
صباح يوم السبت 26 يوليو/ تموز أعلن التليفزيون اللبناني وفاة الفنان "زياد الرحباني" عن عمر ناهز 69 عاما، بعد صراع مع المرض، وغادر عالمنا جسده النحيل الثائر، بعد أن ترك بصمته المميزة على المشهد الفني اللبناني والعربي، كان متقلبا وحيا كالبحر، تارة يملاء القنوات بحوارته وسخرية المريرة، وتارة يتوارى عن الأضواء في صمت مطبق، لكن سكوتة أشبه بالستكة الموسيقية يأتي بين نغمة وأخرى، وفي الخلفية تسيطر علينا أغانيه، وألحانة وعباراته الساخرة المريرة.
عن زياد
وُلد زياد الرحباني في يناير 1956 في منطقة أنطلياس بلبنان، في بيت يتنفس الموسيقى، فوالدته المغنية الكبيرة "فيروز"، ووالده الملحن الشهير "عاصي الرحباني"، بدأ مشواره الفني والفكري في سن مبكرة فيحكي في لقاء تلفزيوني عن أول أغنية شارك في تلحينها وهو في سن السابعة، وكانت الأغنية هي "بكرة برجع بوقف معكم"، حين عاد والده إلى المنزل، ليجده يلعب جملا موسيقية على البيانو، فسأل زياد: أين سمعتها؟ فرد عليه: في رأسي! سأله مرة أخرى: متأكد أنك لم تسمعها في الراديو؟ فقال له: لا بل هي من رأسي، فطلب منه إعادتها مرة أخرى ليدونها وينسجها في أغنية فيروز، يعقبها الأغنية التي لحنها لخالته الفنانة "هدى" وكانت "ضلي حبيني يا لوزية"، ثم الأغنية التي يعتبرها الكثيرون نقلة في أسلوب "فيروز" وهي "سألوني الناس"
فبدأ من عباءة الرحبانية، في موسيقاه وألحانه حتى أن الكثيرون لايستطيعون تمييز بعض أعماله عن أعمال والده، ورغم ضخامة الإرث الرحباني الذي كان بالفعل قد ساهم في تشكيل الوعي لأغلب الشعب اللبناني، بعد فترة وجيزة أسس هويته الفنية الخاصة، فمزج موسيقي الجاز بالموسيقى العربية والفولكلور اللبناني، وخلق موسيقى ثائرة كحالته.
وعي بالظلم في سن مبكر
حين نتحدث عن زياد لا نتحدث فقط عن ظاهرة موسيقية فكرية، آمنت بالعمل الفني كوسيلة للتغيير، لكنه أيضا سياسي بامتياز، هو من أكثر من نجح في استخدام الفن لتوجيه الرسائل السياسية، لتوعية الشباب والأجيال، ورفض الواقع، ورفض الأزمة ورفض ما يفرض على الشعوب.
يحكي في أحد لقاءاته أنه في سن السابعة كان متجها إلى المدرسة في الصباح الباكر، وعندما توقفت السيارة في إشارة المرور رأى طفل في نفس عمره يقترب على قدميه ويطلب الأموال من السائق قائلا : مصاري! رغم هطول الأمطار وبرودة الجو القارسة، فشعر بالفارق القاسي بين الطبقات رغم صغر سنه، ويعتبر الرحباني أن هذا الموقف غير نظرته إلى الحياة، وتسائل لماذا يمكنه أن يذهب للمدرسة في سيارة لها سائق خاص، ويعود إلى منزله الدافئ بينما هناك طفل في نفس عمره مضطر للتسول في هذا الجو حتى قبل شروق الشمس؟
في رثاءه
نعاه الشاعر اللبناني "هنري زغيب" قائلا: موجع غياب زياد ، بقدر ما كان موجعا صمته في الأشهر الأخيرة، وددت لو لا أتكلم الآن عن زياد هذا العبقري ابن عاصي وفيروز، الذي كان محطة مفصلية في الفن اللبناني وددت لو لا أتكلم لو أصمت كما هو صمته في الأشهر الأخيرة، ولكنها شهادة مني وأنا من رافق فيروز وعاصي ومنصور، وأقول أن زياد كان حالة خاصة، في مسرحة وفي حواراته ،وفي ألحانه، وفي توزيعاته، ولقد كان موزعا متفردا في الوطن العربي ، زياد يصمت اليوم ولكن أعماله ستظل معنا وبيننا، تماما كأعمال والده عاصي الرحباني الذي ظلت أعماله هو ومنصور ترافقنا حتى بعد وفاته بسنوات، المجد للفنان العظيم الذي يغيب ويترك أعماله لنا، ولذلك غياب زياد اليوم سيكون حضورا أقوى من أي سطوع، ولا يسعني إلا أن أقول يا زياد أطال الله عمر غيابك لأن غيابك دخل فينا ولن يبتعد.
زياد الانسان اختصره بكلمة واحدة هي "العذاب" ، زياد أضحك الناس وهو في قلبه يبكي، زياد عاش مآسي طويلة في حياته، وكان صامتا، منذ أول شبابه اصطدم بالمآساة السياسية في وطنه واتخذ لنفسه نهجا هربا مما كان يؤمن أنه صحيح، وبعدها بدأت تتداعى المآسي سواء في حياته الخاصة والعاطفية، أو الوطنية والسياسية.
وأقول للجيل الجديد الذي لا يعرف زياد، أن زياد قدم لكم فيروز بشكل يختلف عن عاصي ومنصور، فضل زياد على صوت فيروز أنه نقله للجيل الجديد، إلى الشباب والفتيات الذين لم يستمعوا لفيروز مع عاصي ومنصور، لكن مع زياد اتسعت مساحة استقبال الجيل الجديد لصوت فيروز أعطاها مساحة جديدة، غير شاعرية عاصي ومنصور، بكلمات بسيطة تصاحبها ألحان عصرية
ونعاه الشاعر المصري "إبراهيم عبد الفتاح" على حسابه الشخصي على فيس بوك قائلا: في رحيل زياد رحباني، لا نفقد موسيقاراً ومسرحياً فحسب، بل نخسر آخر الأصوات التي كانت تدافع عن الحلم في وضح النهار. رحل من شرب المرارة وهو يغني، من صرخ على الخشبة وعلى البيانو، من سخر من الجميع بمن فيهم نفسه، ولم يتورّع عن خض الساكن وهز الموروث، حتى لو كان اسمه "الرحباني".
زياد لم يكن "ابن فيروز" فقط، كان ابن القهر اللبناني، ابن شوارع بيروت الغاضبة، ابن الحروب التي عرف كيف يحولها إلى موسيقى تضحك وتبكي في آن. كان الوارث الحقيقي لتمرد سيد درويش وجنون إمام عيسى، يغلي صوته بروح المقهورين ويصدح ضد الساسة والسلطة والدجل والادعاء.
لم يمت زياد اليوم، بل مات على مراحل. مع كل قضية خذلت، مع كل حلم طمر، مع كل ساحة فرغت من المتظاهرين، مع كل كلمة حرة سحقت في الإعلام أو في الرقابة. مات عندما ضاقت بيروت، وتقلصت مساحة الحرية، واختنق الهواء برائحة الطائفية والعفن السياسي. مات حين صار الأرز مجرد شعار، واللوز نبتة نادرة في أرض مجرفة بالخراب.
رحل زياد... وترك البيانو مفتوحاً على نغمة ناقصة، وضحكة ساخرة عالقة في الهواء.
سنفتقدك يا ابن التمرد النبيل، أيها الحالم الوقح، الرافض الأبدي للمساومة.
غياب زياد... خسارة وطنية عربية لا تُعوّض
برحيل زياد الرحباني، لا نخسر فنانًا مبدعًا فحسب، بل نفقد ضميرًا ثقافيًا ظل لعقود يواجه العبث السياسي والسكون الثقافي بسخرية حادة وموسيقى عميقة. صوته كان صدىً لما يختلج في صدور المقهورين، وبيانًا شعريًا دائمًا للعدالة والوعي والتمرد النبيل.
لم يكن زياد نجمًا في سماء الفن فقط، بل كان مرآةً لحقيقة موجعة، ومزيجًا نادرًا بين العبقرية الفنية والوعي السياسي. فقدانه فاجعة لكل من آمن أن للفن دورًا في إصلاح العالم أو على الأقل فضح عيوبه.
من لبنان إلى مصر، من العراق إلى تونس، تردد صوته ونغماته ورسائله. رحل جسد زياد، لكن أعماله باقية، حيّة، تنبض بالرفض، وتُحرّض على التفكير، وتواسي من لا عزاء لهم سوى الإبداع الصادق.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)