
بعد أكثر من 47 عاماً على قيام النظام السياسي في إيران، يمكن رصد نمط ثابت في سلوكه الخارجي يقوم على الجمع بين خطاب شديد الندية وممارسة سياسية تعتمد في العمق على إدارة الأزمات وتوسيع هامش المناورة. فمنذ عام 1979 سعت طهران إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية مستقلة في مواجهة الضغوط الغربية، غير أنّ هذا التوجه ظل دائماً محكوماً بميزان دقيق بين التصعيد والمرونة، وبين تحدي القوى الكبرى وتجنب الانفجار الكامل مع النظام الدولي.
بالتالي، شكّل الملف النووي الإيراني أحد أبرز تجليات هذه المقاربة. فعلى الرغم من توقيع الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1)، فإنّ الاتفاق لم يؤدِّ إلى إغلاق الملف بشكل نهائي، بل بدا أقرب إلى إطار مؤقت لإدارة الخلاف. إذ تشير تطورات السنوات اللاحقة إلى أنّ إيران واصلت تطوير قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم ضمن مستويات مختلفة من الالتزام أو الانسحاب الجزئي من بنود الاتفاق، مستفيدة من التباينات الدولية ومن تراجع مستوى الإجماع الغربي حول كيفية التعامل مع طهران.
هذا النمط من "إدارة التوازن" منح النظام الإيراني مساحة معتبرة من الحركة، سمحت له بتجاوز الضغوط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أنّ هذه المساحة تبدو اليوم أكثر انكماشاً من أيّ وقت مضى، في ظل التحولات في الموقف الأمريكي، ولا سيّما مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى تبنّي سياسة تقوم على الضغط الأقصى وربط أيّ تسوية مستقبلية بشروط أكثر صرامة تتجاوز الملف النووي لتشمل النفوذ الإقليمي وبرامج الصواريخ والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين.
في هذا الإطار يواجه النظام الإيراني وضعاً تفاوضياً مختلفاً جذرياً عمّا كان عليه في السابق. فالمعادلة لم تعد قائمة على تبادل تنازلات تدريجية ضمن مسار طويل، بل باتت أقرب إلى مفاضلة حادة بين خيارات محدودة، جميعها عالية الكلفة. وبعبارة أخرى؛ فإنّ هامش "المناورة التقليدية" الذي اعتمدت عليه طهران لعقود يبدو اليوم في أدنى مستوياته، مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية في آنٍ واحدٍ.
على الصعيد الداخلي لا يقلّ المشهد تعقيداً، فالنظام الإيراني يواجه منذ سنوات حالة تراكمية من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تفجرت بشكل واضح في موجات احتجاج واسعة، كان أبرزها احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026 التي عكست مستوى غير مسبوق من التوتر بين الشارع والسلطة. هذه الاحتجاجات، بغضّ النظر عن شكلها أو امتدادها، كشفت عن عمق أزمة الثقة داخل المجتمع الإيراني، وعن تراجع القدرة التقليدية للدولة على امتصاص الغضب الشعبي عبر الأدوات الأمنية أو الاقتصادية فقط.
هذا الواقع الداخلي يفرض بدوره قيوداً إضافية على القرار السياسي الإيراني. فكل خيار خارجي بات مرتبطاً بشكل مباشر بحسابات الداخل. وأيّ تنازل كبير في الملف النووي أو الإقليمي قد يُقرأ داخلياً كعلامة ضعف، بما يفاقم الاحتقان الاجتماعي ويزيد من احتمالات عودة الاحتجاجات. وفي المقابل، فإنّ أيّ خيار تصعيدي خارجي، سواء عبر التوتر مع الولايات المتحدة أو عبر ساحات إقليمية، قد يفتح الباب أمام ضربات تستهدف البنية الاقتصادية الحساسة، وعلى رأسها قطاع الطاقة، الذي يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الإيراني.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً في ظل التهديدات المتكررة التي صدرت في أكثر من مناسبة من الجانب الأمريكي بشأن استهداف منشآت استراتيجية داخل إيران في حال تصاعد التوتر. وهي تهديدات، سواء تم تنفيذها أو بقيت في إطار الردع، تفرض سقفاً إضافياً على قدرة طهران على الذهاب نحو المواجهة المفتوحة.
أمّا خيار "اللاحرب واللاسلم"، الذي قد يبدو ظاهرياً خياراً وسطاً، فإنّه أيضاً يواجه تحديات بنيوية. فإدارة حالة توتر مستمر دون حسم تتطلب قدرة اقتصادية عالية على تحمل الاستنزاف، إضافة إلى استقرار سياسي داخلي نسبي، وهو ما يبدو غير متوفر بالكامل في الحالة الإيرانية الراهنة. فالاقتصاد يعاني من ضغوط العقوبات وتراجع الاستثمار، ويتزايد العبء الاجتماعي الناتج عن التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.
بناءً على ذلك، تبدو الخيارات أمام طهران اليوم محصورة ضمن معادلة شديدة الضيق: إمّا القبول بتسوية تفاوضية بشروط أكثر صعوبة من السابق، وإمّا الدخول في مسار تصعيدي عالي المخاطر، أو محاولة الاستمرار في إدارة الأزمة دون أفق زمني واضح، وهو خيار يبدو الأكثر هشاشة على المدى المتوسط.
في ضوء هذه المعطيات يمكن القول إنّ إيران تقف أمام مرحلة مفصلية في سياستها الخارجية. فالمعادلة التي حكمت سلوكها لعقود، القائمة على توسيع هامش الحركة بين الضغوط الخارجية والتماسك الداخلي، تتعرّض اليوم لاختبار غير مسبوق. ومع تراجع القدرة على المناورة، وتزايد كلفة الخيارات كافة، يبدو أنّ أيّ مسار قادم لن يكون امتداداً سلساً لما قبله، بل سيكون انتقالاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً، قد تعيد رسم حدود الدور الإيراني إقليمياً ودولياً بشكل أعمق ممّا شهدته السنوات الماضية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)