"ربيع لبنان" على وقع مفاوضات طهران وواشنطن

"ربيع لبنان" على وقع مفاوضات طهران وواشنطن

مشاهدة

15/06/2020

تتعاكس الهتافات التي شهدها لبنان، مؤخراً، ضد رموز دينية، مع سياقات المشهد اللبناني على المستوى السياسي والمذهبي، فعلى المستوى السياسي فإنّ السياق العام للمشهد اللبناني يشير إلى أنّ النظام السياسي برمّته أمام أزمة اقتصاديّة حادّة، مرتبطة بالفساد النخبوي وانهيار الليرة اللبنانيّة أمام الدولار، فيما لم تكن الهتافات مرتبطة بالمناسبات الدينيّة لأبناء الطائفة الشيعيّة، التي تشكّل بالعادة حاضنة لترديد مقولات ومزاعم تاريخيّة حول رموز دينية سنّية، غير أنّ ما يلفت النظر في تلك الهتافات أنّها جاءت متعاكسة مع تهدئة بين واشنطن وطهران تمّت ترجمتها في العراق بالتوافق على حكومة الكاظمي، وتخفيض في مستوى التصعيد العسكري والإعلامي بين الجانبين، ولعلّ هذا ما يعطي هذا التصعيد أبعاداً داخليّة لبنانيّة، وإن كانت غير بعيدة عن الصراع الإيراني-الأمريكي، بوصف لبنان إحدى أهمّ الساحات والأوراق الإيرانيّة التي تفاوض بها أمريكا.

حزب الله وأمل يواجهان اليوم حقيقة اختطاف لبنان لصالح القيادة الإيرانيّة والأزمات الناشئة جرّاء ذلك

ورغم إدانة كافة الأطراف اللبنانيّة، بما فيها حزب الله وحركة أمل، للهتافات المسيئة وأنّها تؤسّس لفتنة مذهبيّة لبنان بغنى عنها، إلّا أنّ المرجّح هو أنّ كوادر وعناصر حزب الله وأمل يقفون خلف هذا التصعيد، وهو ما يطرح شكوكاً حول الإدانة التي صدرت عنهما، إذ لا يُتصوّر أن تقوم كوادر الحزب والحركة بالتصعيد دون قرارات تمّ اتخاذها من قِبل مستويات قياديّة في الحزب والحركة، رغم خطابات التهدئة التي تمارسها كافة القوى والطوائف.

تنزلق الأوضاع في لبنان باتجاه تدهور غير مسبوق نتيجة الأزمة الاقتصاديّة العميقة التي يشهدها لبنان، والتي تشترك كافة النخب السياسيّة الممثلة لنظام المحاصصة الطائفيّة بالمسؤوليّة عنها بمستويات مختلفة، غير أنّ حزب الله وأمل يتحمّلان القسط الأكبر، خاصّة بعد سيطرتهما المطلقة على الرئاسات الثلاث في لبنان، وهو ما جعل لبنان كلّه المختطف من حزب الله بمواجهة، ليست مع الطوائف اللبنانيّة الأخرى، بل حتى مع قواعده في المناطق الشيعيّة المشمولة بتداعيات الأزمة الاقتصاديّة، التي كان لها دور فاعل في الانتفاضة التي يشهدها لبنان منذ أواخر العام الماضي، والتي رفعت شعار "كلّن يعني كلّن".

اقرأ أيضاً: ماذا وراء تحرّكات حزب الله وأمل في الشارع اللبناني؟

حزب الله وأمل يواجهان اليوم حقيقة اختطاف لبنان لصالح القيادة الإيرانيّة والأزمات الناشئة جرّاء ذلك، بما فيها رهن مستقبل لبنان مع سورية، وأزمة الدولار منذ تهريب أكثر من أربعة مليارات دولار لإنقاذ القيادة السوريّة، بعد العجز الإيراني عن تلبية المطالب الماليّة لحلفائه في سورية ولبنان والعراق.

التصعيد الطائفي في لبنان يكشف عن ضيق خيارات حزب الله للخروج من الأزمة، وحجم التناقضات التي يعيشها الحزب في ظلّ عدم قدرته على الخروج من خندق التعامل مع لبنان بوصفه وطناً وليس ساحة لتنفيذ أجندة القيادة الإيرانيّة التي تخدم صراعاتها، بما فيها الصراع مع أمريكا والغرب، وهو ما يعزّز فرضيّة أنّ اللجوء إلى التصعيد الطائفي، بالإضافة لكونه أحد أبرز الخيارات الإيرانيّة، فإنّه خيار حزب الله ورسالته للقوى اللبنانيّة والإقليميّة والدوليّة بأنّه قادر على تحويل الصراع من كونه صراعاً محليّاً ضدّ النخب السياسيّة الحاكمة وفسادها إلى صراع مذهبي، ومن غير المستبعد أنّ نخب الطوائف الأخرى المنافسة للحزب، وخاصّة من قيادات الطائفة السنيّة، ترى فيما يقوم به حزب الله خدمة لها وضمانة لبقائها في السلطة.

رسالة حزب الله للقوى اللبنانيّة والإقليميّة والدوليّة بأنّه قادر على تحويل الصراع من محليّ ضدّ النخب السياسيّة الحاكمة إلى مذهبي

أزمة لبنان تشكّل نموذجاً لما ستكون عليه الثورات والانتفاضات الشعبيّة في المنطقة والإقليم، والتي يرجّح أن تكون مرجعيّاتها مواجهة تداعيات الأزمات الاقتصاديّة ومظاهرها المتمثلة بانخفاض العملة الوطنيّة والتضخّم وارتفاع مستويات الفقر والبطالة والتأسيس لظاهرة "الجوع"، وستطرح تساؤلات حول نظم المحاصصات الطائفيّة، فبعد تجريبه في العراق وفقاً للآليّات والسياسات التي اتبعها حزب الله في لبنان، يتمّ طرحه اليوم في مناطق الصراعات العربيّة في سورية واليمن وليبيا وغيرها من الدول.

واضح أنّ النخب اللبنانيّة تفتقد "الرغبة والقدرة" على تقديم أيّ حلول خارج تلك المحاصصة، رغم رفع شعارات حكومة وحدة وطنيّة، يبدو أنّ محتواها يختلف مفاهيميّاً بين الرأي العام اللبناني الذي يرى أنّها حكومة وطنيّة تخرج لبنان من أزماته، ومفهوم النخب الذي يرى أنّها حكومة محاصصة تضمن لقيادات الطوائف والميليشيات حصّتها في كعكة الحكم.

اقرأ أيضاً: حزب الله يتحدى أمريكا ويدعم الأسد على حساب الليرة اللبنانية

رئاسات لبنان الثلاث المختطَفة من قبل حزب الله لن تكون قادرة على إخراج لبنان من نفقه المظلم الذي أدخله الحزب فيه، رغم القرارات الاقتصاديّة التخديريّة، بما فيها قرار تخفيض قيمة الليرة أمام الدولار، وتقديم تنازلات بالتفاوض مع صندوق النقد والبنك الدوليين؛ لأنّ الأزمة أعقد من قضيّة الليرة مقابل الدولار، الأزمة ذيولها في لبنان ورأسها في إيران، وحلّها لا يتوقع إلّا أن يكون خلال المفاوضات بين واشنطن وطهران.


الصفحة الرئيسية