دكتاتورية تركيا: الديمقراطية حافلة يمكنك مغادرتها في النقطة الأكثر ملاءمة

دكتاتورية تركيا: الديمقراطية حافلة يمكنك مغادرتها في النقطة الأكثر ملاءمة

مشاهدة

03/08/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

عندما غزا العثمانيون القسطنطينية، عام 1453، حوّلوا كنيسة القدّيسة صوفيا إلى مسجد على الفور، وكان هذا هو الإجراء العادي في ذلك الوقت؛ ففي الحرب، يقوم المنتصر بتحويل أعلى دور عبادة المهزوم مقاماً إلى دار تتبع تعاليم إيمانه الخاص، وقد فعل الإسبان الشيء نفسه مع مساجد طليطلة وإشبيلية وقرطبة، وفي حين كان هناك عنصر من تمجيد الذات في هذا، فإنّ ذلك أظهر في الوقت نفسه احتراماً معيناً لمن أطلق عليهم العثمانيون "أهل الكتاب"، أي اليهود والمسيحيين؛ فرغم كلّ معتقداتهم الخاطئة (بالنسبة إلى العثمانيين المسلمين)، آمن هؤلاء الناس بالإله نفسه. وعلى المستوى العملي، كان تحويل الكنيسة بمثابة ضمانة بأن المبنى لن يستحيل إلى أنقاض بفعل الإهمال.

وكان إلزام الزعيم القبلي، "الباي"، بأداء صلاة الجمعة مع شعبه من بين التقاليد الأصيلة للعثمانيين. وبعد أن أصبح "الباي" "سلطاناً"، كان المسجد الذي اختير بانتظام لهذا الطقس هو القديسة صوفيا أو آيا صوفيا كما سماه الأتراك. واللوحات الجدارية والفسيفساء الموجودة بالكنيسة لم تدمر، بل إنها لم تطمس حتى القرن السابع عشر.

عندما قرر أتاتورك

ومنذ ما يقرب من 500 عام، كان آيا صوفيا أقدس وأغلى مسجد في الدولة العثمانية، وعام 1934، بعد ما يقرب من عشرة أعوام على تأسيس الجمهورية التركية، قرّر أتاتورك تحويله إلى متحف، ولم يقع أيّ ضغط خارجي لاتخاذ مثل هذه الخطوة؛ لقد كان فعلاً متمدناً بشكل محض، قام به الرئيس التركي، مؤكداً على القيمة الإنسانية الدولية لهذا البناء الرائع وعلى جاذبيته العالمية.

يبدو أن انتقادات العالم الديمقراطي لتركيا ليس لها تأثير يذكر على "'السلطات" حيث يطور أردوغان نوع "العدالة" الذي يختزل في الكلمة الأولى من اسم حزبه، حزب العدالة والتنمية

ومع ذلك، لم يؤثر التغيير على كافة الأتراك بالطريقة نفسها؛ لقد أخضع اتجاهين سياسيين، على وجه الخصوص، للإذلال: فقد مثّل آيا صوفيا للإسلامويين، بما هو مسجد، بالنسبة إلى معظمهم قوة الإسلام، والفاشيين الذين كانت لديهم مشاعر مماثلة ممزوجة بسعادة انتصار العرق التركي، وبالنسبة إلى أولئك الذين يؤمنون بالأيديولوجيات اليمينية، فإنّ تحويل آيا صوفيا إلى مسجد مثّل مرة أخرى قضية مهمة منذ ذلك الحين، بالرغم من أنّه لم يكن مطلباً صريحاً، أو جزءاً من أجندة سياسية.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

شارك الرئيس، رجب طيب أردوغان، دون شكّ، هذا الشعور بالإحباط نحو آيا صوفيا لكنّه لم يعبّر عنه، وعندما سئل علانية عن إمكانية "إعادة التحويل"، أجاب: "قد نفكر في ذلك عندما يكون المسجد الأزرق ممتلئاً" (يعرف أيضاً باسم السلطان أحمد، وهو مسجد فسيح بجوار آيا صوفيا).

 وفي الآونة الأخيرة؛ أشار أردوغان ضمنياً إلى أنّ عدم الكفّ عن الكلام حول القضية يعدّ استفزازياً، لكن، الآن، فجأة، أثار هو نفسه الموضوع، وأصبح آيا صوفيا مسجداً مجدداً؛ لماذا؟ ماذا حدث؟

أردوغان يقاسي

من بين الإجابات المعتادة عن هذه الأسئلة، في تركيا: يقاسي أردوغان، على المستوى الاقتصادي، وهو الأمر الذي يفسد دعمه الانتخابي؛ لذلك يحاول تغيير الأجندة، مسألة أنّ الاقتصاد يمرّ بصعوبات صحيحة، ولا يحظى أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، الذي يرأسه، بشعبية في الوقت الحالي، ورغم أنّ أكثر الانتخابات تقديماً لن تقرَّر حتى عام 2023، ما يعني أنّ هناك الكثير من الوقت، فإنّه من المشكوك فيه إلى حدّ كبير أن تصحَّح الأمور بحلول ذلك الوقت؛ لذلك، قد تجبر المشكلات الاقتصادية أردوغان على التطلع إلى مبادرات جديدة، سواء كانت عسكرية أو دولية في سوريا وليبيا، أو أيديولوجية، كما هو الحال مع آيا صوفيا.

غالباً ما تدعي المعارضة، التي تؤسس حججها على إخفاقات أردوغان الاقتصادية، أنّه "يخترع" مثل هذه القضايا لـ "تحويل" الانتباه عن المشكلات الحقيقية التي ليس لديه بشأنها إجابات، أو أخبار جيدة، قد يكون هناك شيء من الحقيقة في هذا التفسير، لكن تفسير "تحويل الانتباه" بشكل عام غير مقنع؛ فتحويل آيا صوفيا يجعل تركيا أقرب إلى نوعية المجتمع الذي يحاول أردوغان هندسته، وفي هذا الصدد؛ ليس هناك "تحويل انتباه"؛ بل إنّ النظام يتّخذ خطوة رمزية كبيرة نحو هدفه المثالي المتمثل في إقامة دولة الحزب الواحد المؤسلمة.

"اختلافنا"

المسألة الصارخة الأخرى المثارة في الأشهر الأخيرة؛ هي التشريع الجديد المتعلق بنقابات المحامين، في تركيا 81 إدارة، ولكلّ منها نقابة ومحاميها، ومعظمها تشارك في معارضة واضحة لنظام أردوغان، ومؤخراً، تمّ تمرير مشروع قانون جديد في البرلمان ينصّ على أنّه حين يسجّل أكثر من 5,000 محام، فبإمكان 2,000 منهم تنظيم نقابة جديدة.

اقرأ أيضاً: "تصفير المشكلات".. إستراتيجية أردوغان التائهة

ومن المثير للدهشة؛ أنّ ثلاث نقابات محامين فقط، في إسطنبول وأنقرة وإزمير، هي التي تمتلك عدداً كبيراً من الأعضاء، وفي إسطنبول يتبع حوالي 2,000 محام خطّ حزب العدالة والتنمية.

من الواضح أنّ هذه مناورة لتقسيم النقابات في المدن الكبرى، وإنشاء نقابات جديدة مؤيدة لحزب العدالة والتنمية وتتعارض مع غيرها، ثم تغيير إجراء انتخاب أعضاء "الاتحاد التركي لنقابات المحامين" بشكل عام.

وبالفعل؛ تؤثر تلك النقابات، التي يقودها حزب العدالة والتنمية، على القضاة، الذين فقدوا بشكل عام معظم استقلاليتهم، وكسر استقلالية القضاء أمر بالغ الخطورة؛ إذ لا يمكن اعتباره محاولة "تحويل للانتباه"، ولا بدّ من أن يكون لذلك آثاره طويلة المدى.

إضافة إلى ذلك؛ تناقش الحكومة الآن الانسحاب من اتفاقية إسطنبول، التي بدأت باعتبارها مبادرة من مجلس أوروبا على أساس فكرة أنّ الدول يجب أن تضمن سلامة وحماية النساء من العنف بكافة أنواعه، وقد وقّعتها عشرون دولة أوروبية، وكانت تركيا أردوغان أول من وقّعها، عام 2011.

"أن تصبح مثلياً"!

كان هذا القانون بمثابة لعنة بالنسبة إلى بعض الجماعات والطوائف اليمينية، كما أسيء تفسير إحدى الفقرات التي تتعاطى مع حماية المثليين، وعُدّت مثالاً على الحضّ على "أن تصبح مثلياً"!، ودينت الاتفاقية لأنّها تتعارض مع "القيم العائلية" التركية، مهما كانت ما تعنيه هذه العبارة.

اقرأ أيضاً: تركيا الأسيرة في عهد أردوغان: تقييد الحريات والمتاجرة بالشعارات الدينية

يبدو أنّ أردوغان يدعم الآن جهود الانسحاب من الاتفاقية، وحتى إذا كان من المشكوك فيه أنّ هذا ما يفضّله المحافظون، الذين من المفترض أنّهم يميلون إلى شكل أخفّ من الإسلاموية، فإنّ التحوّل الحاصل يرضي حزب الحركة القومية، الحزب المغالي في القومية، المتحالف مع أردوغان، وقد يجذب أيضاً أنصار حزب العدالة والتنمية "الأساسيين".

 يتّخذ أردوغان خطوة أخرى في توجيه تركيا بعيداً عن الغرب بطريقة حازمة، معلناً أنّ تركيا لا تشارك بعض قيم الاتفاقية، مثل المساواة بين الجنسين.

أصبحت مثل هذه المنعطفات، إذ يتراجع أردوغان عن أيام ما قبل غيزي بارك، معتادة، واحتجاجات غيزي هي الاحتلال الشعبي لساحة مركزية في إسطنبول، عام 2013، الذي أدّى إلى تظاهرات في أجزاء كثيرة من البلاد، وقد كانت تعبيراً واضحاً عن المعارضة الشعبية لحكمه وفساد السلطة والانتهاكات التي نشأت حولها خلال العقد الماضي.

اقرأ أيضاً: عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

للمحافظين الدينيين مكانهم في كلّ ديمقراطية، بما في ذلك الحقّ في الفوز بالانتخابات، لكنّ الديمقراطية تعني أيضاً أنهم قد يخسرون الانتخابات، وأنّه يجب عليهم احترام استقلالية القضاء، ومع ذلك، قال أردوغان ذات مرة؛ إنّ "الديمقراطية مثل حافلة يمكنك مغادرتها في النقطة الأكثر ملاءمة"، ونظامه لا يكنّ أيّ احترام داخلي للديمقراطية، التي تعدّ اختراعاً "غربياً"، والآن يظهر الرئيس "اختلافنا" على المستوى القانوني.

مغادرة الحافلة

تكون إساءة استخدام القانون تحت حكم أردوغان قاسية بشكل خاص، عندما يتعلق الأمر بالمحاكمات السياسية، وسجن أشخاص، مثل: أحمد ألتان، وعثمان قولة، وممتاز توركون، وصلاح الدين ديميرتاش، ومحمد بارانسو، إضافة إلى مئات بل آلاف الأشخاص الآخرين، من الذين عانوا الظلم.

تناقش تركيا الآن الانسحاب من اتفاقية إسطنبول، التي بدأت باعتبارها مبادرة من مجلس أوروبا على أساس فكرة أنّ الدول يجب أن تضمن سلامة وحماية النساء من العنف بكافة أنواعه

وقد ألفت أوبرا قصيرة خلال الإغلاق الذي تسبَّبت به جائحة "كوفيد-19" لعثمان قولة، وتلك هي المرة الأولى التي يلعب فيها تركي دوراً رئيساً في الأوبرا الأوروبية، منذ "الاختطاف من السراجليو" لموتسارت.

لكن يبدو أن انتقادات العالم الديمقراطي ليس لها تأثير يذكر على "'السلطات" حيث يطور أردوغان نوع "العدالة" الذي يختزل في الكلمة الأولى من اسم حزبه، حزب العدالة والتنمية.

 وترافق لامبالاة مماثلة قراره تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، والمقصود منه أن يكون رمزاً دائماً للديكتاتورية الرئاسية.

المصدر:

مراد بيلج، "أوبن ديموكراسي"، 22 تموز (يوليو) 2020

https://www.opendemocracy.net/en/can-europe-make-it/turkeys-presidential-dictatorship/

الصفحة الرئيسية