فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

مشاهدة

30/01/2020

أجرت الحوار: منى يسري


قالت الباحثة المصرية في التاريخ والدراسات النسوية الإسلامية، الدكتورة فاطمة حافظ، إنّ المحدد الأساسي للنسوية الإسلامية هو بذل جهد فكري أكاديمي لإنتاج معرفة في هذا المجال تنطلق من العمل على أدوات تحليل الخطاب الموجّه للنساء وتأويلاته، مضيفة في حوارها مع "حفريات" أنّه "لا ينبغي أن نرفض بالمطلق الفكر النسوي الغربي بإنتاجه المعرفي الغزير، بل يجب أن ننطلق منه، ونعمل على قضايا النوع الاجتماعي، مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية".

ينبغي أن ننطلق من الفكر النسوي الغربي مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية

وأوضحت الناشطة الحاصلة على الدكتوراه في الآداب، أنّ قسوة التقاليد والسيطرة الذكورية على الخطاب الفقهي من أهم العوائق في سبيل تأسيس حراك نسوي عربي، مشيرةً إلى أنّ "ما يقدمه السلفيون من نسوية جرم في حق الإسلام؛ لأنّهم يسعون إلى الخلط بين الإسلام كثوابت وتعاليم روحية، وبين التجربة التاريخية الاجتماعية للإسلام، وأخذهما معاً في بوتقة واحدة".
وأكدت حافظ أنّ ما اصطُلح على تسميته بالنسوية الإسلامية، "لم يبدأ كما يروّج مع صعود جماعة الإخوان المسلمين، لكنّ له جذوراً أقدم منها يمكن إعادتها إلى عائشة تيمور التي بدا أنّ دعوتها لتحرير المرأة كانت من منظور إسلامي"، مؤكدةً أنّ مراجعات الجماعة المتأخرة في هذا المجال كان هدفها الأول "السعي لمكاسب سياسية سلطوية لا أكثر".
وهنا نص الحوار:
أطروحات النسوية الإسلامية المعاصرة

أنضج تجليات النسوية الإسلامية العربية كان مع بزوغ الألفية الجديدة
حول أي قيمة تدور أطروحات النسوية الإسلامية المعاصرة؟

المحدد الأساسي للنسوية الإسلامية هي بذل جهد فكري أكاديمي لإنتاج معرفة نسوية إسلامية، ذات شقين؛ الأول نسوي والثاني إسلامي، أما النسوي فهو الانطلاق من منظور النوع والعمل على أدوات تحليل الخطاب الموجه للنساء وتأويلاته، وبما أنّ كلمة "إسلامية" هي المحور المحرك للنظرية، فالانطلاق فيها إسلامي والمرجعية هي التراث الإسلامي.

جماعة الإخوان شاخت ولم تعد لهم جماهيرية بين شرائح الفتيات والشباب في الجامعات كما في السبعينيات حتى التسعينيات

وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ النص مطلق ومقدس، ألا أنّه لا ينبغي أن نرفض بالمطلق الفكر النسوي الغربي بإنتاجه المعرفي الغزير، بل يجب أن ننطلق منه، ونعمل على قضايا النوع الاجتماعي، مع الالتزام بالمرجعية الإسلامية وضوابطها الشرعية، والعمل على التوفيق بين الإطارين، لإنتاج معرفة نسوية من منظور إسلامي، مع العمل على مراجعة ما كتب الفقهاء القدامى وتمحيصه، وهو قابل للأخذ والرّد.
كما لدينا في التراث نساء من المسلمات الأوائل اللاتي تبنّين العلم الديني من الحديث، ولدينا أيضاً فقيهات لكنهن قلّة، وهنا ينبغي أن تطرح النسويات الإسلاميات تساؤلاً مهماً: لماذا أُحيي وتعاظم تراث ابن تيمية، بينما أهيل التراب على تراث فاطمة السمرقندية وغيرها من الفقيهات؟ أين ذهبت جهود هؤلاء النساء؟

لكن ما تقدمه الأخوات المسلمات كأبرز تجليات للنسوية الإسلامية، لا يضع تساؤلات من هذا النوع، فلماذا؟
هذا حقيقي، لكن من منظوري فإنّه إن لم تصطدم النسوية الإسلامية بتلك التساؤلات، وإبراز ما طمسه التاريخ، ولا تقدم على إنتاج معرفي، فهذا هو الفيصل بينها وبين غيرها من النسويات.
وإنّ ما اصطلح على تسميته بالنسوية الإسلامية، لم يبدأ كما يروج مع صعود جماعة الإخوان المسلمين، لكنّ له جذوراً أقدم منها يمكن إعادتها إلى "عائشة تيمور"، التي بدا أنّ دعوتها لتحرير المرأة كانت من منظور إسلامي.

لماذا أُحيي وتعاظم تراث ابن تيمية بينما تم تجاهل تراث فاطمة السمرقندية وغيرها من الفقيهات؟

ودعيني أقول إنّ النسوية الإسلامية اليوم ليست تياراً واحداً، بل مدارس وتيارات متباينة في الكثير من الأحيان، ويمكن إعادة ما تأطر منها إلى فترة التسعينيات، من خلال مجموعة من الباحثات سافرن إلى الولايات المتحدة، وعلى أيديهنّ تأسست فكرة النسوية الإسلامية من بينهن كانت زينة أنور من حركة مساواة، وفاطمة المرنيسي في الثمانينيات، وآمنة ودود التي عاشت في القاهرة ثم سافرت إلى الولايات المتحدة، وأمثلة كثيرة درست الفكر النسوي من منابعه الأصيلة، واحتكت بالتجربة الأمريكية وجماعات النسوية المسيحية واليهودية، واطلعن على تجارب إعادة قراءة النص الديني من منظور نسوي، وهذا أفادهنّ بشكل كبير، ومن هنا كانت البداية الحقيقية للنسوية الإسلامية كنظرية، حيث بدأن في عملية تأويل النص الديني قبل انطلاقها من مصر والمغرب.

زخم العولمة

لا يوجد ما يحرم أو يمنع المرأة من التبحر في العلم الشرعي لتصبح فقيهة أو محدّثة
بنفس التوقيت الذي تتحدثين عنه، بدأت النسويات في إيران في الصراخ من سطوة الدولة الدينية، هل ثمة ترابط؟

بالطبع هناك ترابط، بنفس التوقيت وتحديداً مطلع الثمانينيات، ظهرت أصوات إيرانية مثل شهلا شركت، وزنان أمروز وغيرهن، بدأن في عملية تأويل النص الديني من منظورهن كنساء، والبحث عن أصول القمع الواقع عليهن، واللاتي بدأن في الإجابة عن سؤال: هل قمع النساء الذي يتم بعد الثورة الإسلامية باسم الدين له قاعده شرعية؟، وبدأت قضاياهن الاجتماعية تطفو على السطح، مثل حضانة الأم لأطفالها في حال الطلاق أو وفاة الزوج، فبدأن في مراجعة التراث الإسلامي، ووجدن آراء تكفل للنساء حقوقهنّ المسلوبة.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
لكنّ النظام السياسي يفضل غض الطرف عنها، فالحاجة الواقعية هي التي دفعت هؤلاء النسوة للبحث عن مخرج لن يجدنه في ظل ثورة إسلامية إلّا بين طيات كتب الفقه التراث، وأشهر الوقائع على ذلك هي تجربة طلاق "زيبا مير حسيني"، التي دفعتها  إلى  مراجعة قوانين الزواج والطلاق وأحكام الأسرة الإسلامية، والتي كانت محوراً أساسياً في كتابها "القوامة في التراث الإسلامي: قراءات بديلة"، وهذا هو الفيصل بين الإيرانيات المدفوعات بالتجارب الشخصية المريرة والواقع القمعي، وبين غيرهنّ من النسويات العربيات المتلقيات للنظرية من منابعها، كجزء معرفي نظري لم ينفذ بعد.

إذن، يمكن القول إنّ مدرسة النسوية الإيرانية تيار منفصل بحد ذاته؟
نعم هو كذلك، فإيران تيار، يوازيها تيار النسوية الغربية، بالتقارب مع تيار النسوية العربية الإسلامية الذي تأطر في التسعينيات كما أشرنا،  لكن أيضاً تيار النسوية العربية كان مدفوعاً بقسوة التقاليد، فبالنسبة إلينا في مصر والعالم العربي، يظل لدى النسويات الإسلاميات تساؤل لم يجد الإجابة بعد، وهو: لماذا يظل الأزهر ورجاله فقط المسيطرين على ساحة العلم الديني؟ مع العلم أنّه لا يوجد من الكتاب والسنة، وحتى الإرث الفقهي، ما يحرم أو يمنع المرأة من التبحر في العلم الشرعي لتصبح فقيهة أو محدثة، لكن نجد أنّ الحرج قائم في نفوس السلطة الدينية التي يسيطر عليها الرجال.

النسوية الإسلامية اليوم ليست تياراً واحداً بل مدارس واتجاهات متباينة أحياناً

هنا أشير إلى أنّ أنضج تجليات النسوية الإسلامية العربية كان مع بزوغ الألفية الجديدة، وتحديداً مع تأسيس الدكتورة منى أبوالفضل دورية "المرأة والحضارة"، التي بدأت في أواخر 1999، وأفردت أول أعدادها لنقاش النوع الاجتماعي في القرآن الكريم، وكان ذلك طفرة نوعية في هذا التوقيت تحديداً، واستُهل عدد بداية الألفية بإيضاح أنّ هناك تحيزات تفسيرية لدى المفسرين، وأنّه انطلاقاً من دورنا كنساء أكاديميات وعالمات، لا يمكن أن تفرض علينا هذه التفسيرات مع بداية الألفية الثالثة، وانطلقن من مفهوم "القراءة البريئة للنص من منظور امرأة"، بعد إسقاط كافة التفسيرات السابقة.
في ذات التوقيت انطلقت كل من الدكتورة أميمة أبوبكر، والدكتورة هدى الصدا بالكتابة عن المرأة في التاريخ الإسلامي كفاعل لا كمفعول به، من خلال مؤسسة المرأة والذاكرة، والجديد في تلك الانطلاقة أن تبدأ تساؤلات حداثية لدى نساء أكاديميات على قدر جيد من التعليم والثقافة، منطلقات من الفهم الديني لا رافضات له.
مراجعات الإخوان


في نفس هذا التوقيت هناك مراجعات قدّمتها جماعة الإخوان المسلمين، في شأن دخول النساء معترك السياسة، هل كان اقتباساً براغماتياً منهم أم ماذا؟

نعم قدّم الإخوان من خلال رصدهم لهذا الحراك تساؤلات حول المرأة كعضو فاعل في الجماعة، واستمرت خمسة أعوام، توّجت بدخول جيهان الحلفاوي إلى مجلس النواب المصري العام 2005،  لكن الفارق هنا، أنّ الإخوان يبحثون عن ثغرات تمهد لهم الطريق إلى السلطة، وبعدما استمروا لعقود في رفض المشاركة السياسية للنساء، دفعتهم مصالحهم إلى التنازل عن جمودهم التنظيمي.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
لكن بالنسبة للحركة النسوية الإسلامية فالهدف هو تقديم محتوى معرفي لخدمة قضايا المرأة، وليس لخدمة تنظيم بعينه، وكان طرح الحركات النسوية في ذلك الوقت حول دور المرأة المسلمة في المجتمع وعلاقتها بالنص المقدس والتشريع في ألفية جديدة.

إذن، هل ثمة تطبيق لهذا المحتوى المعرفي على أرض الواقع؟
النسوية الإسلامية امتلكت رصيداً معرفياً غزيراً في الأعوام الأخيرة، تكاملت معها في التطبيق على أرض الواقع الحركات الإيرانية التي أحدثت تغيرات تشريعية لصالح المرأة في قوانين الحضانة والطلاق وغيرها، إلا أنّ العلاقة بين الشقين المعرفي النظري والتطبيقي الحركي في مصر ليست واضحة، لكن بالنظر إلى المغرب يتضح الترابط بين الشقين في 2010، حينما دار نقاش مجتمعي حول إنشاء مدونة جديدة لقوانين الأسرة باسم "مدونة الأسرة المغربية"، انطلاقاً من المذهب المالكي، قدمت اقتراحات غاية في التقدمية، كان منها حق المرأة في ثروة الرجل عند الطلاق، استناداً من مساهمتها في هذه الثروة كونها شريكة الحياة الزوجية، وإعطاء المرأة الحق في تطليق نفسها.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
وهنا يجب الإشارة إلى رحابة الفقه الإسلامي باختلاف مدارسه، فالباحث المدقق، سيجد بين آراء الأئمة ما يوافق مصلحته ويتطابق مع الشرع، لكن التطرف الذي يسود مجتمعاتنا اليوم، ينقّح الفقه ويختار أشد المذاهب وينشرها بين الناس، لكن ما قدّمته المدونة من إعادة تفكير في الحقوق الاجتماعية للنساء كان أبرز تجليات الحركة النسوية العربية على الأرض.
نحو حراك تطبيقي


بعد حراك 2011 في الربيع العربي، ألم تجد النسويات الإسلاميات، في مصر وغيرها من البلدان العربية، منفذاً لتطبيق برامج اجتماعية، كخطوة أولى على طريق المساواة، على غرار المغرب؟

بالطبع جرت محاولات، ففي 2012، تواصلنا مع رموز الحركات النسوية الأخرى وفي مقدمتهن النسوية البارزة، المحامية عزة سليمان، وهالة عبدالقادر، ومن خلال عدة لقاءات اقترحنا أن تقدم النسويات الإسلاميات المحتوى المعرفي، وتطبقه المؤسسات التي تتحرك على الأرض، ولكن أجهضت تلك المحاولات تماماً، وذلك بسبب التضييقات القانونية التي جرت على مؤسسات المجتمع المدني المعنية بقضايا النساء.

الإخوان يبحثون عن ثغرات تمهد لهم الطريق إلى السلطة بعدما رفضوا لعقود المشاركة السياسية للنساء

إثر ذلك انقطع جسر التواصل بيننا، والذي أطرناه من خلال آلية تقديم هذه المؤسسات لمشكلات اجتماعية قائمة، نقوم نحن بالعمل عليها وتقديم حلول قابلة للتنفيذ يقومون عليها، هذا الشق بدأ بالفعل في المغرب من خلال ورشة بعنوان: "مفهوم الولاية والقوامة: نحو إعادة قراءة".
إنّ هذا الربط بين الشقين يحتاج لإرادة للتطبيق، لكن ما يتم حالياً هو تصدير نسوية إسلامية إصلاحية، طرحها رشيد رضا وتبنتها جماعة الإخوان، أو ما يقدمه السلفيون من نسوية أراها جرماً في حق الإسلام، لأنّهم يسعون إلى الخلط بين الإسلام كثوابت وتعاليم روحية، وبين التجربة التاريخية الاجتماعية للإسلام، وأخذهما معاً في بوتقة واحدة، وهذا محض تلفيق لا علاقة له بالإسلام كمنظومة إنسانية روحية في المقام الأول.

ختاماً، أود سؤالك حول تصدير النسوية الإسلامية كتجلٍّ لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وما الذي ترتّب عليه؟
للأسف كان للمراجعات التي تبنتها الجماعة في عهد محمد حسني مبارك دور في ذلك، وهي مراجعات هدفها الأول السعي لمكاسب سياسية سلطوية لا أكثر كما ذكرت، فلا قدّم الإخوان محتوى معرفياً نسوياً ينصف النساء، ولا تبنت برامجهم السياسية بنوداً تقلل العبء من على كاهل المرأة.

النسوية الإسلامية امتلكت رصيداً معرفياً غزيراً مؤخراً تكاملت معها في التطبيق الحركات المناظرة الإيرانية

وهنا أتفق مع الباحث الراحل "حسام تمّام"، في وصفه لكوادر الجماعة إذ تبنت قواعد ريفية، تغازل طبقات معينة، فلا يهمهم أن يعبر طرحهم عن الإسلام أم لا، فهو إمّا يرسل رسائل للمعسكر الغربي، أو يحاور طبقات رجعية، ومع انخفاض تواجد كوادر من الطبقة الوسطى تعاظمت مشكلة أطروحاتهم التي تصطدم بحقوق النساء مباشرة.
الحقيقة أنّ جماعة الإخوان شاخت، ولم تعد لهم جماهيرية بين شرائح الفتيات والشباب في الجامعات كما في السبعينيات وحتى التسعينيات، لكنهم إلى اليوم يتغذون على ما وضعه رشيد رضا وتلميذه حسن البنا، من قرن من الزمان، ليس فيه من النسوية الإسلامية بمفهومها الأكاديمي شيء، لكن طرحهم المعاصر اعتاد على شيطنة الآخر، وهو ما يحتاج إلى مراجعات كثيرة منهم ومن قبل الطبقات المؤيدة لفكرهم.

الصفحة الرئيسية