
منذ أكثر من عقد تعيش جماعة الإخوان المسلمين حالة ارتباك تنظيمي غير مسبوقة، لم تعد مرتبطة فقط بالضربات الأمنية أو الخسارة السياسية في مصر، بل بتآكل داخلي أعمق طال بنية التنظيم نفسه. وفي هذا السياق جاء إطلاق مشروع "رسوخ" من قبل ما يُعرف بجبهة إسطنبول كأحد أحدث محاولات الجماعة لمعالجة أزمتها البنيوية، خصوصًا في صفوف الشباب الإخواني في الخارج. غير أنّ المشروع، الذي رُوّج له بوصفه إعادة تأطير إيديولوجي وتنظيمي، سرعان ما انكشف كحل شكلي، عاجز عن تجاوز الانقسام، بل يُسهم في تعميقه.
سياق الانقسام: جماعة بلا مركز قرار
لا يمكن فهم المشروع بمعزل عن الانقسام الحاد داخل جماعة الإخوان، إذ تتنازع الشرعية جبهتان رئيسيتان في الخارج؛ جبهة إسطنبول التي تسيطر على جزء معتبر من الموارد التنظيمية، وجبهة أخرى أكثر ميلاً للبراغماتية السياسية، طرحت خطاب المصالحة والابتعاد عن الصدام مع الدولة المصرية. هذا الانقسام لم يكن تنظيميًا فحسب، بل إيديولوجيًا ورؤيويًا، انعكس بوضوح على تعريف الجماعة لذاتها، وعلى علاقتها بأعضائها، وبالواقع السياسي المحيط بها.
في هذا المناخ المأزوم ظهر "رسوخ" ليس كمشروع جامع، بل كمبادرة صادرة عن طرف بعينه، وهو ما جعله منذ البداية محمّلًا بأعباء الصراع الداخلي، ومحكوماً بسقف سياسي وتنظيمي ضيق.
فكرة المشروع: إعادة تأطير أم إعادة انضباط؟
قدّم القائمون على "رسوخ" المشروع بوصفه إطارًا لإعادة ترسيخ ثوابت الجماعة، وبناء وعي تنظيمي جديد لدى الشباب، خاصة أولئك الذين وجدوا أنفسهم في المنفى بعد 2013، بعيداً عن البنية التقليدية للتنظيم. لكنّ القراءة المتأنية لمضامين اللقاءات والورش التي نُظمت في إطار المشروع تكشف أنّ الهدف الفعلي لم يكن إنتاج وعي جديد، بل إعادة فرض الانضباط التنظيمي، وضمان ولاء الأجيال الشابة للقيادة القائمة.
وبدلاً من طرح أسئلة نقدية حول تجربة الجماعة، أو فتح نقاش جاد حول أسباب الفشل السياسي والتنظيمي، انشغل المشروع بإعادة تدوير خطاب الطاعة، والالتزام، والحفاظ على "الصف"، وكأنّ الأزمة التي تعيشها الجماعة هي أزمة التزام لا أزمة رؤية.
الشباب الإخواني: الفجوة التي لم تُردم
أحد المبررات الأساسية لإطلاق "رسوخ" كان ما وُصف بحالة السيولة الفكرية لدى الشباب الإخواني في الخارج، وابتعاد بعضهم عن التنظيم أو انجرافهم نحو مسارات فردية غير منضبطة. غير أنّ المشروع فشل في التعامل مع هذه الظاهرة بعمقها الحقيقي. فالشباب لم يغادروا التنظيم بسبب ضعف التأطير فقط، بل نتيجة إحباطات متراكمة، وغياب أفق سياسي، وانعدام الشفافية داخل الهياكل القيادية.
المشروع تجاهل هذه الأسباب، وتعامل مع الشباب بوصفهم مادة تنظيمية تحتاج إلى إعادة شحن إيديولوجي، لا شركاء في مراجعة التجربة. وهو ما أدى إلى فتور التفاعل مع المشروع، وحصره في دائرة ضيقة من الملتزمين سلفًا بالخط التنظيمي للجبهة التي أطلقته.
اختيار تركيا مسرحاً أساسياً للقاءات "رسوخ" لم يكن تفصيلاً عابراً، فتركيا تمثل منذ سنوات مركز الثقل الإخواني في الخارج، لكنّها في الوقت ذاته تعكس حدود الحركة المتاحة للجماعة. فالنشاط محكوم بسقوف سياسية، ووجود الجماعة هناك بات أكثر حذرًا، وهو ما جعل المشروع يدور في إطار شبه مغلق، بعيدًا عن أيّ تأثير حقيقي خارج الدوائر التنظيمية. هذا الطابع المغلق عزّز من عزلة المشروع، وحوّله إلى نشاط داخلي بلا امتداد، لا يؤثر في صورة الجماعة، ولا في قدرتها على إعادة التموضع سياسيًا أو اجتماعيًا.
"رسوخ" والانقسام: مشروع بلا شرعية جامعة
أحد أهم أسباب فشل "رسوخ" يتمثل في غياب الشرعية الجامعة، فالمشروع لم يحظَ باعتراف أو مشاركة الجبهة الأخرى، بل قُوبل بالتجاهل أو التحفظ. وبدلاً من أن يكون منصة للحوار الداخلي، تحوّل إلى أداة جديدة في صراع النفوذ، تُستخدم لتثبيت شرعية قيادة على حساب أخرى.
هذا الوضع أفقد المشروع أيّ فرصة للنجاح، إذ لا يمكن لمبادرة تنظيمية أن تحقق أهدافها في ظل جماعة منقسمة، لا تملك مركز قرار موحدًا، ولا اتفاقًا على تعريف الأزمة أو سبل الخروج منها.
المشكلة الجوهرية في هذا المشروع أو غيره ليست في ضعف التنظيم أو قلة الموارد، بل في غياب المراجعة الجذرية. فالمشروع لم يتجرأ على طرح سؤال المسؤولية، ولم يناقش أخطاء القيادة، ولم يفتح ملف التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت رسم المشهد السياسي الذي نشأت فيه الجماعة.
وبدلاً من ذلك استمر الخطاب في الدوران حول مفردات الصبر، والابتلاء، والثبات، وهي مفردات فقدت قدرتها على التعبئة، وتحولت لدى قطاعات من الشباب إلى تعبير عن العجز أكثر من كونها أدوات للصمود.
انتهى المشروع عملياً إلى ما يشبه الإعلان غير المقصود عن مأزق جماعة الإخوان في الخارج. فالمبادرة التي أُطلقت لإنقاذ التنظيم من التفكك، كشفت عمق الأزمة، وعجز القيادة عن تجاوز منطق الإدارة بالأزمات إلى أفق التفكير الاستراتيجي.
التنظيم في المنفى: أزمة الهوية والوظيفة
لم يكن فشل مشروع "رسوخ" معزولاً عن السياق الأوسع الذي تعمل فيه جماعة الإخوان في الخارج، حيث يعيش التنظيم منذ سنوات حالة اغتراب مزدوجة: اغتراب عن الداخل المصري الذي فقد فيه قدرته على التأثير، واغتراب عن مجتمعات المنفى التي لم ينجح في الاندماج السياسي أو الاجتماعي داخلها. في هذا السياق لم يعد التنظيم قادرًا على تحديد وظيفته الأساسية: هل هو حركة سياسية في انتظار فرصة عودة، أم جماعة دعوية، أم كيان احتجاجي رمزي يعيش على سردية المظلومية؟
"رسوخ" تجاهل هذا السؤال المركزي، وتعامل مع المنفى بوصفه وضعًا مؤقتًا يمكن إدارته عبر إعادة الانضباط التنظيمي، لا كتحول بنيوي يفرض إعادة تعريف المشروع نفسه. وبدلًا من التفكير في أشكال جديدة للفعل السياسي أو المجتمعي تتلاءم مع واقع الشتات، ظلّ المشروع أسير منطق التنظيم الكلاسيكي، القائم على التسلسل الهرمي والضبط الداخلي، وهو منطق أثبت محدوديته في بيئة فقدت فيها الجماعة أدوات التأثير والضغط.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)