السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
2306
عدد القراءات

2020-01-02

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود، قبل الترخيص الرسمي الذي سمح بإعادة افتتاح دور للعرض السينمائي في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وعلى إثر هذا الترخيص افتُتحت أول سينما بالعاصمة الرياض في نيسان (أبريل) 2018، ثم أول سينما في جدة في كانون الثاني (يناير) 2019.

اقرأ أيضاً: معرض الرياض للكتاب يحتفي بالمستقبل ويكرم رواد السينما السعودية
لكن ما لا يعرفه كثيرون أنّ السينما السعودية كصناعة بدأت مبكرة، وإن بشكل خجول، فأول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950، لكن البداية الحقيقية للإنتاج كانت في فيلم "تأنيب الضمير" في العام 1966، ومنذ 1975 وحتى اليوم بلغ عدد الأفلام السعودية حوالي 260 فيلماً، معظمها تسجيلية أو قصيرة، لكن قضايا المرأة السعودية لم تكن بارزة إلى أن جاءت المخرجة السعودية هيفاء المنصور وجعلتها قضيتها المركزية لتتبعها تجارب أخرى تحمل هذا الهم.

سينما هيفاء المنصور

بدأت هيفاء المنصور مسيرتها السينمائية بفيلم تسجيلي بعنوان "نساء بلا ظل"، إنتاج 2005 وعرض في العام 2007، ويرصد واقع المرأة السعودية في ظل الحجاب وعلاقتها بالرجل ومكانتها في المجتمع السعودي، قديماً وحديثاً، ويطرح أسئلة حول عمل المرأة والزواج والاختلاط والحب، والتحول الذي طرأ على المرأة والتيارات الاجتماعية المختلفة.

في ظروف استثنائية طال أمدها ظلت شاشات السينما مغيّبة عن المملكة العربية السعودية قرابة أربعة عقود

ويخلص الفيلم إلى تراجع مكانة المرأة السعودية بعد تسعينيات القرن العشرين مقارنة بمكانتها في الستينيات والسبعينيات؛ فمثلاً لم تكن النساء الكبيرات في السن مضطرات للبس العباءة، لكن هذه المكتسبات بدأت بالتراجع مع نهاية السبعينيات، ومع مطلع الألفية الثالثة أصبحت الأغلبية مع إبقاء الفتاة حبيسة المنزل، والعنوان يحيل بلغته الشعرية إلى أنّ بقاء النساء في البيوت وحرمانهن من الشمس يجعلهنّ بلا ظل، كما قد يحيل "الظل" إلى الرجل في العبارة الشهيرة "ظل راجل ولا ظل حيطة".

وجهان لحواء

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها، وهي تدرك أنّ الدراما أكثر تأثيراً من الفيلم التسجيلي، ولا يوجد ما هو أكثر تأثيراً من قصة يتعاطف معها الناس وهذا ما تحقق في أول أفلامها الروائية "وجدة" العام 2012، الذي يتناول التمييز الذكوري ضد المرأة كموضوع محوري إضافة إلى تناوله مواضيع هامشية كزواج القاصرات، ويتخذ الفيلم من الطفلة وجدة (وعد محمد) وأمها (ريم عبدالله) وجهين لحواء: وجه الأم التي تُسيرها العادات والتقاليد ووجه الطفلة العنيدة والمتمردة والمعتمدة على نفسها، ومن خلال هذا الوجه يتم تمرير صورة جديدة للمرأة السعودية والعربية.

يوجه فيلم وجدة لهيفاء المنصور نقداً للنظام الاجتماعي والتعليمي القائم على القمع والتشدد الديني

تحلم وجدة بشراء دراجة معروضة في أحد متاجر الألعاب، لكي تتسابق مع ابن جيرانها، لكنها لا تملك المال الكافي لذلك، وهذه عقبة أولى ستتغلب عليها بتوفير مبلغ من المال وبالمشاركة في مسابقة مدرسية لحفظ القرآن الكريم من أجل الفوز بجائزة مالية، أما العقبة الأكبر فهي حظر ركوب الدراجات على الفتيات لأسباب تتعلق بحمايتهن في الظاهر، لكن وجدة لا تعطي لتحذيرات أمها وتعليمات مديرة المدرسة وتنبيهات ابن الجيران بالاً وتتصرف وفقاً لما تحلم به وتطمح إليه.

تُغير هيفاء المنصور من أدواتها لكنّها لا تتخلّى عن قضيتها
تتضح شخصية الأم الراضخة لثقافة المجتمع وشخصية ابنتها المتمردة في المشهد الثالث عندما تصمت الأم أمام توبيخ السائق الباكستاني لها بسبب تأخيرها المستمر، فترد عليه وجدة بلهجة حادة فتطلب الأم من ابنتها أن تصمت، يضعنا الفيلم منذ البداية أمام تخمين الشخصية التي ستؤول إليها وجدة عندما تكبر: هل ستكون نسخة أخرى من أُمها؟ أم أنّها ستتمرد على هذا الوضع؟ وهل ستكون الأم قدوة لابنتها أم العكس؟

اقرأ أيضاً: أخيراً.. السينما في السعودية
تنشغل الأم في العناية بمظهرها والتجمل لزوجها حتى لا يرضخ لأمه فيتزوج بامرأة أخرى، ونرى كيف أنّ علاقة وجدة بجارها الطفل عبدالرحمن علاقة طبيعية بريئة يتخللها اللعب والمزاح ولم تتلوث بعد بالثقافة التي تُعامل المرأة بدونية؛ يتسابق الطفلان جرياً في طريقهما إلى المدرسة فتسبقه وجدة فيلجأ عبدالرحمن إلى وسيلة سباق لا تملكها وجدة. يعود إلى البيت ليحضر دراجته ويلحق بوجدة قائلاً لها إنّها لا يمكنها اللحاق به الآن، فترد عليه وجدة متحدية: "والله ليصير عندي سيكل أوريك".

أول فيلم سينمائي سعودي حمل عنوان "الذباب" كان في العام 1950

المدرسة، كما تظهر في الفيلم، وسيلة لقمع الفتاة ومحاربة كل ما هو جميل. والمرأة "نجسة"، كما تعبر إحدى المدرّسات، والضحك ممنوع على الفتيات بحجة أنّ صوت المرأة "عورة"، الورود والصور والأحذية الملونة وطلاء الأظافر كله ممنوع.
يوجه الفيلم نقداً لنظام التعليم في المدارس القائم على التلقين والقمع والضغط الديني منذ المشهد الأول، هذا التمهيد يشير إلى أنّ القضايا في مشاهده اللاحقة ناتجة عن النظام القائم على الفرض والإجبار، وهو ما تكرهه وجدة وتسعى للتحايل عليه، ولذلك نجدها في المشهد التالي تستمتع بالموسيقى وبترتيب حاجياتها الصغيرة.
توفر وجدة ثمن الدراجة من بيع أساور تصنعها بنفسها من الخيوط، وهنا نرى صورة للاستقلالية والاعتماد على النفس، وكل عوامل بناء الشخصية القوية التي نشاهدها خلال قصة الفيلم تقول بلغة فنية جميلة: لا يمكن للمرأة أن تكون مستقلة ومالكة قراراتها وهي تعتمد على الرجل في كل شيء، لا ترى وجدة فرقاً بينها وبين الولد الذي يحلم والدها بإنجابه بالزواج من امرأة أخرى. وإحدى محاولاتها لتغيير هذا الواقع هي كتابة اسمها في ورقة ولصقها بشجرة العائلة المكونة كلها من أسماء ذكور، لكنها تجد الورقة وقد نُزعت في اليوم التالي.

المرأة هي قضية هيفاء المنصور حتى حين أخرجت وشاركت في كتابة فيلم "ماري شيلي" 2018، الذي يتناول قصة ماري وهي في السادسة عشرة ونضالها ضد التمييز الذكوري الذي أعقب كتابتها لرواية "فرانكشتاين"، وفي فيلمها "نابيلي إيفر أفتر" 2018 تتناول قصة امرأة أمريكية أفريقية تحاول تحقيق أحلامها في المجتمع الأمريكي.
وفي فيلمها "المرشحة المثالية" الذي عُرض في آب (أغسطس) 2019، تعود هيفاء المنصور للمجتمع السعودي لتروي قصة طبيبة سعودية شابة تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع للمرأة من خلال ترشحها للانتخابات المحلية، ويتطرق الفيلم لقضية عمل المرأة والتمييز على أساس الجنس.
"سيدة البحر".. نقلة أخرى

النقلة النوعية للسينما السعودية في فيلم "وجدة" تلتها قفزة أخرى صنعتها المخرجة الشابة السعودية شهد أمين في فيلمها "سيدة البحر" في أيلول (سبتمبر) 2019، وهنا يتجاوز إبداع المرأة السعودية قضايا بنات جنسها لينقل السينما السعودية إلى العالمية؛ فقد حصل فيلم وجدة على ثلاث جوائز عالمية خلال مهرجان البندقية السينمائي التاسع والستين، واختير ضمن الترشيحات الأولية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، ليصبح بذلك أول فيلم سعودي يصل إلى هذه المرحلة.
أما "سيدة البحر" فشارك في مهرجانات عالمية بارزة في لندن ولوس أنجلوس والقاهرة وقرطاج والرباط، ومازال ينافس على جوائز ويحصد بعضها مثل فوزه بجائزة أفضل فيلم في مهرجان سينغافورة المسابقة الرسمية وجائزة التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج، وفي عرضه العالمي الأول حصل الفيلم على جائزة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً ضمن مسابقة أسبوع النقاد خلال فعاليات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.

من الواقعية إلى الرمز والأسطورة

في تجربتها الأولى تستوحي شهد أمين من أسطورة أقدم عن حوريات البحر لكن بتوظيف ذكي لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب وإنما المرأة المقموعة في أي مكان. ويحكي الفيلم قصة فتاة صغيرة تقرر اختيار حياتها بنفسها وسط مجتمع ذكوري يرمي المولودات في البحر ليكبرن ويعاد اصطيادهن والتغذي على لحومهن.

اقرأ أيضاً: طريق المرأة السعودية لقيادة السيارة.. ثماني محطات أساسية
يظهر تمرد الفتاة على هذا الوضع منذ ميلادها؛ فبعد أن يلقي بها والدها في البحر وهي في القماط يعيدها الموج إلى الشاطئ ليحملها الأب إلى البيت، لكنها تبقى خلال سنوات طفولتها محل ازدراء سكان قريتها إلى أن تثبت لهم أنّها قادرة على العمل مثل الذكور وتكون لها فائدة أكبر منهم؛ فتعمل الفتاة على ظهر القارب وتغوص في البحر للصيد، وعندما تقفز إلى البحر ذات مرة تختفي لفترة طويلة فتختفي معها الحياة: يجف البحر ويعاني الناس من الجوع، لكن الفتاة تعود مرة أخرى، وبعودتها تعود مياه البحر ليدرك الناس قيمتها وقيمة الأنثى.

توظف شهد أمين أسطورة حوريات البحر لصالح قضية محلية لا تخص المرأة السعودية فحسب

تمرد الفتاة في "سيدة البحر" يذكرنا بتمرد وجدة، لكن الفتاة هنا بلا اسم، مثلما أنّ المكان الذي تدور فيه الأحداث جزيرة متخيلة، وطمس المعالم هنا مقصود لأغراض رقابية ورمزية لا تربط القصة بزمان ومكان محددين، وبقدر ما أنّ القصة مستوحاة من أسطورة اسكندنافية إلا أنّها تذكرنا بوأد الفتيات قديماً، وكأن الأسطورة في الفيلم تحيل إلى أسطورة دينية عربية أقدم لتعبر بذلك عن وضعية تاريخية، لم تنته للأسف، لا عن وأد حقيقي بدفن الفتيات في التراب أو في البحر.
المرأة في قصة الفيلم مصدر للعار، وهي في الوقت نفسه مصدر للخير والحياة. ويبدو، من منظور الرجل، أنّه ما من سبيل إلى معادلة وسط تضمن حياة المرأة والرجل معاً، لكن هذه المعادلة تحققها الطفلة في النهاية بعودتها وإعادتها للحياة.

من منظور القضية يمكن أن نرى في فيلم "سيدة البحر" نسخة أخرى من فيلم "وجدة"، لكن الفارق بين الفيلمين من حيث الصورة واضح، القضية في أفلام هيفاء المنصور مقدمة على الصورة، بينما تأتي الصورة والرمزية على حساب القضية في تجربة شهد أمين، مدة فيلم وجدة (ساعة ونصف) تناسب أحداثه، هي نفس مدة فيلم سيدة البحر لكنه طويل قياساً إلى أحداثه، ويجمع بين الفيلمين قضية واحدة هي اضطهاد المرأة والتمييز الذكوري ضده.
"وجدة" واقعي معاصر وفيه حبكة من خطين متداخلين: قصة رئيسية عن وجدة وقصة ثانوية عن أمها، بينما يتجنب فيلم "سيدة البحر" خيوط القصة التقليدية، ويعتمد على الرمزية الكامنة في أسطورة عروس البحر، ويخرج مُشاهده بعلامات استفهام كثيرة تتعلق بموضوع الفيلم وهدفه؛ فالجمالية البصرية، المتأثرة بأسلوب بيلا تار، تأتي على حساب الهدف الاجتماعي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين: الكتابة عن الآخر بوصفه مرآتنا

2020-01-15

عندما نتأمل الغلاف الأمامي لكتاب "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين"، للكاتب النمساوي من أصل هولندي، توماس برنهارد (1931- 1989)، ترجمة سمير جريس، والصادر عن داريّ ممدوح عدوان وسّرد – سوريا 2019، لا نلحظ أيّ تصنيف للكتاب، هو كتاب لا يشبه اليوميات، ولا يشبه الرواية، ولا المجموعة القصصية، هذه النوعية من الكتب العابرة للأجناس الأدبية ليست بالغريبة في مجال الكتابة الأدبية، التي غالباً ما يجري تصنيفها بكتب (Non- fiction)، إنّها الكتب غير الخيالية، أو الواقعية، كما أنّها لا تندرج ضمن كتب السيرة أو التاريخ، ولم تعد هذه النوعية من الكتب مقتصرة على الأدب المترجم في سوق الكتاب العربي؛ بل بات هناك تجارب لأدباء عرب، في هذا الحقل، قد يكون أحدثها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "كيف تختفي"، وكتاب "النوم"، للكاتب المصري هيثم الورداني، و"كيف تلتئم، عن الأمومة وأشباحها"، و"في أثر عنايات الزيات" للشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال.

غلاف الكتاب
لكن تأمّل كلمة "صداقة" بالخط العريض في الغلاف الأمامي لكتاب توماس برنهار، مثيرة للانتباه وللتفكير؛ هل من الممكن أن تتحول كلمة "صداقة" إلى نوع أو صنف أدبي؟ وأن يكون هذا الصنف من السّرد الأدبي منافساً للأنواع الأدبية التي تتقاطع معه، كأدب "السيرة" و"اليوميات" و"المذكرات"؟
إذ إنّ توماس برنهارد كان شديد الإخلاص والصدق في جعل صداقته مع "باول"، ابن شقيق الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، مرآةً وتوثيقاً ليس لهذه الصداقة فقط، بل كانت أيضاً ضوءاً كاشفاً على حياة توماس برنهارد وذاته، وطريقة تفكيره، ومواقفه السياسية والاجتماعية والثقافية من بلده النمسا.

اقرأ أيضاً: الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم
يسرد برنهارد إذاً سيرة صداقته مع باول على مدار اثني عشر عاماً، والتي تبدأ أواصرها عام 1967؛ حيث كان برنهارد يُعالَج من مرض السّل الرئوي في مبنى "هرمان"، وعلى بعد 200 متر، كان صديقه "باول" يقيم في المبنى المعروف بـ "الفناء الحجري"، أو مبنى "لودفيغ"، في قسم الأمراض العقلية في النمسا.

باستطاعة هذا الكتاب ذي الصفحات القليلة (104 صفحة) أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة

المرض هنا هو أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم، وانعدامها عند الأشخاص الأصحاء، كما يُعبّر برنهارد عن رعبه وخوفه من الأطباء النفسيين، وذلك أثناء انشغاله بالتفكير بما قد يتعرض له صديقه باول في مصحة الأمراض العقلية من طريقة علاج مفرطة في العنف، كأن يقول: "الطبيب النفسي أشدّ الأطباء خيبةً؛ إنه أقرب إلى السفّاح المتلذِّذ بالدماء منه إلى العالِم، لم أخشَ في حياتي شيئاً مثل وقوعي في أيدي الأطباء النفسيين، ومقارنةً بهم فإنّ خطر الأطباء الآخرين ضئيل، حتى وإن كانوا هم أيضاً لا يجلبون في نهاية المطاف سوى المصائب".
يُرجع توماس برنهارد أسباب مرضه ومرض صديقه، إلى وصولهما معاً إلى طريق مسدود في هذا العالم، إلى يأس ما، إلى شغف وطموح في هذا العالم يفوق قدرتهما.
إنها سيرة التفاصيل المشتركة وغير المشتركة، التي تجمع بين كاتبٍ ومجنون، والأخير كان من الممكن أن يصبح فيلسوفاً مثل عمه، لو كان فرّغ ما يجول في عقله وما ازدحم فيه من أفكارٍ ونظريات حول العالم.

 توماس برنهارد (1931- 1989)
صديقَان مولعان بالموسيقى والأوبرا، كما يجمعهما احتقارهما لأنصاف المثقفين والأدباء، ونتيجة ذلك؛ ينعكس الحديث عن الأشياء المشتركة على الأحداث التي مرّا فيها؛ إذ كلّ حدث عند برنهارد مرتبط بوجهة نظره حول فكرة معينة، أو موضوع معين مرتبط بهذا الحدث أو ذاك، ومن جانب آخر؛ يكاد أسلوب كتابة برنهارد في التعبير عن أفكاره وهواجسه يكون بعيداً كلّ البعد عن الأحكام الثابتة، أو تلك التي من الممكن بلورتها بفقرة من خمسين كلمة، والتي بدورها يكون من السهل اقتباسها بوصفها خلاصة القول، أو أن تنتهي بوصفها حكمة ما، بل هناك تأمل عميق في كلّ موضوع أو فكرة يتحدث عنها، كأن يتحدث برنهارد، على سبيل المثال، عن علاقة الإنسان المريض بالإنسان السليم في سردية أشبه بنفسٍ طويلٍ أو دفقةٍ واحدةٍ، من صفحة 53 إلى صفحة 56؛ إذ يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية واختلاطه مجدداً بالأشخاص الأصحاء، فيقول مثلاً: "المرضى لا يفهمون الأصحّاء، ولا الأصحّاء يفهمون المرضى بالطبع، هذا الصراع كثيراً ما يكون قاتلاً، صراعٌ لا يستطيع المريض أن يواجهه، ولا السليم أيضاً، الذي غالباً ما يمرض بسبب صراع كهذا.

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ليس سهلاً أن تتعامل مع مريض عاد فجأة إلى حيث انتزعه المرض، قبل شهور أو أعوام، من كلّ شيء؛ وفي أغلب الأحيان لا يكون للأصحّاء رغبة في تقديم يد العون إلى المريض، إنهم، في الحقيقة، ينافقون على طول الخط متظاهرين برحمة لا يشعرون بها، ...".

يُشرّح برنهارد الحالة النفسية الصعبة التي يمرّ بها إنسان مريض عند عودته لحياته الطبيعية
وبقدر ما تحمل صداقة برنهارد وباول من أشياء مشتركة، إلا أنّها تحمل أيضاً تناقضات واختلافات في وجهات النظر فيما يخص مسائل متعلقة بذوقهما الموسيقي أو الفني، كاختلافهما الجذري حيال الموسيقار المشهور كريان؛ فبينما يراه برنهارد أعظم قائد أوركسترا، يراه باول "دجالاً ومشعوذاً"، وفي لقطة أخرى يصف برنهارد الحالة التي يكون عليها باول عند حضوره عرضاً موسيقياً أو أوبرالياً، كما في المقطع الآتي: "أستطيع أن أصنع نجاحاً إذا أردتُ، وإذا كانت الشروط متوافرة، وهي دائماً متوافرة، يقول باول: وأستطيع أن أتسبّب في فشل، إذا كانت الشروط متوافرة،  وهي دائماً متوافرة، يتوقف ذلك على شيء واحد: هل سأكون أوَّلَ من يصيح: "برافو!، أم من سيطلق الصفير".

المرض أبرز الأشياء المشتركة التي تربط الصديقين، ويُشرّح برنهارد الحساسية المفرطة التي تتملك مشاعر أشخاص مصابين بمرض عضال نحو بعضهم

لكن ما يميز سرد برنهارد لهذه الصداقة؛ أنه لم يحاول تجميلها، ومثلما يوثق برنهارد للحالات النفسية التي يمرّ فيها باول في حياته، يكشف بالمقابل الأوقات التي خذل فيها برنهارد باول، وتحديداً في الأيام الأخيرة من حياة باول الذي حوَّله المرض إلى شبح إنسان ميت.
يلوم برنهارد نفسه بقوله: "أنا إنسان سيّئ الخلق، بل إنني عموماً إنسان سيِّئ، تجنّبت صديقي، مثلما تجنّبه أصدقاؤه، لأنني مثلهم، أردت تجنّب الموت، خفت مواجهة الموت؛ إذ كان كلّ شيء في صديقي ينطق بالموت".
باستطاعة هذا الكتاب، ذو الصفحات القليلة (104 صفحة)، أن يهزّ الكثير من الأفكار الراسخة في ذهن القارئ عن الأدب والكتابة، أوّلها ربما؛ إعادة التفكير بالكتابة الذاتية، أو الكتابة عن حياتنا انطلاقاً من "الأنا".
برنهارد يكسر القاعدة هنا، ويقول للقارئ أو لكاتب ما حتى، إنّ باستطاعتنا أن نقول أشياء كثيرة عن حياتنا، وعن أفراحنا وآلامنا ومصائبنا، من خلال عين الآخر، ومن خلال سيرة علاقتنا به، وارتباطنا الإنساني بمن حولنا، وامتحان النفس البشرية، التي ينعتها برنهارد بأكثر من مناسبة بـ "الحقيرة" في أقسى الظروف التي من الممكن أن تمرّ فيها علاقة المرء بصديق ما.

للمشاركة:

رسمي أبو علي يترجل ضاحكاً

2020-01-09

لعلّه عندما أغمض عينيه، للمرة الأخيرة، ليلة أمس الأربعاء بالعاصمة الأردنية عمّان، كانت المرة الأولى التي يهدأ فيها الأديب والإعلامي الأردني رسمي أبو علي عن المشاكسة والسخرية، منذ ميلاده في قرية المالحة المقدسية في العام 1937، والتحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة في العام 1964، ثم انخراطه في الوسط الإذاعي وصفوف الثورة الفلسطينية.

أبو شايب: معظم مثقفينا لم يقرأوا أبو علي ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن

ما إن أعلنت عائلة أبو علي وفاته، حتى انثالت كلمات رفاقه في الوسط الثقافي لنعيه واستذكار ماضيه الثوري والإنساني، ومنجزه الأدبي، المتمثل في ستة مؤلفات، كانت باكورتها مجموعة قصصية تحت عنوان "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس" 1980، وديوان شعر معنوَن بـِ "لا تشبه هذا النهر" 1984، ورواية "الطريق إلى بيت لحم" 1990، وديوان شعر "ذات مقهى" 1998، وسيرة ذاتية بعنوان "أوراق عمان الخمسينات" 1998، ومجموعة قصصية تحت عنوان "ينزع المسامير ويترجّل ضاحكاً" 1999.

"حفريات" التقت مجموعة من أصدقاء ورفاق أبو علي الذين نعوه بهذه الكلمات، مستذكرين مكانته الأدبية والإبداعية، والفراغ الذي تركته روحه الإنسانية في وجدانهم.

ولد الراحل في قرية المالحة المقدسية في العام 1937

أبو شايب: ساخر من أنظمة حياتنا المهترئة

يقول الشاعر زهير أبو شايب: ليس الموت هو المرعب، نحن لا نعرفه، اهتراء الحياة هو الذي يصيبني بالذعر، هؤلاء الذين يموتون يتركون ثقوباً في حياتنا لا يمكن رتقها، هكذا تهترئ حياتنا ونحن نتفرّج عليها بعجز كامل، هذا هو المرعب، رسمي أبو علي لا مثيل له، وما سيتركه من خرق في مادة هذه الحياة البالية لا يمكن إصلاحه بالنسبة لي.

حوامدة: حينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال: قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى

ويتابع أبو شايب: نحن دائماً نحوّل الراحلين إلى مادة متحفية لنوهم أنفسنا بأننا نكنزهم في ذاكرتنا الثقافية، ونحوّلهم إلى قيمة، لكننا في الحقيقة نتحول إلى ما يشبه جامعي الموتى، هذا أيضاً مرعب، يُفترَض أنّ كاتباً وشخصاً فذاً مثل رسمي أبو علي هو كائن مضاد للموت وصانع حياة حقيقي، أظنّ أنّ معظم مثقفينا لم يقرأوه ولم يعرفوا المذاقات التي برع في ابتكارها ليجعل حياتنا ألذ وأثمن، لا فائدة قط من المراثي التي ندبّجها في توديع صنّاع حياتنا المخذولين، الذين أنفقوا أعمارهم كلها في محاولة إنقاذنا ثم اكتشفوا أنّنا لا نشعر بوجودهم إلا حين يموتون.
رسمي أبو علي من القلائل الذين سخروا جيداً من أنظمة حياتنا المهترئة، وجعلوا من السخرية فعل مقاومة. وغيابه سيجعل حياتنا الثقافية أكثر تجهماً وأقل حكمة.

حوامدة: مات حكيم الثورة

حوامدة: قلب كبير يستوعب كل التناقضات

من جهته، قال الشاعر موسى حوامدة: مات حكيم الثورة، في آخر جلسة جسلتها مع رسمي أبو علي في مقهى "كوكب الشرق" في عمّان قبل ثلاثة أشهر قال لي "لا بد أن نعيد تقييم الثورة؛ لقد فلشنا وعليهم أن يتوقفوا، لنعيد التفكير في طريقة جديدة نقررها نحن الشعب الفلسطيني".
كان رسمي أبو علي، القاص والكاتب الساخر، يحمل قلباً بحجم العالم، قلباً محباً وكبيراً يستوعب كل التناقضات الفلسطينية ويعيد صياغتها بطريقته.

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
يتابع حوامدة: قال لي: "كتبت قصة حداثية بينما كانت الثورة في لبنان، وكتبت شعراً حداثياً وكنت أريد أن أقول لهم لن ينفعنا الأدب القديم".
في العامين الأخيرين اختلف أبو علي وصار ناقداً للوضع كله، وكان يقول لي "لنعترف؛ ضللنا الطريق، وعلينا أن نفكر بصياغة ميثاق وطني جديد"، وحينما كان القصف على غزة التقيته في عمّان وانفجر باكياً وقال "قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الموتى يا موسى".
لقد أنجبَ الشعب الفلسطيني مبدعين كثراً منهم؛ إبراهيم طوقان وغسان كنفاني وعز الدين المناصرة ورسمي أبو علي، لكن للأسف تم إهمال أسماء مثل أبو علي، في وقت تم فيه تكريس أسماء أخرى.

أبو رقطي: فلسطيني حتى النخاع

وعن علاقته بالراحل قال الكاتب زعل أبو رقطي: رسمي أبو علي الفلسطيني حتى النخاع، الشاعر والأديب الملتزم، والإعلامي المتميز، والمذيع الهادئ، عرفته عن قرب في إذاعة الثورة الفلسطينية في مدينة درعا السورية في أوائل السبعينيات، كنت لا أزال في بداية رحلتي مع العمل الإعلامي، وكان هو يكتب التعليق السياسي ويقرؤه بصوت الواثق والمتمكن والهادئ، كان متواضعاً وخلوقاً وملتزماً ومقرّباً من الجميع.

أبو رقطي: أبو علي قامة وطنية وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي

بعد إغلاق الإذاعة بدرعا افترقنا، عاش في بيروت في زمن الثورة الجميل، وبقي يمارس دوره النضالي في مجال الإعلام والأدب والشعر، وتنقّل في كل مواقع الثورة وأماكن تواجدها،  وبقي ملتزماً بالخط الوطني رغم كل التقلبات التي واجهت العمل الوطني، واستقرّ به المطاف أخيراً في الأردن؛ حيث عكف على كتابة الشعر والأدب.
ويردف أبو رقطي: رسمي أبو علي قامة وطنية وإعلامية عالية، وبرحيله نفتقد شخصية مميزة ومعطاءة بلا حدود، وسيبقى صوته في الذاكرة الوطنية كأحد المؤسسين الأوائل للعمل الإذاعي والإبداعي، ومن الكوادر الفاعلة التي تستحق التكريم والتقدير، بغيابه نفتقد كادراً وطنياً وقامة إعلامية كبيرة، لروحه الرحمة ولعائلته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان.

الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف

شنب: لا تستطيع أن تكرهه

أما القاص جمعة شنب فقال: يرحل الطيّبون أيضاً! ما كان لرسمي المحبّ للحياة وللناس وللمقاهي والأسطح، وقرية المالحة، حارس رصيف العالم منذ مطلع الثمانينيات، ما كان له أن يرحل بهذه البساطة؛ رسمي الذي تختلف معه، لكنّك أبداً لا تستطيع أن تكرهه؛ لأنّه لا يعرف الكراهية، رسمي المبتسم، المتفائل، الصامد الصابر، خذله الموت في هذا المساء الحزين، رسمي اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ، رحل، هكذا، ببساطة.

الريماوي: مثقف تنويري يتخطى الأيديولوجيات
وعن شهادته في الراحل قال القاص محمود الريماوي: سيظلّ رسمي أبو علي نموذجاً للأديب الموهوب المرهف الذي اختطّ طريقاً جديدة في السرد الأدبي الفلسطيني، وذلك في مزجه الذكي بين المأساة والملهاة والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية والمكانية الصغيرة وتعظيم شأنها والجرأة على ملامسة التحرر الاجتماعي، والتابوهات السياسية، والإعلاء من قيمة الفرد بدلاً من الاندراج في الجمهور والجموع، ما يجعله مثقفاً تنويرياً يتخطى الأيديولوجيات والنزعة الشعارية.

اقرأ أيضاً: 25 عاماً على رحيل توفيق زياد
ويزيد: هو شخص بالغ اللطف والأنس واللباقة، لا يأبه لبهارج الدنيا وقشورها، ويصادق أبسط الناس ويشاطرهم يومياتهم كأنّه أحدهم، فيما كان الطريق أمامه مفتوحاً لو شاء لبلوغ مراتب اجتماعية أعلى، وبغيابه تخسر الحياة الثقافية مثقفاً بارزاً ذا نزعة نقدية، من غير أن ينغمس في معارضات استعراضية أو تمرّد نمطي، ما جعله نسيج ذاته، يجمع بين روح الانطلاق والتمرّد وبين رصانة المثقف وجدّيته، وذلك في توليفة لطيفة ومُشعّة عز نظيرها. إلى اللقاء أيها الصديق الحبيب، وإلى أن نلتقي فسوف أشتاقك كثيراً، وسوف أفتقدك بكل مرارة.

عبد العزيز: فقدنا فلسطين مرة أخرى
الشاعر يوسف عبدالعزيز نعى رفيقه بقوله: الصديق رسمي أبو علي وداعاً، برحيلك يا حبيبي فقدنا فلسطين مرة أخرى، وتيتّمنا.
ففي قامتك الساحرة تحتشد البلاد كلها، وتلتمع قباب البيوت، وتصهل أمواج بحر يافا وحيفا.
ترى، ما الذي نفعله الآن وقد غادرنا قدّيس الرصيف، وملك الكلام؟
في غيابك؛ الحياة لم يعد يُعوَّل عليها، لا النساء، ولا القصائد، فأنت حين غادرتنا أخذت كل شيء جميل معك.
السلام على روحك أيها الأمير.

فركوح: رافض التأطير
بدوره رثى الناشر والروائي إلياس فركوح الراحل قائلاً: أنتَ "رجل الرصيف"، بمعنى أنت خارج جميع المؤسسات، أنت كاسر للأطر ورافض التأطير، أنت امتلكتَ حريتك حتى النهاية.. استرحْ، فهذا العالم نذل.

شاعر وأديب ملتزم وإعلامي متميز

محمد: لم يصل إلى نيسان!
وعن الراحل قال الشاعر والباحث زكريا محمد: الوصول إلى نيسان كان أمله الأخير. كان رسمي أبو علي يلعب كطفل في "منشوراته" على صفحته "فيسبوك"، باستثناء الشهر الأخير الذي أحس فيه بالموت يقترب. وفي واحد من "منشوراته" نشره قبل ما يقرب من أسبوعين من رحيله أبدى أمله في أن يصل إلى نيسان. قال في ما أذكر: إن وصلت إلى نيسان نجوت سنة أخرى. وكنت في قلبي أدعو له أن يصل إلى نيسان. لم أخبره بذلك، لكنّ قلبي دعا له بالوصول. ولم يصل إلى نيسان. كانت الطريق إلى نيسان مقطوعة. وقف به فرسه في أول كانون الثاني وأسقطه عن ظهره. وفي تقاليدنا يكمن الموت في شباط. شباط هو قاتل الشتاء الحقيقي. لكن كانون الثاني هو الذي قتله. لقد أثبت نيسان أنّه بعيد وأنّ زهرته مخفية، وأنّ الوصول إليه وهم.

شنب: رسمي لا يعرف الكراهية، مبتسم ومتفائل، هو اللطيف الساخر الذي قصّ شاربي القطّ رحل هكذا ببساطة‎

وتابع محمد حديثه: لم تكن علاقتي برسمي وطيدة جداً. كانت لقاءاتنا عابرة سواء في بيروت أو عمان أو رام الله. لكنني صحبته مرة لمدة ثلاثة أسابيع في رحلة إلى روسيا وأوزبكستان. زرنا طقشند وبخارى وسمرقند. ومن هناك جلب اسم ابنته (أوميديا) التي ذهبت قبله شابة إلى الموت. وربما كتبت يوماً ما تبقى في ذاكرتي عن هذه الصحبة. في هذه الرحلة عرفت ما عرفته عنه. وإن كان لي أن أقول كلمة عنه فإنني أقول إنّه صانع سيناريوهات كبير. أمضى حياته وهو يصنع سيناريوهات لحل القضية الفلسطينية. كان عقله دوامة متواصلة من السيناريوهات. ولم يكن يهمه أن تكون هذه السيناريوهات قريبة من الحقيقة. ولست أعرف حتى إن كان يصدق هو ذاته سيناريوهاته أم أنّه كان يسخر بها من السامعين ومن القضية والكون. في الشهر الأخير كان لدى رسمي سيناريو واحد فقط: الوصول إلى نيسان. ولم يصل.

للمشاركة:

النميمة بين الأدباء في المقاهي: ما الخيط الفاصل بين التسلية والأذى؟

2019-12-23

"النَّمُّ: رَفْع الحديثِ على وجه الإشاعةِ والإفْسادِ. وقيل: تَزْيينُ الكلام بالكذب. من نمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ، فهو نَمومٌ ونَمَّامٌ ومِنَمٌّ، ونَمٌّ، من قَوْمٍ نَمِّينَ وأنِمَّاءَ ونُمٍّ، وهي نَمَّةٌ، ويقال للنَّمَّام القَتَّاتُ، ونَمَّامٌ مُبَالَغَةٌ، والاسمُ النَّمِيمَة، وأصل هذه المادة يدلُّ على إظهار شيء وإبرازه"؛ هذا هو التعريف الشائع في معاجم اللغة العربية عن معنى كلمة "نميمة".

اقرأ أيضاً: المقاهي الثقافية في العالم: فضاءات موازية خارج التقليد
كما يقول الإمام الغزالي (1058-1111) عن النميمة في كتابه "الإحياء": "اعلم أنّ اسم النَّمِيمَة إنما يطلق في الأكثر على مَن ينمُّ قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: "فلان كان يتكلَّم فيك بكذا وكذا"، وليست النَّميمة مُختصة به، بل حدُّها كشفُ ما يُكره كشفُه، سواء كَرِهه المنقولُ عنه أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان عيباً ونقصاً في المنقول عنه أو لم يكن، بل حقيقة النَّميمة إفشاء السرّ وهتك الستر عما يُكره كشفه ...".
تعدّ اجتماعات الكتّاب والمثقفين في المقاهي أرضاً خصبة لحياكة النمائم

المقاهي أرض خصبة للنميمة
لكنّ "النميمة" اكتسبت خصائص ومعاني تجاوزت معانيها التقليدية داخل الأوساط الأدبية والثقافية، وفي منطقة "وسط البلد" بمدينة القاهرة؛ حيث تنتشر المقاهي الشعبية في شوارعها وأزقتها الضيقة؛ إذ تعدّ اجتماعات الكتّاب والمثقفين في المقاهي أرضاً خصبة لحياكة النمائم، وتبادل الآراء في بينهم حول عمل أدبي ما، أو حول كاتب أو كتّاب يثار الجدل حول نتاجهم الأدبي. ينتشر الكتّاب والمثقفون في مقاهي وسط البلد، كمقهى زهرة البستان، الذي ما يزال روّاده من كتّاب كبار يقيمون في جلساتهم، فالشاعر عبد المنعم رمضان، والقاص سعيد الكفراوي، والروائيان وحيد الطويلة وعزّت القمحاوي؛ هؤلاء من الأدباء الذين ما يزالون يحافظون على تقليد الاجتماع في مقهى "زهرة البستان" كلّ يوم جمعة في الصباح الباكر، ويطلقون عليها "قعدة الجمعة"، التي قد تجمع حولها في بعض الأحيان أكثر 15 من كاتب ومثقف وصحفي، كما الروائي الراحل، مكاوي سعيد (1956- 2017)، كان يقضي معظم وقته في الكتابة ولقاء الأصدقاء في مقهى زهرة البستان.

الروائية مها حسن: النمائم تطال الناجحين، وهي دليل على أهمية الشخص الذي يشغل أذهان مطلقي النمائم ضدّه

وهناك أيضاً مقهى الندوة الثقافية، ومقهى الحميدية، ومقهى ستراند، ومقهى "غزال" في شارع شامبيلون، هذا عدا المطاعم والبارات، مثل: مطعم ومقهى ريش، ومطعم الجريون، والنادي اليوناني، وحانة "كاب دور".
في هذه المقاهي والمطاعم والبارات تُحاك النمائم، وتنطلق ألسنة الكتّاب والمثقفين في طرحهم آراء جريئة حول المشهد الأدبي، حول أعمال أدبية حازت شهرة ما، لكنّها ما دون المستوى، عن كاتب "بيست سيلر" لمعَ نجمه لكنّه يكتب روايات شديدة الرداءة. طاقة من الغضب والسخرية والضحك على كتّاب- خصوم، لا تحتملها الصفحات الثقافية في الجرائد، أو في المجلات.
في المقهى الشعبي لا مكان لكاتب لا يستطيع أن يدافع عن نصّه بالحجة والمنطق والبرهان، وكمّ أفواه النمَّامين، والمقهى هو أرض المعارك الأدبية والثقافية، إثبات الوجود، ففي المساحات الضيقة هذه تقال الآراء الحقيقة حول الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة.

اقرأ أيضاً: أشهر 5 شعراء عرب قتلتهم قصائدهم
"حفريات" التقت الكتّاب المصريين؛ أحمد عبد اللطيف، وهشام أصلان، وأحمد شوقي علي، وأحمد مجدي همام، والروائية السورية مها حسن، الذين أدلوا بآرائهم حول موضوع النميمة في الأوساط الأدبية.
يقول الروائي والمترجم أحمد عبد اللطيف: "أعتقد أنّ هناك سعياً طوال الوقت لتكوين رأس مال مادي من خلال الجلوس في المقهى وأحاديث النميمة، ففكرة أن يكون هناك كاتب حاضر في أجواء وسط البلد في القاهرة ومقاهيها، وعلى احتكاك دائم مع الناس، يكوّن شيئاً أقرب لـ "السمعة الحسنة"، إن جاز التعبير، تحميه من النقد، وتمنحه مزايا من بينها أنّه موجود وسط أناس وأصدقاء يدافعون عن كتاباته وعن وجوده، بالطبع موضوع النميمة على المقهى، ليس بالجديد، إنّه قديم جداً في أجواء الأوساط الأدبية، مرتبط أيضاً بفكرة الشلة الثقافية، وهذا تقليد ثقافي حاضر من أيام نجيب محفوظ وشلّة مقهى ريش، على سبيل المثال، وكان موجوداً أيضاً في فترة التسعينيات".
جلسات المقاهي مرتبطة بفكرة التواصل مع الأجيال

هل خفت بريق النميمة؟
وأضاف عبد اللطيف: "مع بداية الألفية الجديدة، خفت بريق النميمة على المقاهي؛ إذ باتت النميمة موجودة أيضاً في مواقع التواصل الاجتماعي، كـ "الفيسبوك"، وعبر رسائله الخاصة، لكن يبقى المقهى هو المكان الشرعي الذي يعبّر عن فكرة "الشلّة"؛ لأنّه يقوم على فكرة الجماعة؛ مجموعة من الكتّاب والأدباء يتقابلون في مكان محدّد هو "المقهى" أو "البار"، ويناقشون كتابات بعضهم وكتابات غيرهم، وبالطبع يناقشون كتاباتهم بكثير من المديح وكتابات غيرهم بكثير من الذمّ".

الروائي شوقي علي: النميمة منتجة، تربي الرغبة في التجاوز، تكسر صورة الذات بمثل تكسيرها صورة الآخر، تكشف هشاشتها

ويرى عبد اللطيف؛ أنّ جلسات المقاهي مرتبطة بفكرة التواصل مع الأجيال من خلال المقهى "فعادة نرى الكتّاب الكبار الذين ما يزالون موجودين بسيرهم، هم الكتّاب الذين تربطهم علاقات واسعة بأجيال أصغر منهم، وكانوا يتقابلون معهم بكثير من التواضع، التواضع بوصفه احتواء واستيعاباً لهذا الجيل، فالكتّاب الكبار كانوا معفيين من أن ينتقد أحد أعمالهم، كما أنّهم كسبوا أجيالاً أصغر منهم تقرأ أعمالهم بشكل مستمر، انطلاقاً من فكرة أننا عرفنا هذا الكاتب والتقينا به، فتجب علينا قراءة أعماله، فإذا كان هناك كاتب غائب عن جلسات المقاهي، فغالباً يكون قد تخلى تماماً عن رأس المال الذي يتكون على هامش هذه الجلسات".
ويرى عبد اللطيف أنّ هذا الشيء "له سلبياته وإيجابياته، وأنا لست ضدّ فكرة أن تكون هناك شلّة ثقافية أو أدبية، جماعة ما تعبّر عن أفكارها بالكتابة، وقد تجمّعوا على هذا الأساس، لكن بالمقابل يجب أن تكون الجماعة ضدّ إقصاء الآخر الذي يكتب كتابة مختلفة عن هذه الشلّة أو الجماعة من الكتّاب، أو دعم تجارب أدبية ضعيفة فقط لأنّ الصداقة تربطهم، وهذا موجود، ولأنّ هذه الجلسات قائمة على النميمة أساساً، وهو شعور إنساني في النهاية لا نستطيع منعه أو رفضه".
النميمة من سمّاعة الهاتف إلى المقهى
أما القاصّ والصحفي هشام أصلان، فقال: "بحكم النشأة، كبرت وإلى جانبي هاتف منزلي، أستطيع وصفه بصندوق أسود لنميمة المثقفين لعشرات السنين، لك أن تتخيل كيف طالت كلّ أشكال النميمة أعداداً هائلة من أبناء الوسط الثقافي على اختلاف أجيالهم، من هنا لم يكن مفاجئاً لي، حين أصبحت بشخصي فرداً من هؤلاء، إننا مجتمع نمّام، غير أنني لا أرى المسألة شديدة السوء، بالأحرى أتفهمها، لا أرى في النميمة بين الكتّاب والأدباء على المقاهي شكلًا للشرّ، في أغلب أشكالها هي منطقة للتسلية والسخرية، ربما يستخدمها البعض أحيانًا كأكتاف قانونية لأشخاص يريد إزعاجهم بخفة ظلّ، وهو ما لا أعتبره أيضاً شرّاً صرفاً.

محاولة شعبية عفوية بسيطة لـ "النقد"
ويضيف أصلان: "ببساطة، ما الذي سيتحدث عنه صديقان يعملان بالثقافة سوى تبادل بعض من القراءة والمشاهدة وسيرة من حولهما من الأصدقاء أو غيرهم؟ هذه هي الأحوال؛ الناس فيما بينهم يتحدثون عن بعضهم، جيران، رفقاء مقهى، زملاء عمل، الفرق الوحيد لدى المثقفين أنّهم يعيشون داخل دوائر صغيرة مفتوحة على بعضها، لتكوّن دائرة كبيرة تشملهم جميعاً، طبعاً شهدت الأعوام العشرة الأخيرة تضاعفاً في هذه الحالة، بسبب الانفتاح المهول على وسائل التواصل، ربما هذه الأعوام وطبيعة هذا الانفتاح أضافا مساحة جديدة للأمر قد تكون مؤذية أحياناً، لكنها مساحة أوسع من مجرد النميمة، ولا تقتصر على الحياة الثقافية، أقصد مساحة الفضح والوصم سواء المستحقة أو غيرها".

اقرأ أيضاً: صحفي مصري ينشئ متحفاً للصور جمع مقتنياته من القمامة
وأردف أصلان قائلاً: أذكر تعبيراً للصديق والناقد الكبير محمد بدوي، قال مرة إنّ المثقفين في مصر لديهم خصائص الأقليات، وأنا أتفق معه، يأكلون بعضهم نميمة، لكنّهم أيضاً يستسهلون الحياة مع بعضهم، ولا يستريحون بسهولة إلى العلاقات الإنسانية من الخارج، وإن كان هذا الخارج هو العائلة نفسها، الصراعات الشخصية فيما بينهم ترتدي دائماً رداء الخلافات الفكرية، مع ذلك هم على قلب رجل واحد في أي خلاف مع الخارج، ليس لأسباب نبيلة طيلة الوقت، ولكنّها حكمة خصائص الأقلية.
لم أشعر أبداً أنّ خلافات المثقفين فيما بينهم خلافات فارقة مع العالم، هي خلافات صغيرة مهما بدت كبيرة، بالتالي حتى في حالة النميمة بوصفها طريقة للانتقام، يظلّ انتقاماً صغيراً في معارك صغيرة".
أحبّ النميمة
أما الروائي والصحفي أحمد شوقي علي فيعترف: "أحبّ النميمة"، ويتساءل: "هل هذا شائن؟ ربما"، ويتابع: "أفكر في النميمة كنشاط جدلي، ولا أقول ذلك لأبرئ نفسي مما أحب، المسألة ليست السخرية أو الرغبة في تعويض نقص عبر شعور زائف بالاكتمال، ثمة طرق للتنفيس عن الغضب في النميمة، للَعن الحياة والواقع، لإبداء الرأي حول الكتابة؛ النميمة الأدبية، موقف من الكتابة الأخرى، الكتابة النقيض... سؤال متصل حول الذات: ما حققتْ؟ ماذا تريدُ؟ وإلى أين يمكن أن تصل؟".

القاص هشام أصلان: كبرت وإلى جانبي هاتف منزلي، أستطيع وصفه بصندوق أسود لنميمة المثقفين لعشرات السنين

كما يرى شوقي علي؛ أنّ "النميمة مراقبة للذات والآخر، اختبار دائم لما تتوهم أنّك تعتنقه من قيم، وضمير يضعك في اختبار مستمر أمام رغباتك الوضيعة، ونزوع بشري أصيل نحو الاكتمال"، مضيفاً: "ثمة دناءة في النميمة، أو افتراض لقيمة متوهمة حول ذاتك، ربما، ولكنّك كذلك تعمل، أنت لا تقف، أنت تكتبك النميمة وتكتبها، وتعيد تشكيل ذاتك بين الحالتين.
"النميمة غير الحقد؛ النميمة منتجة، تربي الرغبة في التجاوز، تكسر صورة الذات بمثل تكسيرها صورة الآخر، تكشف هشاشتها، وهشاشة غيرها أيضاً.
أفكر في الشخص الذي يسير غير مشغول بالآخر، ويكفي نفسه عناء التفكير في غيره، وعناء انتقاده، كم هو بائس! كيف ينتج؟ وكيف يرى نفسه من خلال ذاته وحدها؟ كيف يغضب؟ وكيف ينفّس عن ذلك الغضب؟".
ويرى شوقي علي أنّ ادّعاء الفضيلة للأسف شوه النميمة "مثل تشويهه الأشياء الجميلة كلها، مثل تشويهه النفس البشرية عموماً؛ الادعاء هو الحقد، هو الشعور الزائف بالاكتمال، وليس السعي لإدراكه، وأنا لا أدعي الفضيلة، أنا أحب النميمة، مثل الأشياء الجميلة كلّها".

الروائي والصحفي أحمد مجدي همام رأى أنّ "مسألة النميمة ليست متعلقة بنوع من الخصومة، وأنّ بقية الكتّاب الذين يختلف معهم أدبياً ليسوا خصوماً"، يقول همّام: "الفن عموماً قائم على التكامل؛ أن تعرف منجز السابقين وتحيط به ثم تبني عليه وتبدأ من حيث انتهوا، عكس الرياضة القائمة على التنافس.

اقرأ أيضاً: العراق... شحيح على مبدعيه كريم على ناهبيه وقتلته!
الجلسات التي تجمع الكتّاب في المقاهي والمحافل العامة، والتي تشهد عادة حوارات وآراء حول إنتاج كتّاب آخرين، ربما تندرج تحت بند النميمة، لكنّها، من وجهة نظري، ليست سوى آراء فنية، لم تتم صياغتها على شكل مقال نقدي أو قراءة أو عرض، وبالتالي هي لا تستهدف بالطبع زعزعة ثقة أيّ شخص في نفسه، وإنما هي محاولة شعبية عفوية بسيطة لـ "النقد"، ولكن بصيغة شعبوية، ولأنّنا، كمصريين، معروفون بخفة الدم وروح السخرية، تخرج تلك المناقشات على شكل يبدو حاداً أو مستهزئاً، لكنّ جوهر تلك المناقشات هو "الرأي"، وغالباً تكون تلك المناقشات مبنية على معرفة حقيقية بفنيات الكتابة".

اقرأ أيضاً: روائي فلسطيني يقيم حفلاً لتوقيع روايته على بسطته لبيع القهوة
هل تتسبب تلك "النمائم" في هزّ ثقة كاتب ما في نفسه؟ عن هذا السؤال يجيب همام: "لا أظن، وإلا فخير له ألّا يطرح نتاجه الأدبي ويحتفظ به لنفسه، لأنّ انطباعي عن كتاب ما، الذي أدردش به مع كاتب آخر، لا هدف منه سوى تبادل الآراء، بالتالي؛ فإنّ من يتعرض لهزة في الثقة هو في الواقع كاتب غير ممتلئ بنفسه".
 يعيشون داخل دوائر صغيرة مفتوحة على بعضها

النميمة تحمل الدعابة أكثر من الأذى
تقول الروائية السورية مها حسن، التي تقيم منذ سنوات طويلة في فرنسا: "ربما ساهم عيشي في بلد أوروبي في ابتعادي عن أجواء النميمة، وحين أتواجد في بلد عربي، بين زميلات وزملاء كتّاب، لا يتيح لنا الوقت "ترف النميمة"، بسبب انشغالنا بالندوات والتفرعات الثقافية الناتجة عن الحدث، حيث غالباً ما يترافق حضوري ضمن فعالية ثقافية، لهذا فإنني أرى أنّ النميمة ترف غير متاح لي، وحين أحضر بالصدفة حديث النمائم، فإنني لا آخذ الأمر على محمل الجدّ؛ إذ أرى أنّ لفظة "نميمة" في حدّ ذاتها فيها موسيقى تحمل الدعابة أكثر من الأذى".

اقرأ أيضاً: هل يستجير المصريون بأدب الرعب هروباً من رعب الواقع؟
وأضافت حسن: "لهذا فالنمائم في قاموسي الشخصي، لا تهدف للنيل من أحد أو الإساءة، بل غالباً مجرد "فشات خلق" نفسية، تعبر عن إحباطات شخصية؛ كأن تحدثني زميلة، مثلاً، عن تجاهل زميلة لها وهي تصادفها، أو عن انتقاد غير شجاع، لشخص غائب، لا يحمل الإساءة. لكن من جهة أخرى، قد تكون النميمة شريرة، وتهدف إلى النيل من شخص وصل إلى مكانة مميزة، فيحاول الحسَّاد محاربة هذا النموذج الناجح، بإطلاق نمائم مؤذية، وهنا ينبغي اتخاذ مواقف نقدية صارمة، أخلاقياً وفكرياً، لعدم الانجرار خلف ظاهرة تتحول من مزحة أو دعابة، إلى موقف فكري مليء بالكراهية ومسيء للمشهد الثقافي".
وتختم حسن كلامها بالقول: "في النهاية، لا أعتقد أنّ النميمة تساهم في زعزعة صورة الكاتب أمام نفسه أو أمام جمهوره، ولا حتى تزعزع ثقة الكاتب بنفسه؛ بل على العكس، أرى شخصياً أنّ النمائم تطال الناجحين، وهي دليل على أهمية الشخص الذي يشغل أذهان مطلقي النمائم ضدّه، كما يقول المثل الشعبي: "الشجرة المثمرة تُضرب بالحجارة"".

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية