خفوت الاحتجاجات لا يعني أنّ غضب الإيرانيين قد سكن

خفوت الاحتجاجات لا يعني أنّ غضب الإيرانيين قد سكن

مشاهدة

07/01/2018

لِبُرْهَة تزامنت مع العام الجديد، بدا أنَّ إيران مستعدة لشيء كبير. فما بدأ كمجموعة احتجاجات متفرِّقة، اندلعت يوم 8 كانون الأول (ديسمبر)، حول تكلفة البيض سرعان ما انطلقَ ليُصبح حركةً تعم البلاد. لقد خرج الإيرانيون إلى الشوارع في كل مُقاطعة تقريباً، مطالبين بوضع حد للفساد واقتصاد أفضل وحكومة أقل قمعاً.

وبحلول يوم السبت، كان بعض النشطاء يطالبون بتغيير النظام. وكما أورَدت صحيفة "نيويورك تايمز"، لقد هتفوا قائلين "الموت للديكتاتور" و"ارحلوا عنَّا يا رجال الدين". وأشار آخرون إلى أنَّ علي خامنئي، المرشد الأعلى، ينبغي عليه أن "يترك البلاد تنطلق". حتَّى إنَّ البعض أحرق لافتةً بها صورة خامنئي.

هذا، وكانت تلك هي أكبر حركة معارضة تجتاح إيران منذ الثورة الخضراء في عام 2009، عندما احتجَّ الملايين من الإيرانيين على إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد آنذاك.

ثُمَّ، بين عشيَّة وضحاها، أخذت الأمور تهدأ. وألقت الشرطة القبض على مئات المتظاهرين، وتم تعليق الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي. وارتأت الحكومة أنَّ قوى أجنبية كانت وراء الاحتجاجات ودفعت بتظاهرات مضادَّة موالية.

جانب من الاحتجاجات

هل انتهت "الفتنة"؟

ويقول صحافيون في ميدان الأحداث إنَّ التجمُّعات الاحتجاجية قد تضاءلت، ويبدو أنَّ اللواء محمد علي جعفري، رئيس فيلق الحرس الثوريّ الإيرانيّ، يتَّفق مع ذلك. فقد قال، يوم الأربعاء، إنَّ "الفتنة" انتهت. و"بعون من الله"، قال، "هزيمتهم مَحْتومة". ومن الصعب القول ما إذا كانت هذه هي الحقيقة أم مجرد تحذيرات قبل حملة أشدّ قسوة.

مع ذلك، لا شيء من هذا يعني أنَّ الغضب الذي يلف البلاد قد سكن. يمكن أن تكون الاحتجاجات بدايةً لفترة أطول من الاضطرابات، يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار الحكومة المنتخبة في البلاد وزعمائها الثيوقراطيين.

الاحتجاجات تحوَّلت سريعاً من التضخُّم أو أسعار البيض إلى شكاوى أوسع حول النظام والفساد وأوهام الازدهار

وكما أشار روبن رايت في صحيفة "نيويوركر"، إنَّ "الاحتجاجات الجديدة تختلف عن أي احتجاجات أخرى حدثت منذ ثورة 1979". فهي لم تبدأ في طهران، العاصمة الكوزموبوليتانية. وإنما كانت بذرتها تظاهرةً صغيرةً في مشهد، ثاني أكبر مدينة في إيران، وأقدس بقعة فيها، ومعقل المنظِّرين الدينيين والمتشددين سياسياً".

كما أنَّ المتظاهرين لم يأتوا من الدوائر النخبويَّة والإصلاحيَّة المعتادة. ومثلما كتب رايت، "يبدو أنَّ الناشطين هم إلى حد كبير من الطبقات العاملة والشباب". وحتَّى الآن، ووفقاً لما أعلنه نائب وزير الداخلية، حسين زولفغاري، يوم الثلاثاء، فإنَّ 90 في المئة من المقبوض عليهم من الشباب دون الخامسة والعشرين.

غضب بشأن المصير

كان العديد من الشباب الذين خرجوا في تلك التظاهرات غاضبين بشأن مصيرهم. وتصل نسبة البطالة في إيران إلى 12.7 في المئة، وارتفعت تكلفة السلع الأساسية بنسبة 40 في المئة في عام 2017. وبعض البضائع، مثل البيض، أصبحت أكثر تكلفة لسوء الحظ: فقد تسبب تفشي إنفلونزا الطيور في مقتل 17 مليون دجاجة، مما أدَّى إلى ارتفاع كبير في أسعار البيض.

ويمكنك أيضاً إضافة الحسد إلى المشاكل الاقتصادية. في مقابلة مع "سي إن إن" يذكر مجتبي، وهو شاب يبلغ من العمر 33 عاماً ويعيش في طهران، أنَّ "الكثير من الأطفال الذين يعيشون في المدن الصغيرة أصبحوا يتطلعون إلى حياة أفضل بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. إنَّهم ينظرون إلى ما يرونه على إنستغرام أو تليغرام ويقومون بمقارنة ذلك مع إمكانياتهم، وبطبيعة الحال يأخذوا في الغضب".

لكن الحكومة الإيرانيَّة ربَّما لا تستطيع أن تفعل الكثير لتغيير الحقائق. وكما قال عبَّاس ميلاني، مدير برنامج الدراسات الإيرانيَّة في جامعة ستانفورد، للإذاعة الوطنيَّة العامَّة: "إنَّ النظامَ ضعيفٌ إستراتيجياً". وهو يواجه عدَّة تحديات مستعصية على الحل، منها انخفاض أسعار النفط، ونقص حاد في المياه، وتضخُّم مزمن ذو خانتين، وبطالة، وفساد.

لن يرغب ترامب في التنازل عن العقوبات والإبقاء على تدفُّق الأموال إلى الديكتاتوريين بينما هناك أشخاصٌ يحتجُّون في الشوارع

وقد أمِل زعماء إيران في أنْ يؤدي الاتفاق النوويّ إلى دفع الاقتصاد المتدهور للبلاد، لكن ذلك لم ينجح عملياً. لأنَّه بعد أعوام من العقوبات، ضمرت صناعة النفط في البلاد. فهي صناعة تحتاج إلى استثمارات جادَّة لتحسينها، ممَّا يكلِّف أموالاً لا تمتلكها الشركات الإيرانيَّة. والشركات الأجنبية مهتمَّة بالعمل على حقول النفط الإيرانيَّة لكنَّها تجد صعوبة في تجاوز التشريعات المُعقَّدة التي تحكم البلاد.

وكما كتبت إيلين ر. والد في فوربس، "بدون دخل أعلى من صناعة الطاقة الموجودة بها وفرص عمل أفضل لسكانها، لم تتمكن إيران، إلى الآن، من تحسين اقتصادها بشكل ملحوظ".

وهناك أيضاً تحدي التوقُّعات غير الملبَّاة. في مقابلة مع إسحاق شوتنر لموقع سليت، قال كريم سجادبور، وهو باحثٌ أوَّل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدوليّ: "لقد رفع الاتفاق النوويّ من توقُّعات الناس، لكن نوعية الحياة لم تتحسَّن جوهرياً". ويعني عدم الرضا العام هذا أنَّ الاحتجاجات قد تحوَّلت سريعاً من التضخُّم أو أسعار البيض إلى شكاوى أوسع نطاقاً حول النظام الذي سمح للاقتصاد بالتوقُّف والفساد بالازدهار. في نهاية المطاف، تضع الاحتجاجات فكرة الجمهورية الإسلامية بأكملها في موضع التساؤل.

وقالت سوزان مالواني، وهي باحثةٌ أولى في مركز سياسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينغز، لموقع فوكس: "إنَّ النزوع الأقصى في الشعارات هو ما يُثير الدهشة. وليست تِلك بالحركة التي تحتفظ بخط للرجعة أو تلعب في حدود المسموح به".

نيكي هالي، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة تطالب بعقد اجتماع طارئ لمجلس حقوق الإنسان

ترامب يغرد للمحتجين

في واشنطن، يبدو أنَّ الرئيس ترامب يُتابع الاضطرابات عن كثب. فقد قام بالتغريد دعماً للمحتجين عدَّة مرَّات، مستخدماً الاضطرابات لمهاجمة الحكومة الإيرانيَّة "الوحشية والفاسدة". وطالبت نيكي هالي، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، بعقد اجتماع طارئ لمجلس حقوق الإنسان التابع للمنظَّمة - وهو أحد أجهزة الأمم المتحدة التي انتقدتها الإدارة الأمريكية بشدة.

لكن حتى مع تأييد ترامب للشعب الإيرانيّ، فإنَّ أفعالهم قد تقوده إلى مسار عكسيّ. ففي غضون أسبوعين، يمكن أن يقتل الرئيس الاتفاق النوويّ من خلال قرار بإعادة فرض عقوبات على طهران. يقول ريتشارد غولدبرغ، وهو معاونٌ جمهوريّ سابق في مجلس الشيوخ شارك في عملية فرض العقوبات على إيران، لموقع بوليتيكو "لن يرغب ترامب في التنازل عن العقوبات والإبقاء على تدفُّق الأموال إلى الديكتاتوريين بينما هناك اشخاصٌ يحتجُّون في الشوارع".

من المؤكد أنَّ القيام بذلك سوف يجعل الأوضاع في إيران أسوأ، وليس أفضل. لأنَّه من شأن زعزعة استقرار الاتفاق النوويّ أنْ يجعل من الصعب إقناع الشركات الأجنبية بالاستثمار في إيران. ومن شأن فرض عقوبات جديدة أن يقيد الاقتصاد بشكل أكبر وألّا يفعل بالتأكيد شيئاً لتحسين حياة الإيرانيين العاديين. كما من شأنه أن يمنح القادة الإيرانيين كبش فداء سهل يبرِّرون به فقر شعبهم.

في تلك الأثناء، على الرغم من ذلك، يجب على الحكومة أن تتعاطى بحصافة مع غضب مواطنيها وحدهم. وإذا لم تتمكَّن من معالجة الاستياء العميق وواسع الانتشار بين الإيرانيين، فإنَّه ينبغي عليها أن تكون قلقة - بغض النظر عن طول الاحتجاجات من عدمه.

أماندا إريكسون - واشنطن بوست

الصفحة الرئيسية