتوى معرفياً نسوياً ينصف النساء، ولا تبنت برامجهم السياسية بنوداً تقلل العبء من على كاهل المرأة.

النسوية الإسلامية امتلكت رصيداً معرفياً غزيراً مؤخراً تكاملت معها في التطبيق الحركات المناظرة الإيرانية

وهنا أتفق مع الباحث الراحل "حسام تمّام"، في وصفه لكوادر الجماعة إذ تبنت قواعد ريفية، تغازل طبقات معينة، فلا يهمهم أن يعبر طرحهم عن الإسلام أم لا، فهو إمّا يرسل رسائل للمعسكر الغربي، أو يحاور طبقات رجعية، ومع انخفاض تواجد كوادر من الطبقة الوسطى تعاظمت مشكلة أطروحاتهم التي تصطدم بحقوق النساء مباشرة.
الحقيقة أنّ جماعة الإخوان شاخت، ولم تعد لهم جماهيرية بين شرائح الفتيات والشباب في الجامعات كما في السبعينيات وحتى التسعينيات، لكنهم إلى اليوم يتغذون على ما وضعه رشيد رضا وتلميذه حسن البنا، من قرن من الزمان، ليس فيه من النسوية الإسلامية بمفهومها الأكاديمي شيء، لكن طرحهم المعاصر اعتاد على شيطنة الآخر، وهو ما يحتاج إلى مراجعات كثيرة منهم ومن قبل الطبقات المؤيدة لفكرهم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟

2020-03-23

أجرى الحوار:  ماهر فرغلي


قال الإعلامي والكاتب المصري محمد الباز إنّ الإعلام الإخواني مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة وإنّ هذا الصراع سينتهي عاجلاً أم آجلاً، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ العاملين في قنوات الجماعة ومنصاتها يتقاضون أجوراً كبيرة، بناء على ظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه.

تجاهُل إعلام الإخوان على مستوى العاملين والمنطق والمضمون صبّ في مصلحة الجماعة والموالين لها

وأضاف مقدم برنامج 90 دقيقة، على قناة المحور، وبرنامج باب الله على قناة الغد أنّه "يجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في "الإعلام الجديد"، لأنّ إعلام الإخوان كل اهتماماته منصبّة على نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي"، مستدركاً أنّ "مشكلة الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل"، وقال إنّ "الإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمّتها".
وانتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدستور والأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة بعض برامج التنوير التلفزيونية لأنّها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي للناس، على حدّ وصفه، موضحاً "أرى أنّ التنويريين المعاصرين يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً".

ورأى الباز أنّ "احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد".
وهنا نص الحوار:
مواجهة إعلام الإخوان
كيف تصف الإعلام الإخواني ومستقبله؟

هو مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة، وسينتهي هذا الصراع عاجلاً أم آجلاً.. سواء بانتصار الدولة أو بالتفاهم أو تغيير استراتيجية الجماعة، وللعلم هو الطبعة الثالثة من إعلام مناهض بدأ عقب العام 1956 بإذاعة ابني أبو الفتح، محمود وأحمد، اللذين كانا صاحبي جريدة المصري، ولما اختلفا مع عبدالناصر، بدآ بقصف إعلامي مستمر للدولة، وتكرر الأمر مرة أخرى مع الممثل عبدالغني قمر، الذي أقام في قبرص وأنشأ إذاعة في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات.

اقرأ أيضاً: منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات
ومع الفارق في الإمكانات الضخمة للقنوات الإخوانية، فهو إعلام خرج بظرف ذاتي وبمجرد انتهائه سينتهي هو معه، ولذا فإننا سنلاحظ التفاعل الداخلي والتصادم والاشتباكات داخل تلك القنوات الممولة قطرياً وتركياً، خاصة أنّ بعضهم صدّق نفسه، وتصور أنّه صاحب قضية، وكلهم يتقاضون أجوراً كبيرة، وأجورهم مرتبطة بظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه، لكن النهاية لا نستطيع تحديد ميعادها الآن.
هل تتفق مع مَن يدعون إلى أن نتغاضى عن هذا الإعلام؟
لا؛ يجب ألا نتغاضى عنه لأن التجربة أثبتت أنّ تجاهله وعدم كشفه على مستوى العاملين والمنطق والمضمون، جعلت عناصر الجماعة والموالين لها يحتلون به مساحة في الذهنية، ونحن على المستوى النظري سنجد أننا لو أعطيناه اهتماماً زائداً فسنساويه بإعلام الدولة الرسمي؛ هذا صحيح، لكنه عملياً فإنه أثّر بالفعل وكان على وشك إخراج الناس في 20 أيلول (سبتمبر) العام 2019، والنجاح في صناعة فتنة، ولأننا تجاهلناه كان هناك حالة قلق حقيقية على المستوى الرسمي والشعبي، وهذا كان مؤشراً لأن نبدأ ونهتم بتفنيد ما يطرحه.

التنويريون المعاصرون يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً

أنا على سبيل المثال قبل عامين بدأت ذلك وأنا أعمل في قناة المحور الخاصة، وفوجئت أنّ التلفزيون الرسمي فيما بعد سار على نفس النهج؛ لقد أدركوا ذلك مؤخراً، وبرأيي هناك أكثر من مسار.. إعلام تقليدي، ونيو ميديا، ويجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في هذا النوع الأخير، لماذا؟ لأنّ إعلام الدولة جزء من اهتماماته هو التطرف والإرهاب، وأما إعلام الإخوان فكل اهتماماته هو نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي.. وهناك مشكلة أنّ الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل، ولو قارنت صفحات كل العاملين العرب بصفحات مذيعين غير محترفين في قنوات الجماعة لوجدت عناصر التنظيم أكثر متابعة، وذلك لأنّهم يركزون جهدهم، ومن هنا كان علينا أن نهتم بنفس الدرجة بذلك.

هناك من يرى أن تفكيك الخطاب الرئيسي والأيديولوجيات والأفكار المؤسسة يمكن أن يقضي على هذا الإعلام ومشروعه، هل تتفق مع ذلك؟
لا بد أنّ نفكك الخطاب، لكن بنفس الدرجة المتن والسند، بمعنى ما قالوه، والأشخاص وتحولاتهم، وبالنسبة لمسألة الأيديولوجيات فهناك قطاع كبير جداً مقتنع بما يطرحون دينياً، لكن الأداء وحده يمثل خطراً عليهم، وجماعة الإخوان بمصر فشلت سياسياً، وخرج الناس ضدها وليس ضد الدين.

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
من هنا أنا أرى أننا يجب أن نبين خطرهم على الهوية الوطنية، وعلى الاستقلال الوطني، وهذا أول الطريق لنجاحنا ضد هؤلاء المتطرفين، أما الدخول معهم في الأفكار التي منبعها ديني فسنجدهم ينتصرون، وهذا خطر لكنه واقع، فأنت حين تفكك الخلافة دينياً تفشل، لكن حين تفككها سياسياً تنجح.. تفكيك الأفكار المؤسسة صعب جداً لأنّ ثمة قطاعاً تستهويه تلك الأفكار الدينية.
على ذكر تفكيك الأفكار أليس ذلك مهمة المؤسسات الدينية؟
بكل تأكيد، لكنها مؤسسات دينية متكلسة، بل ولا أبالغ إذا قلت إنّ خطابها رجعي، لأنّ مَن لا يقدّم ما يقنع الناس ويخدمهم سيخسر كثيراً.. ولاحظ كيف كان الإخوان يعملون اجتماعياً ويسوّقون أنفسهم، وكيف يعيشون في الشارع بين الناس، وكيف كانوا يتكلمون كثيراً في الرقائق، والترغيب والترهيب، حتى لو كانوا غير ملتزمين دينياً، لكنهم كسبوا الناس بهذا الشكل، ومن هنا أنا لا أنحاز لحرب الأفكار المؤسسة، فأنا دوري في الإعلام أن أقول إنّه يكذب.

مشكلة الإعلام الرسمي

البعض يقولون إنّ الإعلام الرسمي غالباً يتخذ موقفاً دفاعياً، وهذا دليل كبير على ضعفه، ما رأيك؟
هذا حق يراد به باطل، لأنّه من الطبيعي أصحاب الحق دائماً يدافعون، ولأنّ معي الحق فأنا في موطن دفاع والباطل يهاجمني.. هو يريد أن يثبت أنه مصيب بنوع من العصبية والصوت المرتفع، ونحن نتكلم بهدوء، على سبيل المثال الدولة حين تقوم بافتتاح مشروعات فإنّه يشكك بصخب.
ما مشكلة إعلام الدولة الرسمي بالضبط؟
المشكلة أنّ الإعلام المعادي ليس قليل الإمكانات، ومدعوم بشكل كبير جداً، أما نحن فمعظم الأموال المدفوعة هي أجور وليست لإنتاج المحتوى، وأنت تعلم أنه على سبيل المثال لدي أكثر من 400 عامل، أنا أستطيع أن أعمل بـ80 فقط، لكن الباقين مفروضون، وهذا ما يستنزف الجهد والميزانية، ومن هنا فالإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمتها.. وأرجو أن نلاحظ تمويلنا طبيعي، وأما تمويلهم فهو مال موجَّه، وهم يراجعون ما حققوه من أهدافهم كل فترة زمنية.
البعض يتهم الإعلام المصري أنّه تراجع في الأعوام الماضية بسبب عدم وجود حرية النقد؟
بكل تأكيد الإعلام يحتاج لمناخ من الحريات، لكن الإعلام الإخواني المدعوم تركياً وقطرياً ليس عنده حرية نقد أيضاً، هو لديه حرية نسبية في نقد الدولة المصرية وفقط، فهو لا يستطيع أن ينتقد أردوغان أو عزمي بشارة وأيمن نور، وأيضاً نحن لدينا حرية نسبية.

ألا تتفق أنّ تأثير الإعلام الإخواني أخذ بالتراجع مؤخراً؟
بالتأكيد، بل إنّ هذا التراجع كبير جداً، والدليل أنّهم دخلوا اختبارات كثيرة وفشلوا فيها، فهم يحشدون مع كل مناسبة دينية ووطنية ويذهب ما يدعون إليه أدراج الرياح، وتبقى الدولة شامخة.. ولاحظ كيف سحبوا (المقاول محمد علي) من المشهد مجبرين لأنّه فشل وأصبح ورقة محروقة، ورغم أنه ليس إخوانياً مثل أيمن نور، ومحمد ناصر، فكلهم ليسوا إخواناً لأنّ الجماعة وأفرادها أصلاً فاشلين في الإعلام، وهم مستمرون لأنهم يتصورون أنهم في معارك منفصلة، قد ينهزمون فيها، لكن هناك حروباً كثيرة لا بد وأن ينتصروا فيها، وأعتقد أنّ التراجع والهزيمة هي حليفهم والإعلام المصري وليس التركي حقق نتائج ملموسة على الأرض وذلك مربوط بالنتائج وليس بالأحلام، وأعتقد أننا كنا في لعبة، لا يحسب فيها النصر بالمراوغة لكن بإحراز أهداف.
بين التنوير وتجديد الخطاب الديني
هل ترى أنّ برامج التنوير الفكرية التلفزيونية قد أدت مهمتها بنجاح أم لا؟

لا أرى نجاحها، أغلبها عبء على التنوير في مصر، لأنها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي، والتنوير في أصله هو التعريف وترك الآخر لكي يتخذ موقفه بنفسه، إنّني أرى أن التنويريين المعاصرين يتخذون نفس المنهجية "السلفية" التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً..

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
التنوير أن أشرح لك سيد قطب مثالاً، وأنت هنا تختار وتصل إلى الحقيقة التي لن أفرضها عليك، وأما الخطاب الحالي ففيه نوع من الوصاية، ولا أقصد بالطبع خطاب الفلاسفة الكبار مثل أركون أو شحرور، فهذا في أصله خطاب نخبوي، وهناك بكل تأكيد مساحة فلسفية للنخبوية بخطاب التنوير، وهذا خلل أساسي في المنهجية كما قلت لك، ونحن لا بد أن نكسر القواعد، والتفكيك مطلوب لكن ليس بهذه الطريقة، فأنا لا يشغلني قطع خالد بن الوليد لرأس مالك بن نويرة، فهذا كان في سياق تاريخي، والآخرون يستطيعون الحصول على سردية تاريخية مقابلة وهنا لن تنتهي المشكلة، إلا بدولة مدنية وقوانين حاكمة.

هل نحن إذن امام معضلة بانت في نقاش شيخ الأزهر مع الدكتور الخشت؟
بكل تأكيد ووضوح نعم، نحن أمام معضلة، ومشهد 3 حزيران (يونيو) 2013 بمصر بعد الثورة الشعبية يوضح الصورة، حين خرجت قيادة الجيش وحولها شيخ الأزهر والسلفيون والأنبا تواضروس، في رسالة واضحة أنّ الدين مهم، وأن مصر ليست ضد الدين، لكنها ضد فصيل متطرف يدّعي احتكاره.

إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر على أي أساس سيكون التجديد؟!

وشيخ الأزهر مخلص فيما يعتقد أنه صحيح، لكنني انتقدته في تعامله مع الآخر، وهذا جعلني أتشاءم لأن طريقته كانت تحط من قدر الآخر، فما بالك بالآخرين، والمحيطون به أخذوا منه نفس هذه الحالة من القوة، لأنّ هناك خلافاً جوهرياً، وهو أنّهم يتصورون أنهم المحافظون وحدهم على الدين التقليدي، وهنا إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر، على أي أساس سيكون التجديد؟! رغم أنه كان له سياقه وظروف الواقع، والرسول عليه السلام نفسه قام بالتجديد عندما قال مثلاً: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
أنا لستُ يائساً وأمتلئ بالأمل، لكن لاحظ مثلاً (الطلاق الشفوي) وكيف واجهه الأزهر، رغم أنّ الظروف الواقعية والسياسية تدعو إليه كما أخذتها بالاعتبار بعض الدول الإسلامية؛ احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد.
هل أصبحت الدولة المصرية في مشكلة حقيقية في تجديد الخطاب الديني لأنه ليس لها مشروع؟
بل لديها مشروع كبير جداً، لكنها لم تفرضه حتى الآن، تقوم عليه ثلاث جهات: الأزهر، والأوقاف، ومجموعة دار الإفتاء، ومجموعة الاتجاه الصوفي بقيادة الشيخ علي جمعة وعمرو خالد والحبيب الجفري.

عمرو خالد...؟!
نعم، في الثلاثة أعوام الأخيرة حدثت له تحولات كبيرة جداً ونقلة في تفكيره، وكل هذه المشاريع تتصارع، وبعضها يأتي على استحياء، والدولة تتدخل أيضاً باستحياء لأنها تنظير للدين؛ هناك نوعان من تجديد الخطاب، واحد مساند للنظام وآخر مناهض متمثلاً بالإسلام السياسي، وأزمة بعض المجددين، أنهم يخلطون الأمر ويقومون بمحاربة الطرف المؤيد، مثل إسلام بحيري الذي قام بمجابهة وتفكيك الخطاب المساند مثل الأزهر.
بالنظر إلى تلك المشاريع، وأيضاً إلى جماعة الإخوان كيف ترى ما وصلنا إليه في هذا الشأن؟
لا ينفع أن يكون هناك تنظيم موازٍ، ولا بد أن تنتهي هذه الحالة مهما كانت التكلفة، وبعد ذلك نقوم بإجراء مراجعات لمن يستحق، لكن لا بد من ملاحظة أنّ عمليات الدمج لها تكلفة كبيرة، ولا بد أن يكون المجتمع مستعداً لها، وهنا سنكسب ليس بنسبة كاملة بل جزئية، لأن بعضهم سيعود للتطرف مرة أخرى.

للمشاركة:

أماني الطويل لـ "حفريات": مصر دخلت حيز الفقر المائي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-03-15

أجرت الحوار:  منى يسري


أكدت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، إنّ مصر دخلت حيز الفقر المائي، وأنّ حقّ مصر في مياه النيل محميٌّ بموجب الاتفاقيات الدولية، وإنّ إثيوبيا تستخدم عامل التلاعب بالوقت، وتظهر عدم الجدية والالتزام، حتى بعد حضور واشنطن كطرف في المفاوضات.

هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع والتلاعب بعامل الوقت

وأوضحت الطويل أنّ الموقف المصري الأخير كان موفقاً؛ لأنّه يمنع إثيوبيا من المناورة السياسية التي تنتهجها منذ بداية المفاوضات، عام 2014، كما أنّ انسحابها الأخير، أظهر للجانب الأمريكي أنّ الجانبَين؛ المصري والسوداني، على قدر كبير من الجديّة والالتزام.
في هذا الحوار، الذي أجرته "حفريات" مع الدكتورة أماني الطويل، في مكتبها بمؤسسة الأهرام، تجيب عن تساؤلات بشأن مباحثات سدّ النهضة، ومآلات المفاوضات المستمرة منذ ستة أعوام، وتداعياتها على الشأن المصري.

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض توقيع أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء

هنا نصّ الحوار:
دكتورة أماني: هل من الممكن إطلاعنا على آخر ما توصّلت إليه المباحثات الثلاثية التي تجري في واشنطن بخصوص سدّ النهضة؟

وقعت جلسة المباحثات الأخيرة في التاسع والعشرين من شباط (فبراير)، حول التوقيع على مسودة اتفاق تمّ التوافق عليها بالفعل، وحازت على رضا جميع الأطراف، حتى أنّ وزير الريّ السوداني، ياسر عبّاس، أعلن التوصل لاتفاق، لكن ما هي طبيعة الاتفاق؟ هذا ما يزال مبهماً؛ لأنّ تفاصيل الاتفاق لا تُعلن هنا، ثُمّ أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مبعوثاً لكل من القاهرة والخرطوم، قبل 48 ساعة من عقد هذه المباحثات، وأيضاً لم يعلن عن فحوى ما جرى، لكن كان هناك تلميح في الخرطوم إلى تأجيل الجلسة، وليس عدم حضور إثيوبيا، والصحافة السودانية هي من صرحت بذلك، لكن دون الإشارة لمصدر المعلومات، بعد ذلك فوجئ الجميع بحضور مصر والسودان للجلسة، بينما أعلنت إثيوبيا عدم حضورها، موضحة أنّ البلاد رهن ظروف داخلية تحتم المزيد من التشاور، وفي نهاية المباحثات، وقّعت مصر، بالأحرف الأولى، على الاتفاقية، ولم يوقّع السودان بل دعا من خلال وزيرة خارجيته، أسماء عبد الله، إثيوبيا إلى التوقيع، وعليه أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول، موضحاً أنّه لن يتاح لإثيوبيا ملء البحيرة إلّا بعد تحقيق التوافق بين جميع الأطراف، وعليه اجتمع مجلس الوزراء الإثيوبي، معلنين أنّهم سيملؤون البحيرة، شاء من شاء وأبى من أبى، في تحدٍّ واضح للأطراف المتضررة من هذا الحدث، وأنّ الاتفاقية راعت مصالح دولتي المصب، ولم تراعِ مصالح دولة المنبع، وأنّهم سيلتزمون بمبادئ الاتفاق، الذي تمّ توقيعه في آذار (مارس) 2015، معلّقين بالتزامهم التفاوض مع طرفي النزاع.
إذاً، ما هي تداعيات توقيع مصر وحدها وانسحاب السودان؟ وهل يخدم هذا القرار مصالح مصر في تلك المباحثات؟
في رأيي الشخصي؛ الموقف المصري كان احترافياً، والتوقيع أفقد إثيوبيا أيّ هامش للمناورة السياسية، وأوضح الجدية والالتزام، للجانب الأمريكي من قبل مصر؛ لأنّه يعني أنّ مصر التزمت بما تمّ الاتفاق عليه بين جميع الأطراف، وأنّ هذا الاتفاق يرضيها بالفعل، وبالتالي لا مجال لمناورات إثيوبية، لكن مع الأسف هذا الاتفاق لا يلزم إثيوبيا بأيّ شيء، لأنّها لم توقع، لكن أفقدها اختيار المناورة، وأعتقد أنّ هذا كان سبب اللهجة العصبية التي عبّرت عنها إثيوبيا في البيان الذي أصدرته، واتضح تماماً أنّ إستراتيجيتها التلاعب بالوقت، والوصول إلى مرحلة الملء الأول للسدّ دون اتفاق، لكن على إثيوبيا أن تدرك أنّ موقفها قد عكس عدم الجدية للجانب الأمريكي، وهذا الأمر له ما له من العواقب السياسية، وكذلك تأكدت جدية الجانب السوداني باعتباره حليفاً لمصر، وهو ما يعدّ خسارة لإثيوبيا.

اقرأ أيضاً: محادثات سد النهضة: هل ثمّة ضوء في آخر النفق؟
 أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول

وهل ستصل إثيوبيا فعلاً لمرحلة ملء البحيرة؛ ما هي التنبؤات بذلك؟ وكيف نرى الدور الأمريكي كمحرك لموقف إثيوبيا؟
ليست مسألة تنبؤات، لكننا في لحظة يكتنفها عدد من المتغيّرات، هذه المتغيرات ستترتب عليها ردود فعل، ومن ثمّ علينا انتظار ردود الفعل، ونتساءل: هل يمكن أن تتفق الإرادة الأمريكية على موقف وزير الخزانة؟ لأنّ ما ألاحظه أنّ هناك قدراً من التباين بين موقف وزير الخارجية الأمريكي، وموقف وزير الخزانة الأمريكي، إذ أعلن وزير الخارجية قبل أسابيع أنّ الاتفاق ربما ينجز في شهور، وفي هذا إشارة إلى أنّ سقف التوقعات بإنهاء الاتفاق قد انخفض، لكنّ بيان وزير الخزانة يعبّر عن اتجاه آخر؛ فهل هناك اختلاف في الموقف الأمريكي نفسه تجاه إثيوبيا؟ بينما يعرف أنّ هناك علاقة شخصية تجمع وزير الخزانة بالرئيس ترامب، فهل تصريحه هو انعكاس أيضاً لموقف ترامب الشخصي، أمّا باقي الإدارة فلها موقف آخر، وهنا يمكننا القول؛ إنّ التوافق في الموقف الأمريكي تجاه إثيوبيا له تأثير كبير على الاتفاق، ربما سيجبر إثيوبيا على التوقف عن التلاعب بعامل الوقت، والحقيقة أنّ عدم وضوح الموقف الأمريكي يجعل ساحة اللعب مفتوحة، ولا نستطيع التنبؤ بما سيفعله الإثيوبيون.
بما أنّ إثيوبيا أعلنت التزامها باتفاقية 2015؛ فما الذي افتقدته تلك الاتفاقية جعل مصر تجدد المشاورات؟
ما حدث عام 2015، هو اتفاق مبادئ؛ بمعنى أّنّه لم يتم الاتفاق فيه على التزام إثيوبيا بتمرير الحصة المقررة "55 مليار متر مكعب" من مياه النيل إلى مصر،  لكنّها عقدت اتفاقية عامة، لأنّه إعلان مبادئ، كما أوضحت، وليس إعلان محددات، فالإعلان ينص على عدم الإضرار بشكل عام، فلنثبت إذاً عدم الإضرار، وهو ما يجعل الأمر مبهماً، وليس من حكم معين على إثيوبيا، فهو إعلان عام لا يرتقي إلى مستوى الاتفاقية القانونية، ولم يعترف بحقوق مصر المائية، ربما أعطى إثيوبيا ميزة نسبية، وهي الاعتراف الدولي ببناء السدّ، وأعطاها ضمنياً اعترافاً بالسيادة، في أطر عامة أيضاً، لكن ما أعلمه عن اتفاق 2015، كان وجود مساعٍ مصرية آنذاك لوجود اتفاقية ثانية بنصوص واضحة على حفظ الحصة المصرية من المياه، لكنّ الجانب الإثيوبي تعنّت في ذلك، وراهن الجانب المصري حينها على الوقت والاحتواء السياسي، وتقديم منافع لإثيوبيا، ربما تؤثر على موقفها المتعنت، وفي الوقت نفسه أثبتّ أنّ إثيوبيا لديها خطّ إستراتيجي ثابت يتضمن إثبات سيادتها على النهر، وتجميع كلّ نقطة تسقط على أراضيها من المياه، وصولاً لأن تكون دولة قائد مسيطر ومهيمن على مصالح الإقليم، وهذه هي طبيعة المعركة "سياسية وليست مائية".
دخلت مصر حيز الفقر المائي

إذاً؛ كيف يمكننا رؤية طبيعة الدور الإسرائيلي في ملف سدّ النهضة، الذي كثيراً ما تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية؟
الدور الإسرائيلي غير واضح، لكن أكاد أجزم أنّه على الأقل هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع، والتلاعب بعامل الوقت، فهذا منهج إسرائيلي بامتياز، مجرب مسبقاً مع الفلسطينين بعد اتفاقية أوسلو، فالمسألة صارت تفاوض من أجل التفاوض، وهو ما فعله الإثيوبيون، منذ عام 2014 وحتى اليوم، وعبر 21 جولة تفاوض بين الدول الثلاث، و9 جولات تفاوض إضافية بحضور واشنطن، لكن أن نتحدث عن تخطيط إسرائيلي لتفاصيل تتعلق بسد النهضة، فهذه معلومات غير معلنة، ولا نستطيع الخوض فيها.
وما حقيقة إعلان وزارة الريّ تخفيض منسوب مياه النيل بمقدار 5 ملايين متر مكعب؟
هذه كانت إشاعة تداولاتها وسائل الإعلام العالمية، لكن يحدث خفض لمنسوب مياه النيل كل عام، بسبب الفيضان، وهو إجراء طبيعي واعتيادي.
إذاً؛ هل دخلت مصر تحت مظلة الفقر المائي؟ وما هي مظاهر ذلك الفقر بالنسبة إلى المواطنين؟
بالطبع، دخلت مصر حيز الفقر المائي، وقد أعلنت الحكومة ذلك، لأنّ نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز الـ 570 متراً مكعباً سنوياً، بينما حدّ الفقر هو الألف متر مكعب في العام، ما يعني أنّ نصيب المواطن المصري، نصف حدّ الفقر، ونرى تبعات ذلك، فهناك بعض المساحات الزراعية لا تمتلك مياهاً، ويتم إحراقها مثلما يحدث في الفيوم، وتمّ التخلي عن مشروع الـ 200 ألف فدان، كما يمكن لمس هذا التأثير من خلال الشوارع، التي خلت من المساحات الخضراء، بسبب نقص المياه، كما أثر في صورة تغير التركيب المحصولي لمصر، وتخليها عن زراعة الأرز وقصب السكر، وهو ما يتسبب بقلق شعبيّ.

حتماً سيؤثر السدّ بمزيد من السلب في الحياة الزراعية؛ كيف ترين ذلك؟
بالطبع، فطبقاً للأنباء المتواترة، فإنّ حصة مصر المائية ستنخفض من 55 مليار متر مكعب سنوياً، إلى 20 ملياراً، وهو تخفيض كبير، إلى الثلث تقريباً في ظلّ هذه الزيادة السكانية، لكن في حقيقة الأمر؛ إنّ الـ 20 ملياراً ستصل إلى 60 ملياراً؛ لأنّنا نعيد تدوير الحصة المائية ثلاث مرات، ما يجعلها ثلاث أضعاف، أمّا الــ 55 ملياراً؛ فكانت تصل إلى 114 ملياراً، والحقيقة أنّنا لم نفقد المياه فقط، بل الاستفادة منها، والحقيقة أنّنا في موقف حرج للغاية.
وهل الخطة التي أعلنتها الحكومة لمواجهة ذلك الفقر كافية للحدّ من آثار هذا الفقر المائي؟
الحكومة أعلنت، على لسان رئيس الوزراء، خطتها لمواجهة الفواقد المائية، وأعلنت كذلك عن اتجاهها لتحلية مياه البحر، وهي إنشاءات مرتفعة التكلفة للغاية، لكنّها مجدية، خاصة بالنسبة إلى المدن الساحلية، وبالتالي ستخصص حصة مياه النيل لصالح مياه الشرب في المقام الأول.
لكن ما هي الحلول التي يجب أن تقترحها مصر على الجانب الإثيوبي للحدّ من كلّ هذا العواقب؟

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض التوقيع على أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء، معتبرة أنّ ما تجود به لدولتي المصبّ هو من إحسانهم، وليس حقّاً قانونياً محمياً بالاتفاقيات الدولية، فما تمارسه إثيوبيا هو أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية.

وما هو ردّ الفعل المصري على هذا التعنّت؟ وهل يمكنها التصعيد دولياً؟
مصر تتعامل مع الموضوع بحكمة، وتسير فيه، خطوة بخطوة، وتصعّد على قدر فعل الجانب الإثيوبي، ويكفل القانون الدولي لها حقّ التصعيد، لأنّ مياهها حقّ قانوني لا تجود به إثيوبيا.
ما تمارسه إثيوبيا أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية

دعيني أسأل في إطار الموارد المائية لنهر النيل؛ لماذا لم تزد الحصة المائية لنهر النيل منذ الخمسينيات وحتى الآن؟
الموارد المائية الكاملة لنهر النيل، هي 86 مليار متر مكعب فقط، فليس هناك من زيادة إلّا إذا أقيمت مشروعات مائية، وهناك مشروعات كانت موجودة بالفعل، مثل قناة "جونجلي"، كان من المفترض أن تزيد موارد النهر 15 مليار متر مكعب، ويفترض تقسيمها بيننا وبين جنوب السودان، لكنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان عطلت المشروع، وهناك مشروعات أخرى يتم اقتراحها، لكن وجود الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في القارة، يحد من هذا التوسع في الموار المائية، وهناك 56 مليار متر مكعب مهدرة في المستنقعات، ولا توجد مشروعات لاستقطابها، بسبب عدم وجود تعاون سياسي بين الدول المسؤولة، وموقف إثيوبيا المتعنت، والصراعات المسلحة في مناطق المشروعات.

ما هي الخطوة القادمة التي يمكن أن تتخذها مصر للتصعيد في هذا الشأن؟
ربما تتحرك مصر نحو مجلس الأمن الدوليّ، كما أنّه يتحتم عليها واجب ممارسة نوع من أنواع التفاعل الإيجابي مع الاتحاد الأفريقي والعواصم الأفريقية المؤثرة في دوائر صناعة القرار، حتى يكون هناك نوع من أنوع الضغط على إثيوبيا، للانصياع لمحددات القانون الدولي.

إذاً، هذا النوع من الضغط السياسي مجدٍ للجانب المصري؟
بالطبع؛ لأنّ فرض عقوبات اقتصادية على أيّة دولة، مهما بلغت من قوة، ليس بالأمر الهيّن، وهذا ما على مصر الانتباه له؛ لأنّ الجانب الإثيوبي يقوم بدعايات إعلامية، ويبالغ في تقديراته لما يمكن أن يجلبه السدّ من طاقة؛ لأنّ السدّ سينتج، بحسب تصريحاتهم، 6 آلاف ميغا وات، وهو ما يشكك فيه الخبراء؛ لأنّ التوربينات التي أقيم السدّ عليها، لا تمتلك القدرة لإنتاج هذا الكمّ الهائل من الطاقة.

للمشاركة:

رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لـ "حفريات": الإيرانيون يحكمون العراق

2020-03-12

أجرى الحوار:  محمود أمين


أكد رئيس ائتلاف الوطنية، رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، أنّ الإيرانيين يحكمون العراق، وقال إنّ تكليف ابن عمّه، محمد توفيق علاوي، برئاسة الحكومة العراقية الجديدة، جاء بـ "إرادة إيرانية وميليشاوية"، مشدداً على أنّ بلاده اليوم تعيش "اللا دولة"، جراء هيمنة الجماعات المسلحة على السلطةِ فيها.
وانتقد إياد علاوي هجوم التيار الصدري على المتظاهرين السلميين، وطالب بتشكيل حكومة منبثقة من الشارع الاحتجاجي. 

هنا نصّ الحوار:

دكتور إياد، لماذا فشل ابن عمكم محمد توفيق في تشكيل الحكومة مؤخراً؟

فشل بحسب المتوقع، لأنّ الأخ محمد جاء بدعم مخالف لما يطمح اليه المتظاهرون منذ أشهر، وهو لم يفهم المعادلة جيداً، ونصحتهُ سابقاً، واليوم أكرّر؛ من يـأبى قبول النصيحة التي لا تكلّفه شيئاً، فسيضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر، لأنّ من يُقرر أن يخوض معركةً، فينبغي أن ينظر أولاً إلى أخطاء من سبقوه، وألّا يغترّ بشعارات المتحولين قربه.

وهل يمكنك أن تكشف لنا سبب معارضتك لرفيقك في السياسة وابن عمّك، محمد توفيق علاوي، حينما كلف بتشكيل الكابينة الوزارية؟
المعارضة لم تكن شخصية لابن عمي العزيز، بل تمحورت حول سؤال كبير هو: من يحكم العراق الآن؟ بلادنا خاضعة لإرادات إقليمية ودولية، بالإضافة إلى إرادات مسلحين داخل العراق، وفي هذا الجو الملبد بالغيوم السوداء الداكنة؛ هل يستطيع أحد أن ينجو بنفسهِ وينجو بالعراق؟ ومن يأتي بإرادة إيرانية وإرادة ميليشاوية لن يستطع تحقيق رغبات المجتمع العراقي في التقدم والاستقرار، بل سينصاع للإرادة التي جاءت به.

بين حكومتكم عام ٢٠٠٤ وآخر حكومة عراقية راهنة؛ ما التغير الذي شهده العراق؟
شهد العراق بعد حكومتي تراجعاً كبيراً، للأسف الشديد، علماً بأنّ الحكومة التي ترأستها كانت حكومة قوية، والتراجع صبّ في 3 اتجاهات؛ أولاً تراجع في السيادة الوطنية، وثانياً تراجع في الوحدة المجتمعية، وثالثاً تراجع في الأوضاع الاقتصادية؛ هذا ما حصل في العراق طيلة هذه الفترة، المستمرة إلى الآن.

وما التغيير المتوقع للعراق في ظل الحكومة القادمة؟
في العراق عدة عقبات، منها: التدخل الإيراني الواضح في صياغة السياسات العراقية الإستراتيجية، وفي القرار السيادي العراقي، كما أنّ المليشيات المنفلتة هي المسيطرة على الشارع، ويرافق ذلك ضعف في بنيان الدولة، أو بالأحرى نعيش اليوم (اللا دولة)، وهناك مجلس نيابي قائم بشرعية 20% من العراقيين فقط، وحتى هذه النسبة القليلة شهدت عمليات تزوير، هذه أبرز العقبات الكبيرة التي ستواجه الحكومة المقبلة.

في رأيكم؛ ما الحلّ في ظلّ هذا المناخ الملتبس؟
أخبرت الأخ رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، بأنّ الحلّ الوحيد هو الاستماع للجماهير، التي يعبّر عنها المتظاهرون السلميون، واقترحتُ اقتراحاً عملياً على الأخ صالح، بتشكيل حكومة يمثلها ثلاثة أثلاث؛ ثلث من القوى السياسية البريئة من الفساد والدماء، وثلث من المتظاهرين، وثلث آخر من النقابات والاتحادات العمالية، لكنّ القرارات في النهاية دائماً ما تأتي من خارج الحدود، وهنا تكمن الخيبة والبؤس.

لماذا تتم مشاورات اختيار رئيس الكابينة الوزارية بعيداً عن مقترحات الشارع العراقي؟
الشعب العراقي المتظاهر يقتل كلّ يوم على مرأى العالم، وسط سكوت مطبق من الجميع؛ فلماذا يكون البديل الحكومي من خارج الدائرة الشعبية الوطنية النازفة؟ لماذا نحن السياسيين الذين أفسدنا البلاد نأتي مرة أخرى للحكم، ولا يسمح للمتظاهرين باختيار رئيس جديد للحكومة؟ خصوصاً أنّ المتظاهرين طرحوا عدة أسماء لرئاسة الوزراء، لكنّ رئيس الجمهورية لم يلتفت إليهم.
لست متشائماً، بقدر ما أتكلم عن الواقع الحزين.
وكيف تقرأ فعل التيار الصدري الأخير حيال ضرب التظاهرات وأنت، كسياسي، كنت قد تحالفتَ معهم سابقاً في تحالف الإصلاح؟
لم أتحالف مطلقاً، في أيّ يوم من الأيام، مع التيار الصدري، ولم أتحالف مع قوى مسلحة، وزعيم التيار صاحب مواقف مختلفة طيلة الأعوام الماضية، وكلامي لمقتدى الصدر: "ما فعلته لم يصب في مصلحتك ولا في مصلحة العراق".

هل ترى أنّ ثمة إمكانية للحوار بين الشارع والقوى السياسية الحاكمة، أم إنّ منطقة الحوار انتهت؟

منطقة الحوار ذهبت إلى غير رجعة، والقائمون على السلطة العراقية يرفضون فهم ما يجري في البلاد عموماً، والبلاد لا توجد فيها تظاهرات أو احتجاجات وقتية، بل انتفاضة جذرية، ترفض الواقع السياسي، وتريد إنتاج واقع جديد يلبي حاجات المجتمع العراقي الذي سُحق سحقاً حتى العظم؛ لذلك أنا ضدّ تبسيط الأمور الجارية في مختلف المحافظات، وقراءتي تؤكد أنّ هناك انعطافة تاريخية، وأنّ المتظاهرين لن يتراجعوا حتى لو أبيد الشعب عن بكرةِ أبيه، بل هناك تقدم وانضمامات جديدة من مختلف القطاعات الاجتماعية للاحتجاج..
من موقعك كسياسي عراقي؛ ماذا فعلت للمتظاهرين؟
خاطبت الجامعة العربية، وشرحت آفاق الراهن العراقي الاحتجاجي والسياسي معاً، وعملت على ترتيب منفذ للمتظاهرين للجامعة نفسها وللبرلمان الأوروبي؛ فأنا أريد خدمة أبناء شعبي، ولا أبحث عن مواقع ومسؤولية حكومية.

يُقال إنّ المعضلة لدى القادة السياسيين العراقيين وليست لدى المتظاهرين؛ حدّثنا عما يدور في الأروقة السياسية؟

خاطبت الجميع، عدا القادة الميليشاويين، ونبهتهم إلى مخاطر عدم وجود تصور واضح لما يحصل في العراق، فإذا كانوا يعتقدون أنّ هذه التظاهرات تعبر في الطريق الخطأ، ونفيت لهم وجود أيّة مؤامرة خلف التظاهرات بل المؤامرة كانت في إخفاق الحكومة المتعاقبة في تأدية ما عليها إلى هذا الشعب الكريم، ورئيس الجمهورية حاول أن يفعل شيئاً، لكنّ الدستور الخائب لا يعطيهِ الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرارات إنقاذية.

في ضوء كلّ هذه المعطيات؛ هل ثمة حلّ سريع الآن؟
يجب أن تنتصر جهة من الجهات؛ إما أن ينتصر الشعب العراقي أو تنتصر الجهات الميليشياوية، والأخيرة لن تنتصر، كما أنّ إيران لن تنتصر على العراق والمنطقة العربية، إلا في حال الاصطفاف الأمريكي ثانيةً معها، كما حصل في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، وهذا إن حصل، لا سامح الله، سيبقى الشعب العراقي يناضل من أجل كرامتهِ واستحقاقاته.

وماذا عن مشكلة الدستور؛ وكيف تُعالَج هذه المشكلة؟ هل تكون بإعادة كتابتهِ أم بتعديله؟
الدستور هو الوثيقة المهمة التي تنظم الحياة، وطريقة السلطة وإدارة البلد، وتنظم الحقوق الأساسية للمواطنة، ويفتقد الدستور العراقي إلى المواطنة، وليس فيه وضوح لكيفية إدارة الدولة، بدليل غياب قانون توزيع الثروات الطبيعية، تفاقم المشاكل بين المركز وإقليم كردستان، ثمة صراع إداري بين العاصمة بغداد وسائر المحافظات الأخرى، كما لا يوجد قانون للنفط والغاز، ومجالس مساندة لمجلس الخدمة الاتحادي، فضلاً عن فقدان الرؤية في صلاحيات الرئاسات الثلاث (الحكومة والرئاسة والبرلمان) وتداخلها.

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق
إنّ إعادة صياغة الدستور باتت ضرورة ملحّة من قبل شخصيات قانونية مختصة، لا من قبل شخصيات سياسية، كما فعلنا نحن عام 2005.
وما آخر ما يود أن يقوله الدكتور إياد علاوي في هذا الحوار القصير؟
ما أريد قوله؛ إنّي سأعيد النظر بعلاقاتي مع جميع الجهات التي لم تقف مع العراقيين وحراكهم السلمي.

للمشاركة:



هذه جهود السعودية والإمارات لمواجهة وباء كورونا في اليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

قالت منظمة الصحة العالمية، إنّها قدمت، بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والمساعدات الإماراتية، 81 سيارة إسعاف و6 عيادات متنقلة، لـ 13 محافظة في المناطق الجنوبية والشرقية من اليمن.

وأكدت المنظمة، وفق ما نقل موقع "العربية"، أنّ هذا الدعم لضمان سهولة نقل المرضى إلى المرافق الصحية والمستشفيات للحصول على الرعاية الطبية اللازمة، وذلك في إطار المساعدات الأممية لمواجهة وباء كورونا.

من جهته، ثمّن وكيل وزارة الصحة اليمنية لقطاع الرعاية الصحية الأولية، الدكتور علي الوليدي، الدعم المقدم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والهلال الأحمر الإماراتي، وصندوق الإغاثة الكويتي لدعم القطاع الصحي في بلاده.

وأوضح الوليدي، وفق ما نقلت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية، أنّ "السيارات والعربات المتنقلة، إضافة إلى ستين جهاز تنفس اصطناعي سيتم توزيعها وفق خطة التوزيع المعدة في وزارة الصحة، عبر البرنامج الوطني للإمداد الدوائي لعموم محافظات الجمهورية لتدخل في الخدمة مباشرة لمواجهة أي احتمالات لفيروس كورونا".

وأفاد الوليدي  أنّه"تم إجراء 28 فحصاً طبياً لعينات في مناطق سيطرة الميليشيات، و17 فحصاً لعينات في المحافظات المحررة، كانت جميعها سلبية النتائج".

يأتي الدعم السعودي الإماراتي لضمان سهولة نقل المرضى إلى المستشفيات للحصول على الرعاية اللازمة في إطار المساعدات الأممية لمواجهة كورونا

ولفت إلى أنّ "فرقاً طبية في الترصد والاستجابة الطارئة تعمل على مدار الساعة، وبإشراف خبراء من منظمة الصحة العالمية، ويبذلون جهوداً كبيرة لتنفيذ الإجراءات الاحترازية المتخذة لمجابهة كورونا".

وذكر وكيل وزارة الصحة اليمنية، أنّه "تم تزويد جميع المنافذ بالكاميرات الحرارية، ولمراكز العزل المختلفة الأسرة الطبية، وأسطوانات الأوكسجين والمحاليل المخبرية اللازمة"، لافتاً إلى أنّ وزارة الصحة "تخطط لإنشاء 37 مركزاً للعزل في مختلف المحافظات".

وكان وزير الصحة اليمني، الدكتور ناصر باعوم، أعلن في وقت سابق، عن تقديم مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مساعدات صحية لبلاده، تشمل أدوية ومستلزمات طبية وقائية وعلاجية بقيمة 3.5 مليون دولار، لمواجهة وباء كورونا المستجد.

ولم تعلن السلطات في اليمن والمنظمات والوكالات الدولية ذات الصلة وجود أي إصابة بفيروس كورونا حتى الآن، لكن خطر تفشي الفيروس مازال قائماً بعد وصوله إلى دول الجوار، رغم إغلاق المنافذ وتعليق الرحلات الجوية.

للمشاركة:

كورونا يهدّد ثلث الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حذّر المدير العام لمؤسسة "KONDA" التركية للدراسات والأبحاث، بكير أغيردير، من أنّ فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يهدّد عدداً كبيراً من المواطنين في تركيا.

أغيردير: التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة كورونا وحملة أردوغان لجمع التبرعات تفتقر للحسّ الجماعي

وأشار بكير أغيردير إلى أنّ الأطباء والعلماء يحذرون من أنّ الخطر الأكبر لفيروس كورونا يكون على كبار السنّ (أكبر من 65 عاماً)، أو المصابين بأمراض مزمنة، مشيراً إلى ثلث الشعب التركي إما من كبار السنّ أو مصاب بأمراض مزمنة.

أغيردير أوضح أنّ التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة فيروس كورونا وحملة التبرعات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية أردوغان تفتقر للحس الجماعي، مؤكداً أنّ مسودة قانون العفو الجديد المقدمة من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية غير كافية؛ لأنّها لا تشمل المعتقلين السياسيين والصحفيين، على حدّ تعبيره.

وأعلن وزير الصحة، فخر الدين كوجا، أمس، أنّ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل تركيا قد وصل إلى 15 ألفاً و679 حالة، وأنّها سجلت 277 حالة وفاة.

قانون العفو الجديد المقدّم من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لا يشمل السياسيين والصحفيين

وفي سياق متعلق بقانون العفو العام انتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حزمة الإصلاح القضائي الجديدة في تركيا، والتي تتضمن تعديلات على قانون العقوبات، ضمن مشروع قانون "العفو العام"، الذي تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية لتمريره من البرلمان خلال جلسات الأسبوع المقبل.

وأكّد وكيل رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، أنّ التعديلات لا تقضي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وبعد انتظار طويل، قدَّم حزب العدالة والتنمية وبدعم من حليفه حزب الحركة القومية، قبل يومين إلى البرلمان اقتراحه الخاص بـ "قانون العفو"، والذي يتضمن تعديلات على مدد العقوبات والإفراج المشروط عن معتقلين.

للمشاركة:

وفاة نحو 3 آلاف إيراني بسبب كورونا.. ومسؤولون يكذّبون تصريحات روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية؛ أنّ عدد ضحايا كورونا بلغ أكثر من 3 آلاف حالة وفاة، مؤكدة أنّ إيران لم تصل بعد إلى "مرحلة احتواء" تفشي الفيروس.

وأعلن كيانوش جهان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة في إيران، أمس، عن الإحصاءات اليومية لتفشي كورونا في البلاد، قائلاً: "توفَّى 138 شخصاً بفيروس "كوفيد-19"، خلال الـ 24 ساعة الماضية، وبلغ العدد الإجمالي للوفيات 3036 شخصاً".

وزارة الصحة الإيرانية تعلن أنّ عدد ضحايا كورونا نحو 3 آلاف حالة وفاة و47593 إصابة

وقال جهان بور أيضاً: "من بعد ظهر أمس وحتى اليوم، وبناءً على معايير تشخيصية نهائية، تم تسجيل 2987 مصاباً جديداً بفيروس "ـكوفيد-19" في عموم إيران، ووصل العدد الإجمالي للمرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بهذا بالمرض إلى 47593 شخصاً".

وبحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة الصحة؛ فإنّ 3871 من المصابين بالفيروس في حالة حرجة، فيما تماثل للشفاء حتى الآن 15473 شخصاً وغادروا المستشفيات.

ووفق وثائق وزارة الصحة الإيرانية، التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، فقد جاءت نتائج أكثر من 104 آلاف اختبار كورونا إيجابية، في حين رفضت بعض المراكز الطبية والمستشفيات إجراء اختبارات كورونا لعدد من المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

هذا وقد بعث 8 مديرين سابقين في القطاع الصحي وأعضاء هيئات علمية في جامعات العلوم الطبية في إيران، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقدوا فيها وجود إحصاءات ومعلومات خاطئة في تصريحاته حول أزمة كورونا، مشيرين في رسالتهم إلى الإحصاءات الرسمية بهذا الخصوص.

ولفت الموقعون في رسالتهم، التي تم نشر نصّها أمس، إلى الوتيرة المتصاعدة للإحصاءات المتعلقة بالإصابات الجديدة بفيروس كورونا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بناء على تقارير اللجنة الوطنية لمواجهة الفيروس، منتقدين تصريحات روحاني حول "تحسن الأوضاع".

مسؤولون سابقون في قطاع الصحة الإيراني: روحاني يقدم معلومات خاطئة عن كورونا

وقارن الموقعون بين إحصاءات الوفيات بفيروس كورونا في إيران والصين، وأكدوا وجود "أفكار واستشارات خاطئة" لدى الحكومة.

وفي جزء من رسالتهم، أعرب هؤلاء الأساتذة والمسؤولون السابقون عن استيائهم إزاء "نصيحة وذمّ" الشعب من قبل النظام.

كما انتقدوا استمرار عمل البنوك والدوائر، وتجاهل الأوضاع المالية لدى العمال، خاصة عمال المياومة، والعمال الموسميين.

وطلب الموقعون من الرئيس الإيراني تقديم إيضاحات حول مبلغ الـ 200 مليون يورو الذي تمّ وضعه لهذا الأمر، ودعوه إلى أن يبين المبلغ المخصص لإنتاج الأدوية، والمبلغ المخصص للاستيراد.

للمشاركة:



كورونا يفتح نافذة على تاريخ الحجر الصحي في وجه الأوبئة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

الحبيب الأسود

يعود تاريخ الحجر الصحي إلى آلاف السنين، فالصينيون مثلا يذكرون أن ظهور أول قانون للحجر الصحي والوقاية من الأوبئة يعود إلى عهد أسرة شانغ التي حكمت مناطق في وادي النهر الأصفر خلال الفترة ما بين عامي 1766 قبل الميلاد و1122 قبل الميلاد، حيث أدرك الناس في ذلك الوقت أن بعض الأمراض كانت تنتقل بالعدوى، وأن عزل المصابين بها هو الحل الأفضل لعدم انتشارها بين الأصحاء.

يعود أول سجل رسمي صيني للمرضى إلى عهد أسرة تشو من سلالة زو، وقد رصد العديد من الأوبئة التي كانت معروفة آنذاك كالطاعون والزحار والإنفلونزا. وفي صيف العام 674 قبل الميلاد، كانت الكارثة الكبرى وهي وباء انتشر بشكل غير مسبوق. ومنذ ذلك الحين، استمرت سجلات المرض في الازدياد، علما وأن أغلب الأوبئة كانت تنتشر إما في فصل الربيع وإما في الصيف.

دور حكومي
كذلك، تذكر الكتب القديمة قصة ران جينغ تلميذ كونفوشيوس (551 قبل الميلاد/ 479 قبل الميلاد) الذي عزل نفسه عندما شعر بالمرض، فذهب المعلم الكبير لزيارته وعندما وصل إلى منزله، خاطبه من النافذة ثم غادر المكان، لأنه كان يعرف أنه في حالة حجر صحي.

أما تشين شي هوانغ الذي كان ملكا لولاية تشين من 246 قبل الميلاد إلى 221 قبل الميلاد وإمبراطورا لأسرة تشين من 221 قبل الميلاد إلى 210 قبل الميلاد، والذي يعود له الفضل في توحيد الدول الصينية الست الكبرى المتصارعة آنذاك، وفي بناء الجانب الأكبر من سور الصين العظيم، فقد أقر قانونا يقضي بإرسال الأشخاص المصابين بالجذام إلى منطقة الحجر الصحي الخاصة، ووضع عزل المصابين بالأمراض المعدية على المسار القانوني.

وينص قانون تشين على أنه ينبغي للحكومة أن تنشئ وكالة خاصة لعزل المصابين بالأمراض المعدية، ليكون بذلك أقدم سجل في التاريخ الصيني في هذا المجال ولتكون له أهمية كبيرة في تاريخ مكافحة الأمراض المعدية في العالم، نظرا لما تضمنه من إجراءات لا تختلف كثيرا عما تقوم به الحكومات الحالية ومن احترام لإنسانية المرضى.

كانت السلطات في ذاك الوقت قد أعطت للطب أهمية كبرى، وللأطباء كذلك استقلالية تامة عن السياسيين مما وفر رؤية مهمة للوقاية من الأوبئة، كالتوجيه بعدم تناول الفاكهة التي تعرضت للعض من الحشرات أو النمل أو سقطت على الأرض وعدم استعمال الأواني التي لمستها الفئران إلا بعد تطهيرها.

كما أولت الصين القديمة أهمية كبيرة للجمع بين الوقاية والسيطرة على الأمراض، حتى أنه يمكن إرجاع الوقاية من الأمراض المعدية بتوجيه من الطب الصيني التقليدي إلى أكثر من 2000 سنة مضت، من خلال العمل على تحسين “برّ الفرد”، أي مناعته بالمفهوم الحالي، وتجنب غزو الشرور الخارجية، أي ما يطلق عليه حاليا “العامل الممرض”.

ومن اللافت أن الصينيين القدامى تنبهوا إلى ما كانوا يسمونه الكلام السام، وهو ما يعني نقل الفايروسات عن طريق النفس أو رذاذ الفم من المريض عندما يتحدث إلى المقربين منه، كما كانوا لا يأكلون ولا يشربون مع المرضى ولا يستعملون أدواتهم وأوانيهم الخاصة.

الوباء واجهته كذلك أسرة هان الغربية وهي فرع من ثاني السلالات الإمبراطورية الصينية، التي حكمت الصين من 202 قبل الميلاد إلى أن تفككت سنة221 بعد الميلاد. واتخذت تلك الأسرة تدابير الحجر الصحي في الوقت المناسب لمنع انتقال العدوى.

كانت أسرتا تشين وهان متأثرتين بالتفكير الفلسفي التقليدي وتطور الطب التقليدي، لذلك أصبحت نظرية الطب الصيني التقليدي ناضجة بشكل متزايد، وبناء على الممارسة المستمرة، تم تشكيل نظام نظري للوقاية والعلاج. كما اعتمدت الأسرتان قانونا للإبلاغ عن شبهات المرض، وتم تكليف المسؤولين المحليين بالتقصي عن الحالات الوبائية، وإبلاغ الجهات الرسمية في أسرع وقت، لتتخذ بدورها إجراء عرض المشتبه به على الأطباء وتحديد ما إذا كان يحتاج إلى الحجر الصحي أم لا.

المنزل بيت الطب

في أبريل من العام الثاني بعد الميلاد ومع انتشار الوباء في مدينة تشينغتشو، قال الإمبراطور هانبينغ إنه “بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من المرض، فإن المنزل الفارغ هو بيت الطب”، لذلك رتبت الحكومة المنزل كمستشفى معزول لعلاج مرضى الطاعون. واكتشف علماء الآثار أن سلالة هان كان لديها مرفق يسمى “ساحة الهجرة” خصصته لعزل مرضى الجذام، يعتبر الأول من نوعه على مستوى العالم.

كما أطلقت أسرة هان ممارسة أسرة تشين، في تحديد سياسات ذات صلة تتطلب من الحكومات المحلية إعداد إشعارات في المناطق الريفية والدعوة إلى طرق بسيطة لتجنب الأوبئة بحيث يمكن للجمهور أن يكون أكثر يقظة للسيطرة على الوباء.

إذا كان الوضع الوبائي يؤثر بشكل كبير على المجتمع والاقتصاد، فإن المحكمة لديها أيضا تدابير داعمة ذات صلة مثل فتح المستودعات وخفض أو إعفاء من الإيجارات والضرائب وضمان حصول سكان المناطق الموبوءة على الغذاء والملابس.

وكان الإمبراطور عادة ما يقلّل من نفقات التحوّط لتمكين المرضى في المناطق المتضررة من المساعدات، وتخصيص ميزانيات لتطوير المناطق المتضررة حتى يتمكن أهلها من العودة إلى الحياة بعد الكارثة.

في زمن السلالات الشمالية والجنوبية، وخلال عهد أسرة تانغ (من 618 إلى 907) أنشأ الأمير تشانغ وآخرون مؤسسة خاصة لعزل المرضى وعلاجهم، وتم استخدام “بيت المريض” الذي أقيم في المعابد البوذية لعزل مرضى الجذام، ويشرف فيها رهبان على عملية العلاج.

كما أنشأت حكومة سلالة سونغ الجنوبية “أنجيفانغ” محال للعزل في أماكن مختلفة، حيث كان المرضى يعيشون في غرف مختلفة حسب شدة الحالة التي يعانون منها “لمنع العدوى التدريجية”، بينما كان على الأطباء تسجيل المرض كأساس لتقييم نهاية العام.

في عهد سلالة سونغ، ما بين عامي 960 و1279، شهدت البلاد طفرة مهمة في كل المجالات وتم إصدار العملة الورقية لأول مرة في العالم، وعرفت البلاد تركيزا على النظافة كوسيلة لمنع الأمراض فتم بناء الحمامات على نطاق واسع وتم استخدام المراحيض وظهر متخصصون في بنائها، اعتمادا على منظومة للصرف الصحي، وتقرر منع السكان المحليين من البصق في أي مكان، فما كان متداولا هو أن “المرض يأتي من الفم”.

سفر اللاويين

تم العثور على ذكر العزلة في سفر “اللاويين”، الكتاب الثالث من التوراة، الذي يتفق معظم الباحثين على أنه كتب بين القرن الخامس والثامن قبل الميلاد قبل أن تسجل به إضافات بشكل مستمر على مدى عدة قرون.

ظهرت فائدة العزلة في الفصل الثالث عشر من الكتاب، في مواجهة الجدري الذي كان يسبب العمى والتشوهات لملايين الضحايا عبر تاريخه الطويل كنتيجة للعدوى بالفايروس، وقد وثق الحاخاميون أن إلههم سيشفي المنكوبين ويحمي غير المصابين.

كما ارتبط العزل الصحي بالعقيدة اليهودية التي أثرت لاحقا في العقائد المسيحية والإسلامية. يقول المفكر الليبي الصادق النيهوم، في كتابه “الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟”، إن “حجاب المرأة مثل ختان الذكر، فكرة محلية جدا لم يعرفها سوى سكان الصحراء في العالم القديم. وهي ليست فريضة دينية بل إجراء وقائي لمكافحة العدوى لجأت إليه شعوب الصحراء بسبب ندرة المياه”.

وقد تحدد هذا الإجراء في ختان الذكور لمنع تلوث الغُرْلَة وعزل المرأة في الحجر الصحي، خلال فترات الطمث والولادة، وهو إجراء طبي سليم، بحسب النيهوم، أدى إلى حصر أمراض تناسلية فتاكة. لكنه لم يصبح فريضة دينية إلا على يد اليهود.

في عام 541، وقع أول تفش مسجل لما أصبح يعرف باسم الطاعون الدبلي. تفشى الطاعون في شبه الجزيرة العربية وغمر سوريا وبلاد فارس وفلسطين. كما انتشر الوباء في الإمبراطورية الساسانية والمدن الساحلية حول البحر الأبيض المتوسط بأكمله، بسبب حركة السفن التجارية التي كانت تأوي الفئران المصابة بالطاعون.

ويعتقد بعض المؤرخين أن طاعون جستنيان كان أحد أكثر الأوبئة فتكا في التاريخ حيث كان يتسبب في وفاة أكثر من 10 آلاف شخص يوميا، وأدى إلى وفاة ما بين 25 و50 مليون شخص خلال قرنين، وهو ما يعادل ما بين 13 و26 في المئة من سكان العالم في وقت تفشي المرض لأول مرة.

عنصرية جستنيان

حمل طاعون العام 541 اسم الإمبراطور الروماني في القسطنطينية آنذاك جستنيان الأول والذي أصيب بدوره بالمرض ونجا منه، وبادر بإقرار إجراءات سريعة للتخلص من الجثث التي كانت تغطي ساحات عاصمته كتخصيص ميزانية من المال العام لحفر قبور الموتى، والتعاقد مع قوارب لإلقاء الجثث في البحر، قبل أن يسن قانونا يستهدف اليهود والسامريين والوثنيين والزنادقة والمثليين وغيرهم بما أدى إلى فرض حجر صحي بملامح عنصرية، حيث كان الإمبراطور يعتقد أن تلك الأقليات هي التي تقف وراء تفشي الطاعون بين الأغلبية المسيحية، وهو ما ألحق به تهمة العنصرية والعجز عن تفسير ظاهرة المرض وربطها بالعقائد الدينية الغيبية دون التوصل إلى تحديد أسبابها الحقيقية من وجهة نظر علمية.

تكرر ظهور الطاعون بشكل دوري حتى القرن الثامن ميلادي، وكان لموجات المرض تأثير كبير على المسار اللاحق للتاريخ الأوروبي، ولعل أبرز تلك الموجات ظاهرة الموت الأسود أو الطاعون الأسود أو الموت العظيم الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة.

كان العام 1300 قد شهد انطلاق عدد من الدول الأوروبية والآسيوية في فرض الحجر الصحي للمناطق المصابة من خلال تطويقها بالحراس المسلحين، وتتم إعادة أولئك الذين يلقى عليهم القبض وهم يفرون من المناطق المنكوبة في حالات عدة، يتم إعدامهم كتحذير للآخرين. وفي العام 1348 ومع انتشار الطاعون الأسود، أسست البندقية أول نظام مؤسسي للحجر الصحي في العالم، يمنح مجلسا مكونا من ثلاثة أفراد سلطة احتجاز السفن والشحنات والأفراد في بحيرة البندقية لمدة تصل إلى 40 يوما. وفي العام 1374 أصدر دوق ميلانو مرسوما يقضي بنقل جميع أولئك الذين يعانون من الطاعون خارج المدينة إلى حقل أو غابة حتى يتعافوا أو يموتوا.

وعندما تأسست الولايات المتحدة، لم يتم فعل الكثير لمنع استيراد الأمراض المعدية، لكن بعض البلديات سنّت مجموعة متنوعة من لوائح الحجر الصحي للسفن الوافدة. وفي العام 1878، دفع التفشي المستمر للحمى الصفراء الكونغرس إلى تمرير تشريع الحجر الصحي الفيدرالي، الذي ورغم أنه لا يتعارض مع حقوق الولايات إلا أنه مهد الطريق أمام التدخل الفيدرالي في أنشطة الحجر الصحي. وفي العام 1892، دفع تفشي الكوليرا من سفن الركاب القادمة من أوروبا إلى إعادة تفسير القانون بما يعطي الحكومة الفيدرالية المزيد من السلطة في فرض متطلبات الحجر الصحي.

وفي العام الموالي، أصدر الكونغرس تشريعا يوضح الدور الفيدرالي في أنشطة الحجر الصحي. عندما أدركت السلطات المحلية فوائد التدخل الفيدرالي، تم تسليم محطات الحجر الصحي المحلية تدريجيا إلى حكومة الولايات المتحدة كما تم بناء مرافق اتحادية إضافية وزيادة عدد الموظفين لتوفير تغطية أفضل.

في العام 1921، تقرر تأميم نظام الحجر الصحي بالكامل عندما تم نقل إدارة آخر محطة للحجر الصحي إلى حكومة الولايات المتحدة، وهو نظام يضع الحريات المدنية للفرد رهينة للحماية العامة في حال يشكل ذاك الفرد خطرا على الصحة. وتجسد الأمر في قصة ماري مالون الشهيرة باسم ماري تيفوئيد (1869-1938) والتي دخلت التاريخ كأول امرأة عُرف أنها ناقل عديم الأعراض للتيفوئيد، حيث كانت ماري قد شفيت من المرض لكنها بصفتها ناقلة للمرض استمرت في نشر جرثومة التيفوئيد إلى الآخرين، ونقلت خلال عملها كطاهية في المنازل، العدوى لنحو 53 شخصا على الأقل في الفترة بين عامي 1900 و1915، مات منهم ثلاثة، ليصدر في حقها قرار بوضعها في الحجر الصحي لمدة 26 عاما أي حتى وفاتها في 11 نوفمبر 1938 بالالتهاب الرئوي وليس التيفوئيد الذي ارتبط اسمه بها لعقود طويلة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الإمارات.. جهود لافتة في نزع الألغام حول العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

أسهمت دولة الإمارات بشكل كبير في تعزيز الجهود الدولية لنزع الألغام في العديد من مناطق الصراع حول العالم خلال السنوات الماضية، حيث تبرز جهودها في هذا الصدد بشكل لافت في كل من اليمن، ولبنان، وأفغانستان، وكوسوفو، والكويت.

وتزامناً مع إحياء العالم لليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام الذي أقرته الأمم المتحدة في 4 أبريل من كل عام تبرز الجهود الإماراتية لنزع الألغام في عدد من الدول ومساعدة سكانها على استئناف حياتهم الطبيعية بعيداً عن المخاطر التي تهدد حياتهم.

ففي اليمن ومنذ الأيام الأولى لعملية «إعادة الأمل» لعبت القوات المسلحة الإماراتية دوراً بارزاً في تطهير المناطق المحررة من الألغام والعبوات الناسفة الأمر الذي انعكس على سرعة إدخال المساعدات الإنسانية لتلك المناطق وإعادة دورة الحياة الطبيعية لها.

ونزعت الفرق الهندسية الإماراتية عشرات الآلاف من الألغام وتفكيكها وإبطال مفعولها قبل عمليات إتلافها، وحرصت الإمارات على نقل خبراتها في مجال نزع الألغام إلى الكوادر اليمنية المحلية، ونظمت دورات لتدريب متطوعين يمنيين للعمل ضمن فرق تطهير الألغام، فيما نفذت حملات توعية لأهالي المناطق والقرى المحررة حول مخاطر الألغام والعبوات الناسفة.

إشادة

ولاقت الجهود الإماراتية في حماية المدنيين اليمنيين من مخاطر الألغام إشادة كبيرة من الأمم المتحدة التي عبرت في عام 2018 على لسان مدير مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن أندريا ريكيا، عن خالص تقديرها للدور الإماراتي في تأمين حياة المواطنين ونزع هذه العبوات القاتلة من المناطق السكنية.

وفي لبنان، نفذت الإمارات «مشروع إزالة الألغام والقنابل العنقودية من الجنوب» الذي امتد من عام 2006 ولغاية عام 2009 وبتكلفة 50 مليون دولار حيث شمل المشروع تنظيف مساحة تزيد على 3 ملايين متر مربع، وتم تفجير أكثر من 26 ألف لغم مضاد للأفراد.

فيما بلغ عدد الحقول التي تم تسليمها للأهالي 176 حقلاً. وأسهم المشروع في إعادة الحياة الطبيعية لجميع المناطق التي شملها وفي تحسين الأوضاع المعيشية للسكان الذين عادوا بعد انقطاع طويل للعمل في حقولهم وجني محاصيلها بعد أن تم تطهيرها بالكامل من مختلف أنواع الألغام والعبوات المتفجرة التي طالما حصدت أرواح الأبرياء وتسببت لهم بإصابات بالغة.

وفي عام 1991 أدت القوات الإماراتية بعد مشاركتها في حرب تحرير الكويت دوراً بارزاً في جهود إزالة الألغام التي خلفتها الحرب، وشكلت مصدر تهديد حقيقياً لحياة المدنيين. وتعد أفغانستان واحدة من أكثر دول العالم تأثراً ومعاناة من الألغام الأرضية ومخلفات الحروب من المتفجرات.

وقد أدت هذه الألغام إلى عرقلة وصول السكان المحليين للخدمات الأساسية والمدارس والمرافق العامة، ولذلك عملت دولة الإمارات على تنفيذ مشروع إزالة الألغام في قندهار بتكلفة 27.8 مليون دولار أمريكي تقريباً.

وساهم المشروع الذي بدأ في سبتمبر 2011 واستمر حتى أكتوبر 2013 في تطهير أكثر من 72 حقل ألغام ما أتاح للسكان التنقل بأمان وإعادة استخدام الأراضي في الأنشطة الزراعية.

عن " (وام) وكالة الأنباء الإماراتية"

للمشاركة:

أطباء الإمارات في أوروبا.. سفراء الإنسانية يكافحون الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

مصطفى خليفة

يسطّر أطباء الإمارات الموجودون حالياً بمعظم الدول الأوروبية ضمن الصف الأول في مواجهة فيروس كورنا المستجد «كوفيد ـ 19» صفحات خالدة من العطاء الإنساني والتفاني في العمل، مسجلين أسمى معاني الوفاء والعطاء الإنساني والمسؤولية الطبية، رغم الظروف الصعبة والانتشار الواسع للفيروس في تلك الدول وتجاوز الإصابات بالمرض المليون إصابة وأكثر من 52 ألف وفاة حتى الآن في العالم.

أطباء الإمارات في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها مثل الدكتور خليفة محمد المقبالي، والدكتورة عايشة المنذري والدكتور محمد الفلاسي.

والدكتور محمد الكتبي والدكتور بدر النعيمي وغيرهم الكثير، آثروا البقاء في المستشفيات التي يعملون أو يدرسون أو يتدربون فيها لتقديم المساعدة لزملائهم ضمن الصف الأول في المواجهة ضد «كوفيد ـ 19» وتقديم الرعاية الصحية لآلاف المرضى المصابين غير عابئين بالمخاطر المحيطة بهم، لأن المهم هو إنقاذ الأرواح.

عطاء

وقال الدكتور خليفة محمد المقبالي أخصائي الطب النفسي في مستشفى ريجنسبورج الجامعي في ألمانيا: «إن شعب الإمارات أهل فزعة ومجبول على حب الخير والعطاء فبينما كنت استمتع بإجازتي استعداداً للاختبارات التخصصية، علمت أنها ألغيت بسبب انتشار فيروس «كوفيد ـ 19» وفي اليوم نفسه اتصل بي رئيس المستشفى وطلب مني القدوم إلى المستشفى لمساعدة الأطباء في التصدي لفيروس كورونا فلم أتردد والتحقت بالكادر الطبي في المستشفى على الفور.

وبعد أن طلبت منا السفارة العودة إلى أرض الوطن أخبرتهم بأنني التزمت أخلاقياً بأن أساعد زملائي في ألمانيا ولا ينبغي أن أتخلى عنهم في هذه المحنة، خاصة أننا تعلمنا في الإمارات حب العطاء ومد يد العون وقت الشدة، مؤكداً أن ما يقوم به في ألمانيا ليس تطوعاً بل هو التزام أخلاقي وإنساني تعلمناه من قيادتنا الرشيدة.

وعن مشاركته في التصدي لوباء كورونا في ألمانيا، قال الدكتور المقبالي في مداخلة مع تلفزيون دبي: «إن المستشفيات الألمانية لديها خطط طوارئ للأوبئة والجائحات، حيث يتم تقسيم فرق العمل إلى فريقين، فريق يقوم بعلاج المرضى والتصدي للوباء والآخر الذي انضممت إليه يتولى الأعمال الأساسية في المستشفى.

مشيراً إلى أن الأوضاع حتى الآن مستقرة في المستشفيات ولدينا أسرة كثيرة شاغرة، ولكن القطاع الصحي دائماً يستعد لأي طارئ في أي لحظة، كما شاهدنا ذلك في إيطاليا».

وأضاف أن مجرد شعوره بأنه يمثل دولة الإمارات في كل قول وفعل وكما تؤكد القيادة الرشيدة بأن الإماراتي في الخارج يعد سفيراً لبلده، فإن هذا الشعور يدفعنا دائماً بأن نكون صورة مشرفة للوطن وأن تكون سمعة الإمارات أمانة في العنق، وهذا ما نجده فأنا هنا اسمي خليفة المقبالي ولكنهم يطلقون عليّ خليفة الإماراتي .

وهذا ما يحملنا المسؤولية بأن نكون صادقين مع أنفسنا قولاً وعملاً، مشيراً إلى أنه قضى في ألمانيا 6 سنوات وتركت انطباعاً جيداً لدى كل الزملاء والمرضى الألمان، ولست وحيداً هنا بل معي قبل عامين من الزملاء الإماراتيين الدكتور عبد الله الهلالي والدكتور عيسى المهيري.

طوارئ

الدكتورة عايشة المنذري، أخصائية النساء والتوليد في مستشفى بيشا كلود برنارد الجامعي في باريس، وهو أول مستشفى في فرنسا قام بإدخال مرضى «كوفيد ـ 19»، وتقديم الرعاية الطبية لهم باعتباره مستشفى مرجعياً، أفادت بأنه بعد تفشي الوباء تم توزيع المرضى على جميع المستشفيات في باريس.

وقالت: إن أغلبية الأقسام في المستشفيات تم إغلاقها للتفرغ للمصابين بفيروس كورونا باستثناء الأقسام الحيوية مثل قسم النساء والتوليد الذي أعمل فيه، ونعاني نقص الكوادر الطبية هنا وزيادة الطلب عليه في هذا الظرف الطارئ، فكنت أناوب 14 مناوبة وأعمل يومياً لمدة 12 ساعة متواصلة.

وأضافت: لدينا في القسم نوعان من المرضى نوع مصاب بـ«كوفيد ـ 19» ونوع آخر غير مصاب، كما لدينا قسم خاص بالعناية المركزة يعني بالحالات الحرجة، وقسم آخر يعني بالحالات المتوسطة ونقوم بالإشراف اليومي عليهم وتقديم الرعاية الصحية لهم، أما حالات الحمل العادية التي لا تحتاج إلى رعاية طبية نقوم بالتواصل معهم عبر تطبيق إلكتروني للوقوف على حالتهم الصحية مشيرة إلى أنها يمكن أن تجري 4 عمليات ولادة يومياً بما فيها حالات مصابة بالفيروس.

ولفتت إلى أن أطباء الإمارات في فرنسا وحرصهم على تقديم العون والمساعدة ورد الجميل للبلد الذي تولى تعليمهم وتدريبهم وأخلصوا في عملهم، تركوا انطباعاً جميلاً عن شعب الإمارات لدى الأطباء والشعب الفرنسي.

وقالت الدكتورة عايشة المنذري: إن في مثل هذه الأزمات الصحية تبرز القصص الإنسانية التي نشاهدها في المستشفى بصورة يومية فإذا كانت الأم مصابة بالفيروس نقوم بإبعاد الطفل عن أمه ونقوم بالاهتمام به بديلاً عن أمه وهو أمر في غاية الصعوبة، وكذلك إصابة زملائنا في كل يوم من الأمور التي تؤثر فينا بشدة ولكن نحن عقدنا العزم على أن نستمر في مواجهة هذا المرض وأن نكون على قدر المسؤولية في رعاية المصابين.

عن "البيان"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية