عامان من الجرائم التركية بحقّ العرب والأكراد في عفرين السورية

عامان من الجرائم التركية بحقّ العرب والأكراد في عفرين السورية

مشاهدة

09/07/2020

مطلع عام 2018؛ احتلت تركيا، بدعم من المعارضة السورية المسلحة (الفصائل المنضوية تحت الجيش الوطني)، منطقة عفرين شمال غرب سوريا، في إطار عملية "غصن الزيتون"، والتي، للمفارقة، شهدت تجريفاً كبيراً لأشجار الزيتون، لبناء معسكرات تركية مكانها.

الصحفي جمال العفلق، لـ "حفريات": هناك تنسيق بين الحكومة السورية وشيوخ العشائر العربية والكردية، لمواجهة الاحتلال التركي، في عفرين والشمال السوري من خلال المقاومة الشعبية

قبيل الاحتلال التركي تبعت المنطقة، ذات الأغلبية الكردية، للإدارة الذاتية الكردية، ونعمت بالاستقرار والتعايش السلمي بين سكانها الأكراد والعرب، واستقبلت بودّ ما يزيد عن 150 ألف نازح من المناطق السورية كافةً.

لكنّ الاحتلال التركي بدعم الفصائل المسلحة شرع في ارتكاب سلسلة جرائم ممنهجة بحقّ الأغلبية الكردية وعرب عفرين، بشكل أقلّ حدّة، واتّبعت تركيا سياسة إرهاب وجريمة ممنهجة بحقّ الأكراد، أدّت إلى تهجير 200 ألف كردي قسرياً، واستبدلتهم بنازحين سوريين وتركمان وشيشانيين، بهدف تغيير ديموغرافية عفرين، للقضاء على التماس الكردي مع حدودها.

الفوضى المنضبطة

فور احتلال تركيا لعفرين؛ أطلقت يد الفصائل المسلحة لنهب المحلات التجارية والمنازل والأنشطة الصناعية ومزارع ومعاصر الزيتون لمدة أسبوعين، حتى قررت تركيا نفسها إيقاف ذلك.

وعملت تركيا بعد ذلك على ضبط الأمن، وشرعنة عملية النهب؛ بالسماح للفصائل التابعة لها بالاستيلاء على عقارات كثيرة من الأكراد، للسكن فيها، ومشاركة أصحاب مزارع الزيتون في محاصيلهم، وهي المورد الاقتصادي الأول للمنطقة، مقابل السماح لهم بجمع المحاصيل وبيعها، وفرضت ضريبة 10% على قيمة المحصول، وضريبة 20% على تصدير زيت الزيتون، واضطر أصحاب الأنشطة الاقتصادية إلى مشاركة فصيل مقاتل بنسبة من الأرباح لحمايتهم من ابتزاز بقية الفصائل، فضلاً عن ذلك؛ صادرت تركيا مقرات حزب الاتحاد الكردي، وممتلكات المُهجرين قسرياً.

اقرأ أيضاً: القوات الموالية لتركيا تعيث إجراماً وعنصرية في شمال سوريا

وأطلقت تركيا يد الفصائل في خطف آلاف الأكراد من ميسوري الحال، وإطلاق سراحهم مقابل فدية، مكافأةً لهم على دورهم في القتال إلى جانبها، ما أدّى إلى الهجرة القسرية لعشرات آلاف الأكراد.

ما تزال عمليات الخطف هي الجريمة الأكثر شيوعاً في عفرين، وتقوم بها الفصائل الموالية لتركيا، وأشهرها لواء السلطان مراد، ولواء سليمان شاه، وهناك تقارير صحفية وحقوقية ترصد هذه الجرائم بشكل دوري.

وأطلق مركز "مسارات الشرق الأوسط" على إستراتيجية تركيا الأمنية في عفرين مصطلح "الفوضى المنضبطة"، وجاء في تقرير للمركز عن عفرين الآتي: استطاعت أنقرة خلق فوضى منضبطة تتحكّم بها كما تشاء، وتبقيها سيفاً مسلّطاً على رقاب أهالي عفرين يساعدها في تعزيز سيطرتها الأمنية.

اقرأ أيضاً: الذئاب الرمادية .. طليعة الغزو التركي لشمال سوريا

ورغبةً من تركيا في تقديم احتلال عفرين كنموذج إداري ناجح، عمدت إلى تقليل الانفلات الأمني المباشر، دون أن تمنع الفصائل نهائياً من خطف الأكراد، وفي المقابل زاد نشاط المخابرات التركية في اعتقال الأكراد.

عفرين.. مقاطعة تركية

وفق التفاهمات الروسية - التركية، والتي تأكدت في "اتفاق سوتشي" عام 2019، حظرت روسيا على تركيا تمكين المعارضة السورية من إنشاء مؤسسات إدارية تابعة لها في عفرين، وهو ما تفضّله تركيا، التي ضمّت الشمال السوري إدارياً إلى ولايات تركية، وفق تقرير مركز "مسار"، وصحيفة "حبر" السورية.

بناءً على ذلك؛ يشرف ولاة مقاطعات تركية على المنطقة، فيتولى والي كلّس إدارة منطقة إعزاز، ووالي غازي عينتاب إدارة منطقتَي جرابلس والباب، ووالي هاتاي منطقة عفرين.

يقول الصحفي السوري جمال العفلق: "ما تفعله تركيا اليوم يعود لحلم قديم جديد، وهو إنشاء إمارة تمتدّ من حلب إلى طرابلس في لبنان، وهذه الإمارة مفتاحها احتلال إدلب وفرض التعامل بالليرة التركية، وتغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة بالاعتماد على الجماعات المتطرفة".

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

 ويضيف العفلق في تصريحه لـ "حفريات": "تركيا تحاول، اليوم، التحايل وخداع كلّ من روسيا وإيران وذلك لكسب الوقت وفرض أمر واقع، وهو الاحتلال وقضم أراضٍ سورية جديدة، كما فعلت في لواء الإسكندرون".

عملت تركيا على تجفيف عفرين من كوادر الإدارة المحلية التركية بالاعتقال والتهجير، واستبدلتهم بأكراد موالين لها، من أعضاء ما يُعرف باسم "المجلس الوطني الكردي"، وموظفين تركمان وعرب من الحاملين للجنسية التركية، ورغم ذلك لم يسلم الأكراد الموالين من بطشها، حين اعترضوا على جرائم الفصائل المسلحة.

أسّست تركيا أجهزة أمنية متعدّدة لحفظ الأمن، لم تتضمن أيّ شخص من المكوّن الكردي أو من عرب عفرين، سوى ثلاثة عرب، واقتصرت على انتقاء العناصر من النازحين السوريين، من غوطة دمشق وحمص وحماه، وفق تقرير لمركز "مسارات".

وألحقت الأجهزة الأمنية بها؛ إذ يتبع الكوماندوز التركي (فرقة المهام السورية)، مديرية الأمن العام في أنقرة، ويعمل بأوامر مباشرة من الاستخبارات التركية، بينما تنقسم تبعية البقية بين مديريات الأمن التركي؛ في هاتاي، وغازي عنتاب، وكيليس، وأضنة.

لم تتوقف عملية التتريك على الإدارة المحلية والعسكرية؛ بل امتدت إلى كافة قطاعات الدولة والثقافة والتعليم، إذ يرى العفلق أنّ تركيا "تقوم بعملية تتريك ممنهجة للشمال السوري، وعفرين، ومن ذلك؛ استبدال التعامل النقدي بالليرة التركية، منع تدريس المناهج السورية للطلاب، واستبدالها بمناهج أخرى تصوّر التركي على أنّه صاحب الأرض، والاستيلاء على بيوت السكان المحليين والأنشطة الاقتصادية".

تقارير صحفية وحقوقية: فصيل سليمان شاه ارتكب جريمة قتل تحت التعذيب بحق نائب رئيس مجلس ناحية الشيخ حديد، أحمد شيخو، وخطفت فرقة الحمزة 10 نساء كرديات

ووفق تقرير مركز "مسارات"؛ تُشرف مديرية الصحة في ولاية هاتاي على المنظمات الطبية كافة، العاملة في عفرين، وتمنح تراخيص المستشفيات والنقاط الطبية والمستوصفات.

إضافة إلى ذلك؛ عملت تركيا على تدمير الاقتصاد المحلي في عفرين، التي كانت تعدّ من أغنى المناطق السورية، واستبدلت الاقتصاد الوطني باقتصاد قائم على التجارة مع الأتراك، كما أسندت مشاريع عدة إلى شركات تركية.

وتنفق تركيا على خططها في عفرين، وتسدّد وراتب الفصائل والقوى الأمنية، من الضرائب التي تحصلها لقاء النشاط الاقتصادي، ما يزيد من معاناة أهل عفرين ويحرم المنطقة من أموال كانت أولى أن تُستثمر في تنميتها بدلاً من إنفاقها على مشروعات أردوغان.

التهمة.. كردي

فرضت تركيا على أكراد عفرين نظاماً عنصرياً، للتنكيل بهم دون ذنب إلا أنّهم أكراد، وفي إطار ذلك؛ تشنّ الاستخبارات التركية، مدعومة بالأجهزة الأمنية الموالية لها، حملات اعتقال يومية بحقّ الأكراد.

سجلت تقارير صحفية وحقوقية عمليات قتل عديدة على يد الفصائل، منها؛ ارتكاب فصيل سليمان شاه جريمة قتل تحت التعذيب بحق نائب رئيس مجلس ناحية الشيخ حديد، أحمد شيخو، وخطف ميليشيا "الحمزة" لما يزيد عن 10 نساء كرديات، واحتجازهن بشكل مهين في مقرّ الفرقة في عفرين، وفق صحيفة "حبر".

بالتوازي مع ذلك، تشنّ المخابرات التركية حملات اعتقالات تطاول آلاف الأكراد، بتهمة الانتماء إلى حزب الاتحاد أو الوحدات الكردية، رغم انسحاب جميع المقاتلين وعناصر الحزب قبيل دخول تركيا إلى عفرين، وفق ما قاله ناشط سياسي من عفرين، في لقاء مع باحثي مركز مسارات.

يقول الصحفي الكردي، ابن عفرين، دلشاد جاويش إنّ تركيا تمارس التغيير الديموغرافي بكافة أشكاله، من تتريك أسامي القرى والأسواق، وتدمير المعالم الدينية الكردية من أضرحة ومزارات، وتدمير الآثار.

ويضيف جاويش لـ "حفريات": تفرض تركيا بطاقات الهوية التركية، وتعامل السكان الأصليين، الأكراد والعرب، كغرباء، وتقوم بتوطين نازحين سوريين على حسابهم، وإلى جانب ذلك؛ هناك جرائم القتل والخطف والاغتصاب بحقّ السكان الأكراد، لدفعهم إلى الهروب من المنطقة.

قوات تحرير عفرين

لم يستسلم أهل عفرين للاحتلال التركي الغاشم، فشكّل بعضهم مقاومة تحمل اسم "قوات تحرير عفرين"، نفّذت عدة عمليات ضدّ الأتراك والفصائل التابعة لهم، وآخرها عملية في حزيران (يونيو)، قُتل فيها 8 عناصر من فيلق الشام، في هجوم على نقطة عسكرية في قرية باصوفان.

وفي سياق ذلك، يقول الصحفي جمال العفلق، لـ "حفريات": "هناك تنسيق بين الحكومة السورية وشيوخ العشائر العربية والكردية، لمواجهة الاحتلال التركي، في عفرين والشمال السوري، وفق إستراتيجية جديدة تتبعها الحكومة لمواجهة تركيا من خلال المقاومة الشعبية، ومنح المناطق المحررة استقلالاً إدارياً كبيراً".


الصفحة الرئيسية