
تَرجو النَّجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها ... إِنَّ السَّفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ
"أبو العتاهية"
رحم الله أنور السادات وسامحه على ما فعل؛ فالرجل، رغبة منه في تحقيق انتصار إعلامي وجماهيري سريع، ورغبة منه في التخلص من خصومه السياسيين، فتح باباً واسعاً للدجل باسم العلم وباسم الدين معاً. لقد كان يرغب في قطف الثمار سريعاً ودون عناء؛ ثمرة التكنولوجيا الغربية الحديثة التي هي نتاج تطور علمي تاريخي طويل، وثمرة الإيمان الحلوة من جنة وخلافه (فقد كان الرجل مؤمناً في جوهره)، أمّا الثمرة الثالثة، فقد كانت رؤوس خصومه. ولأنّه أدرك أنّ قطف الثمرة الثالثة بنفسه دونها صعاب وعرة، آثر أن يقطفها بأيدي الآخرين، فمهّد لصعود قوى الإسلام السياسي التي كانت بمثابة يده الحديدية لقمع من لا يتفق معه، مروّجاً للجماعات التي تتبنّى إيديولوجيا التدين الشرس، لأجل إنجاز المهام المرجوة دون أن تتلوث يداه. فإذا كانت بقية الحكاية معروفة، بداية من اغتيال الرجل، إلا أنّ المدهش، والغريب، والرهيب؛ أنّ منهج السادات في البحث عن الثمار السريعة، وعن "المقاولين" الذين يقطفونها له، لم يسقط بسقوطه، بل تحول إلى ما يشبه السياسة الحكيمة التي يتوارثها جيل بعد جيل من المسؤولين العرب، ليدركوا مرارتها بعد فوات الأوان.
أدت الأفكار التي سادت منذ عهد السادات إلى تعامل قطاعات كبيرة من المجتمع مع العلم الحديث كمنتج نهائي، محرك، طائرة، حاسب آلي، علاج وأدوية، يمكن استيراده واستخدامه لتقوية "الأمة"، دون إرهاق النفس بتبنّي "المنهج العلمي" القائم على المساءلة، والشك المنهجي، والتجريب. كان الهدف هو سد الفجوة العسكرية والاقتصادية مع الغرب، وليس الانخراط في "الروح العلمية" التي أنتجت هذه المنجزات. واعتمد هذا الخطاب على فكرة أنّ العلوم الطبيعية "محايدة"، وبالتالي يمكن فصل الاختراع عن السياق الثقافي والفلسفي الذي ولد فيه. وعليه تم قبول الفيزياء والكيمياء والطب، بينما رفضت العلوم الإنسانية والفلسفات المصاحبة (مثل العقلانية، العلمانية، أو حتى الوجودية) باعتبارها غزواً فكرياً يجب مناهضته.
لا نزعم في هذا المقال أنّ من خلف السادات يكرر خطواته بحذافيرها، بل نقصد بذلك منهج التفكير وجوهر الرؤية، فالمنطق نفسه ما زال يهيمن على عقول كثير من المسؤولين في البلدان العربية؛ وبنوايا حسنة بالتأكيد، لكنّها محكومة بالرؤى المغلوطة ذاتها التي برهن التاريخ على عقمها. إنّ الرغبة في التقدم واللحاق بالركب الغربي قد تسلك مسارات شتى، غير أنّ حسن النوايا وحده لا يضمن سلامة الطريق. فثمة مسار واحد لا بديل عنه؛ ألا وهو الاستعانة بالمناهج العلمية الرصينة، والتعلم اليقظ من تجارب الذات والآخرين، فهو طريق واحد، وما دونه ليس إلا سراباً. إنّ غياب المنهج العلمي، باعتباره طريقة تفكير لا مجرد استهلاك لمنتجات التقنية، يبدد كل جهد مبذول، ويجعلنا نراوح مكاننا كمن "يحرث في البحر"؛ والمفارقة الصارخة أننا في كل مرة ننتظر من ذلك الحرث ثماراً، فلا نجني إلا الملح الأجاج.
إنّ منهج البحث عن الثمار السريعة لم يسقط باغتيال السادات، بل نراه يتجسد اليوم في السياسات التعليمية التي تتعامل مع المعرفة بمنطق الضرورة التقنية. فالتوجه نحو تهميش العلوم الإنسانية، كالفلسفة وعلم الاجتماع، في المراحل التعليمية المؤهلة للجامعة لصالح المواد العلمية البحتة، ليس إلا إعادة إنتاج لخطأ السبعينيات؛ حيث نعدّ كوادر تقنية بارعة في التنفيذ، وعاجزة عن النقد والمراجعة. المؤسف أنّ هذا المنحى استمر في رسم السياسات التعليمية السائدة في معظم بلداننا العربية؛ وهي السياسات التي تصنع عقل الأمة وتوجهاتها المستقبلية. فالتوجهات التي سادت مؤخراً في الحقل التعليمي، والتي عبرت عنها بوضوح تصريحات بعض المسؤولين، تجعلنا نتوجس شراً قادماً. لقد أثارت التصريحات المتداولة المنسوبة إلى وزير التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر بشأن إعادة هيكلة التعليم الثانوي، وما تبعها من نقاشات حول مستقبل أقسام الفلسفة وعلم الاجتماع في الهيكل التعليمي، أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والثقافية. وفي مواجهة هذا النقد، ردت الوزارة بأنّ قراراتها تمليها "ضرورة تقنية"، تهدف لرفع تصنيف التعليم المصري دولياً في مجالات العلوم والرياضيات. واستمرت تأكيدات المسؤولين اللفظية على احترام "القيمة الأدبية" للعلوم الإنسانية.
ليس لدينا أيّ شك في النوايا الحسنة لصاحب القرار في توجهه هذا، فالدول الساعية لحجز موقع لها تحت شمس الحداثة وتطوير كفاءتها الإنتاجية، تميل غريزياً نحو تركيز مواردها وجهودها التعليمية والأكاديمية في مسار العلوم التجريبية والتكنولوجية. ويبدو هذا الخيار منطقياً، وجذاباً لصناع القرار، خاصة في المجتمعات الأكثر احتياجاً، لكونه يعد بمردود اقتصادي ناجز وفرص عمل ملموسة. إلا أنّ الاقتصار على هذا المسار التقني الصرف، مع تهميش العلوم الإنسانية، غالباً ما يفضي على المدى الطويل إلى نتائج عكسية ومربكة لصناع القرار أنفسهم. إنّ المفاضلة بين العلوم التقنية والعلوم الإنسانية وفق مقاييس حسابية جافة تغفل حقيقة بنيوية؛ وهي أنّ مخرجات العملية التعليمية هم "بشر" قبل أن يكونوا "تقنيين". فهذه الكوادر، مهما بلغت دقة تخصصها العلمي، تظل محكومة بمنظومات قيمية وتصورات إيديولوجية تشكل وعيها بالعالم. من هنا تبرز الأهمية القصوى للعلوم الاجتماعية والإنسانية، لا كترف فكري، بل كضرورة أمنية وحضارية؛ فهي التي تمنح المتخصص البوصلة الأخلاقية والرؤية الكليّة التي تحصنه من الانزلاق نحو مسارات تخريبية أو استغلال العلم في غير صالح الإنسان.
تقنيات بلا عقل: السياسات التعليمية كحاضنة للتطرف
ليس أدلّ على خطورة هذا الانفصام بين التكوين التقني والوعي الإنساني من تلك الظاهرة التي رصدها علماء اجتماع الدين والسياسة، والمتمثلة في الحضور الكثيف لخريجي الكليات العلمية، وخاصة الهندسة والطب والعلوم الطبيعية، في قيادات وقواعد الجماعات الإيديولوجية الراديكالية. هذا هو ما حدث بالفعل في مصر؛ فلو تأملنا الهيكل القيادي للجماعات الإسلامية في مصر (الإخوان المسلمون، والجماعة الإسلامية)، سنلاحظ هيمنة لافتة للنخبة التقنية؛ فالدكتور عصام العريان (طبيب) يجسد نموذج المهني الذي استثمر الشرعية العلمية لحيازة ثقة الطبقة الوسطى وقيادة العمل النقابي. أمّا الدكتور محمد مرسي (أستاذ هندسة المواد)، فيمثل الأكاديمي التقني الذي انصهر في القالب التنظيمي العقائدي. بينما يبرز المهندس خيرت الشاطر كعقلية تعكس "الإدارة الهندسية" في أدق صورها؛ حيث نقل أدوات التخطيط الاستراتيجي والهيكلة الصارمة من عالم المعامل والمخططات الهندسية إلى دهاليز التنظيم الإيديولوجي.
لا يمكن، بالطبع، تعميم هذه الخيارات على كافة المنتسبين إلى الكليات التقنية، لكن ما نفعله هو تسليط الضوء على ظاهرة "التقني الراديكالي". فدارس العلوم التطبيقية، الذي اعتاد ذهنياً على المعادلات ذات الحل الوحيد (صح أو خطأ)، يميل عند غياب التكوين الإنساني إلى البحث عن "كتالوج" مماثل لأجل إدارة المجتمع. هنا يجد في الإيديولوجيات المنغلقة نظاماً شبيهاً بالمعادلات الهندسية؛ يقدّم حلولاً قاطعة ونهائية لمشكلات بشرية معقدة لا يمكن حلها بالحسابات الجافة. ففي سياق تحليل آليات تشكل ما يمكن تسميته بالتقني الراديكالي؛ نجد أنّ المتفوقين من أبناء الطبقات المتوسطة يسعون للالتحاق بالكليات العلمية المرموقة، مدفوعين في ذلك بتطلعات مشروعة نحو الحراك الاجتماعي الصاعد والرفاه المادي. غير أنّ اصطدامهم بواقع اقتصادي لا يستوعب طاقاتهم، يولد لديهم حالة حادة من الاغتراب تجد حلها، عند البعض منهم، في انتهاج سبل عدوانية حيال المجتمع ومؤسساته، وبامتلاكهم لتقنيات متقدمة يتحول تمردهم إلى عنف مباشر.
تسهم العلوم الاجتماعية والإنسانية، وعلم اجتماع الدين تحديداً، في تفسير تحول هذا الاغتراب من سخط مادي عابر إلى انخراط إيديولوجي عميق، حيث يمنح التنظيمات الدينية المتطرفة هؤلاء الشباب "مشروعاً أسمى" يعوضهم عن تهميشهم التقني والاجتماعي. وبحكم افتقارهم للوعي النقدي، نتيجة التكوين الذهني الذي خضعوا له في مدارسهم التقنية الصرفة، ينسجم هؤلاء مع الإيديولوجيات التي تمنحهم إجابات ناجزة.؛ حيث تركز العلوم التقنية على التراكم المعرفي، والامتثال للقوانين الطبيعية؛ الأمر الذي يجعل العقل التقني، في حال غياب التكوين الفلسفي والاجتماعي، أكثر قابلية لاستقبال الأفكار الجاهزة، وتبنيها دون إخضاعها للنقد الاجتماعي والتاريخي اللازم.
خلط التخصصات: الفقيه في دور العالِم
لم تكن فوضى "المعرفة المؤدلجة" التي سادت منذ السبعينيات مجرد نتاج مصادفة، بل كانت انعكاساً لخلل بنيوي في السياسات التعليمية التي عجزت عن الفصل المنهجي بين "المقدس" و"المعرفي". فبينما أنتجت هذه السياسات نموذج "التقني المؤدلج"، أفرزت في المقابل طبقة من الدعاة الذين تصدروا للفتوى في الطب والفلك والجيولوجيا بناء على تأويلات لغوية، دون امتلاك أدوات تلك العلوم أو مناهجها. لقد ارتكبت المنظومات التعليمية خطأ استراتيجياً بتبنيها خطاباً يوهم المتلقي بأننا نمتلك العلم سلفاً داخل النصوص، ممّا خلق حالة من الاستعلاء الوهمي والكسل عن البحث الفعلي في أسباب التخلف والتبعية. هذا "التدجيل" الشعبوي نجح في زرع فخر زائف يوهم المجتمع بأنّ دينه يسبق العلم الحديث بقرون، ممّا خفف الضغط الشعبي عن المؤسسات التعليمية للمطالبة بإصلاح حقيقي للمختبرات والمناهج.
ومع صعود "الدعاة الجدد" في الثمانينيات، تم تسويق مصطلح "أسلمة العلوم"؛ وهي أطروحة بدأت كفكرة فلسفية لتوطين المعارف، لكنّ السياسات التعليمية الهشة سمحت بانحرافها لتتحول إلى "تدجيل معرفي" كامل الأركان. فبدلاً من استثمار الميزانيات في تشييد مراكز البحث، اتجه التوجه العام نحو تطويع النصوص لتتوافق قسراً مع الاكتشافات الغربية. كانت النتيجة الكارثية هي إفراغ العلم من جوهره كأداة للاستكشاف، وتحويله إلى مجرد وسيلة دعائية لتعويض الشعور بالنقص الحضاري.
إنّ هذه النسخة الشعبوية من "الأسلمة" لم تكن مشروعاً للنهضة، بل كانت هروباً تعليمياً من استحقاقات التحديث: العقلانية وحرية البحث. لقد أخطأت السياسات حين تعاملت مع العلم باعتباره "سوبر ماركت" ننتقي منه النتائج التقنية التي تخدم الإيديولوجيا أو احتياجات السوق، ونرفض منه الفلسفة المنهجية التي أنتجته. إنّ هذا الخداع المعرفي، الذي كرّس فكرة اقتناص الثمار مع قطع الجذور، لن يؤدي إلا إلى تبعية تقنية مزمنة؛ حيث تظل عقول الطلاب معطلة عن النقد، ومهيّأة للسقوط في فخ التطرف عند أول منعطف اجتماعي أو سياسي، لأنّها لم تتعلم كيف تفكر، بل تعلمت كيف تبرر.





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)