الأغنية الصومالية تقاوم الحرب والتحريم وتلاحقها الرداءة

الصومال

الأغنية الصومالية تقاوم الحرب والتحريم وتلاحقها الرداءة

مشاهدة

30/10/2018

لطالما عدّ الصوماليون الشعر يحتلّ هرم تراثهم الأدبي، وأطلق عليهم المستشرق البريطاني، ريتشارد برتون، لقب "أمة من الشعراء"، وشكّل الشعر المادة الأساس للغناء في الرقصات الفولكلورية والإيقاعات الإفريقية التي عرفها الصوماليون قبل وصول العود العربي.

ويجمع الغناء الصومالي بين الشعر والنغمات المميزة للموسيقى الإفريقية، وهي ممارسات تقليدية متوارثة انتقلت سماعياً، بلا انقطاع عبر الأجيال، تعتمد على الارتجال والحوار والتفاعل وبساطة اللحن، وتتناول مواضيعها أشعار العشق والحكمة والتغني بالطبيعة، كما تتضمّن أشعاراً تنادي القبيلة، وتمجّد بطولاتها، وتستنجد بالفرسان، وتستنهض همم الرجال.

اقرأ أيضاً: الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

ودخلت الأدوات الموسيقية في الغناء الصومالي، عام 1930، مثل الإيقاعات والألحان على العود والكمان والأكورديون والأدوات الأخرى، وظهرت في ذلك الوقت أنواع غنائية جديدة مثل: (balwo) و(hello)، والتي ستتطور في وقت لاحق إلى "القرامي"، و"البنادري"، و"الجاز" وغيرها، عبر التلقيح مع موسيقى البلدان المجاورة.

تعرضت الأغنية والموسيقى في الصومال للمنع والتضييق من قبل رجال الدين الذين يرون بعدم جواز الغناء أو الموسيقى

تم إدخال الأدوات الموسيقية التقليدية في الغناء الصومالي؛ مثل أداة (nasaro)؛ وهي طبول ثقيلة وطويلة، و(madhuube)؛ وهي آلة موسيقية إفريقية تتكون من لوح خشبي، و(fuugwo)؛ وهي آلة شبيهة للعود العربي، و(muufe)؛ وهو البوق، و(seese)؛ وهو الكمان ذو الوتر الواحد.

مثل إدخال هذه الأدوات نقطة تحوّل توسع إليه الغناء الصومالي إلى ما وراء حدود الغناء الشعبي التقليدي، وذهب للتفاعل واستيعاب أنواع غير صومالية، مثل: المقام العربي، والطرب الشرق إفريقي، وموسيقى الجاز.

بداية الأغنية الصومالية الحديثة

كان الغناء الصومالي قبل الستينيات والخمسينيات، يقتصر على الرقصات الفولكلورية مثل: (xoogweyn)، و(saddexley)، و(dhaanto)، و(hirwo)، و(wilwile saylici)، جنباً إلى جنب، مع أغاني الرقص النسائية، وتهويدات الأمهات، وكذلك أغاني العمل المليئة بالحيوية، مثل أغاني الرعاة والمزارعين والبنّائين.

رقصة "dhaanto دانتو" واحدة من أكثر الرقصات شعبية في الغناء الصومالي

 

وبحسب الباحث والشاعر بشير غود؛ فإنّ بداية الأغنية الصومالية الحديثة تعود إلى الفنان الصومالي عبدي ديقسي ورفا، المعروف باسم عبدي سنيمو، الذي ابتدع النوع الغنائي Balwo))؛ وهو أول نوع غنائي صومالي حديث.

تسود المشهدَ الغنائي الصومالي حالة من تكرار اللحن والكلمات ومحدوديتها تحت ضغط المهمة الرّبحية التي تمجّد قيم السوق

في فترة شبابه، تدرّب عبدي سنيمو على العديد من أنواع الشعر الصومالي، مثل: "الغباي"، و"الجيارار"، و"الجيب"، و"جييفتو"، وإلى جانب ذلك؛ تعرّف عبدي سينمو أيضاً إلى الأغاني العربية التي كانت تجلب من مدينة عدن اليمنية، وتُعرف هذه الأغاني باسم (دنيا ديواني)، وقد تم لعب هذه الأغاني على الفونوغراف ومجموعة أحذية بيضاء ونظيفة (kabacad)، مع ملء فواصل الموسيقى بتصفيق متقطع يتشكّل منه إيقاع غنائي معيّن.

بقيت أغاني "دنيا ديواني" مهيمنة في الأعوام ما بين 1939 و1943، حتى ولدت أغنية (Balwo)؛ حيث تم استبدال الكلمات العربية بالصومالية، في حين بقيت الموسيقى كما هي، وراجت هذه الأغاني في أول الأمر في قاعات مضغ القات، حيث يجلس الرجال والنساء للغناء معاً، في حين ترقص الفتيات أمامهم، وتعرف بـ taxriig) )؛ وهو نوع شبيه للرقص الشرقي.

أغنية بالو ( Balwo)، غناء الفنان إبراهيم جرابيري

 

فترة الأغاني الثورية والوطنية

أدّى دخول الأجهزة الموسيقية الحديثة، وفتح أبواب العلاقة التاريخية لشبه الجزيرة الصومالية مع شبه الجزيرة العربية، والهند، وجنوب شرق آسيا، وحتى الصين، إلى تحويل الحزام الغنائي الصومالي الممتد من جيبوتي إلى هرجيسا، وصولاً إلى مقديشو، إلى منطقة تمتاز بغناءٍ نابض بالحياة.

اقرأ أيضاً: كيف تحارب السنغال التطرف بالغناء؟

كما أدّى تنويع موضوعات الغناء ودخول الأغنيات الوطنية على الخط إلى تطوير الغناء الصومالي؛ من حيث الشكل والمضمون، وتأسّست فرق غنائية عديدة تتغنّى بالثورة والتحرّر من الاستعمار، وتستنهض هِمَمَ الصوماليين وتحثّهم على الوحدة والتآزر.

تراجعت فرقة (Balwo)، عام 1946، وحلّت محلّها مجموعة أكثر تطوراً من الاسم الفرنسي (Bons Bras) "الأيادي الجيدة"، وحقّقت الفرقة الجديدة انطلاقة من خلال عرض أول مسرحية حديثة بعنوان "خلود" (Abiido) في مسرح عام 1955، وبعد ذلك بوقت قصير؛ شهدت مدينة هرجيسا حدثاً تاريخياً آخر، مع إنشاء فرقة "إخوة هرجيسا" (Walaalaha Hargeisa)، التي تمّ تشكيلها من قبل عبد الله قَرْشَيْ، وهو أول صومالي يعزف على العود أثناء الغناء، بمعيّة حسين عوض فارح، الملحن والكاتب المسرحي.

وفي أوج النضال من أجل الاستقلال، تصاعد الغناء الثوري والوطني لتثقيف الناس وإثارتهم للقتال من أجل حريتهم؛ وهو أسلوب يحمل تعبيراً قوياً للوطنية والوحدة والتكاتف، وجاءت أغنية ( jawhara luula) "جوهرة لول" فاتحةً لهذا النوع الجديد من الغناء، وتؤدّى بمصاحبة العود والطبل.

أغنية "جوهرة لول"، أداء الفنان الصومالي عمر طولّي

 

نهضت الفرق الغنائية في ذلك الوقت بدورٍ كبير في تطوير الغناء الوطني، وأنتجت فرقة "إخوة هرجيسا" بعضاً من أكبر الأسماء الفنيّة الصومالية، وهم جيل من الفنانين الذين يصنع اسمهم تاريخ حقبة، أمضوا حياتهم بغناء النصوص الأدبية العظيمة، وبالدفاع عن المستضعفين؛ حيث النضال القومي بالأغنية، وبالعاطفة التي تفتح الطريق مباشرة من الفم إلى القلب.

الفترة الذهبية للأغنية الصومالية

تعدّ السبعينيات والثمانينيات، وهي فترة استقرار اقتصادي نسبي وقمع سياسي شديد، واحدة من أكثر الفترات ازدهاراً في تاريخ الأغنية الصومالية، ظهرت في تلك الفترة فرقٌ متنوعة، ولديها مرجع شامل يحوي العديد من أنواع الغناء الصومالي والأجنبي، ومن أبرز الفرق في ذلك الوقت؛ "فرقة إيفتين"، وفرقة "وابيري مقديشو"، وفرقة "وابيري هرجيسا"، من بين مجموعات أخرى، وما تزال تلك الفرق تمثّل خلاصة إمكانات الموسيقى والغناء الصوماليين، وتشكّل الذاكرة الموسيقية الجماعية للشعب الصومالي.

الأغنية السودانية "صدفة غريبة"، غناء البرلماني الصومالي "طلحة" بجانب الفنان الصومال أحمد ناجي

 

 

من اللافت؛ أنّ هذه الفترة، التي يعدّها كثيرون العصر الذهبي للأغنية الصومالية، كانت في ظلّ حكومة اشتراكية، وكانت صناعة الموسيقى والغناء مؤممة، ومسيطر عليها من قبل الدولة.

أدّى تنويع موضوعات الغناء ودخول الأغنيات الوطنية على الخط إلى تطوير الغناء الصومالي؛ من حيث الشكل والمضمون

وكانت تسجل الأغاني من قبل محطات الراديو الرسمية، ويتم نشرها فقط من خلال البثّ العام أو العروض الحيّة التي ترعاها الدولة، ولم تكن الأغاني متاحة للإطلاق الجماعي، كما أنّ العلامات الخاصة كانت شبه معدومة، ونتيجة لذلك، لم يصل معظمها خارج الصومال والمنطقة المجاورة.

لكن بثّت بعض المحطات الإذاعية، في أديس أبابا والقاهرة ولندن وموسكو وبكين، في أوقات مختلفة، الشعر والغناء الصوماليين، كما قام بعض الفنانين الصوماليين بجولات في السودان ومصر ونيجيريا ودولٍ أخرى في تلك الفترة.

أغنية "السبات الإفريقي"، غناء الفنانة حليمو مغول

 

 

وجاءت لحظة التتويج للموسيقى والأغنية الصومالية، بمشاركة فرقة "وابيري"، في المهرجان الدولي الثاني للفنون السوداء والإفريقية (FESTAC '77) ، في لاغوس بنيجيريا، وكانت عروض الفرقة في المهرجان من أكثر العروض إثارة وإعجاباً.

سنوات الحرب والتحريم

مع انهيار الدولة الصومالية، عام 1991، كانت الموسيقى والغناء الصوماليين من بين أسوأ المتضررين، وكانت المهمة الشاقة المُلقاة على عاتق الأفراد تتمثل في الحفاظ على أِشرطة الكاسيت للأغاني من التلف.

 

وتطوّعت مجموعات من الأفراد على العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، مثل الفنانة الراحلة مريم عمر علي، التي جمعت أكثر من 9000 أغنية ومسرحية على مرّ السنين، قدمّتها لجامعة عمود، إلّا أنّ قدراً كبيراً من عملية الحفاظ قام به موظفو إذاعة "هرجيسا"، وإذاعة "مقديشو"، الذين خاطروا بحياتهم وبقوا على الرغم من الحرب لإنقاذ مجموعات لا تقدر بثمن من الأغاني الصومالية، وتمّ نقل الآلاف من أشرطة الكاسيت والبكرات إلى جيبوتي وإثيوبيا المجاورتين، وتمّ دفنهم تحت الأرض لتتحمل الضربات الجوية التي كان يشنها النظام العسكري، سياد بري، ضدّ مواطنيه.

وتعود القصة إلى عام 1988، عندما شنّ الدكتاتور العسكري في الصومال، سياد بري، بالهجمات الجوية على منطقة صومال لاند؛ التي كانت تناضل من أجل الاستقلال، استهدف بري راديو "هرجيسا" في عاصمة صومال لاند، لقطع الاتصال بين المعارضين خشية تنظيم أية أعمال مقاومة.

اقرأ أيضاً: أم كلثوم الصحفية: وجوه متعددة لسيدة الغناء العربي

وقد قام فريق من شركة "أوستيناتو ريكوردز"، وهي شركة مقرها نيويورك، تعمل في مجال توثيق الموسيقى من القارة الإفريقية، برقمنة جزء كبير من تلك الأغاني، وأعرب مؤسس المشروع، فيك سوهوني، عن أهمية إحياء ومشاركة الموسيقى الصومالية القديمة لإلقاء الضوء على جوانب العظمة للموسيقى الصومالية.

ويمثل ألبوم "الحلويات المكسورة: الأشرطة الصومالية المفقودة"؛ وهو تجميع لموسيقى السبعينيات والثمانينيات، ويتكون من 15 أغنية، واحدة من الأشرطة الكاسيت والبكرات الرئيسية التي تم استخراجها من الملاجئ، بعد أن تم إخفاؤها لحمايتها أثناء الحرب الأهلية في الصومال.

مشروع شركة "أوستيناتو ريكوردز" لتجميع الأغاني المفقودة في القرن الإفريقي

وإضافة إلى أضرار الحرب، تعرضت الأغنية والموسيقى للمنع والتضييق من قبل رجالات الدين، الذين يرون بعدم جواز الغناء أو الموسيقى، ولا يقتصر الأمر على أنّ الشركات الصومالية التي يهيمن عليها في الغالب رجالات الدين، لا تقدم أيّ دعم للفنون أو الأنشطة الثقافية ككلّ فحسب، بل هذه الشركات تسيطر على محطّات فضائية عديدة، وتمنع الغناء وتعدّه من المحرّمات.

وفي المناطق التي يسيطر عليها الجهاديون في الصومال؛ اغتيل العديد من الفنانين، وتمّت ملاحقة آخرين، وأجبروا على الفرار إلى الخارج.

ما بعد الحرب: امتياز الرداءة

واليوم، تواجه الأغنية الصومالية مهمة شاقة، تتمثل في إعادة إنشاء الفنّ الصومالي من جديد، لأنّ الكثير من المصادر الموسيقية والغنائية قد تعرضت لأضرار بالغة، وتدمرت بشكل جزئيّ أو كليّ جراء الحرب الأهلية، وبات الفنانون في فترة ما بعد الحرب يكادون لا يستطيعون الوصول إلى تراث الأمس، وربما لا يدرك بعضهم وجودها.

لم تكن الأغاني متاحة للإطلاق الجماعي كما أنّ العلامات الخاصة كانت شبه معدومة ولهذا لم يصل معظمها خارج الصومال والمنطقة المجاورة

وفي هذا الصدد؛ يثير إرث سنوات الحرب الطويلة والتدمير الذي طاول كل شيء، بما فيها الغناء، تساؤلاً عن مدى استمرارية علاقة الأغنية الصومالية الجديدة بالأجيال السابقة، والتجربة الغنائية السابقة؛ حيث يرى الكثير من المراقبين للمشهد أنّ الحركة الغنائية الصومالية الجديدة لا تمثل استمراراً لمسيرة التطور الغنائي، وأنها منقطعة عن التراث الغنائي القديم.

وتسود الآن، في المشهد الغنائي الصومالي، حالة من تكرار اللحن والكلمات ومحدوديتها، تحت ضغط المهمة الرّبحية التي تمجّد قيم السوق ونِسب المشاهدة والانتشار، على حساب القيمة الفنية، كما أنّ غياب دور المعاهد العليا للفنون والغناء والمسارح الوطنية زاد من عملية تسليع الفنّ تلك ورداءتها.

اقرأ أيضاً: هل فشلت الأغنية السودانية حقاً من اختراق الأذن العربية؟

الخفة، التي تنتشر نماذجها على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً الفيسبوك، الذي يتيح استجابة سريعة من المتابعين، ناتجةٌ عن وفرة التقنيات التصورية الجديدة المغرية، حيث غدت عملية إنتاج أغنية جديدة لا تتطلب سوى امتلاك كاميرا وتقنيات تسجيل جديدة، ويُهمل الباقي، أو تتم سرقته من أغانٍ قديمة.

الصفحة الرئيسية