حلمي الجزار نائباً للمرشد: خطوة علاجية أم قفزة في المجهول؟

حلمي الجزار نائباً للمرشد: خطوة علاجية أم قفزة في المجهول؟

مشاهدة

15/10/2020

أزمة جديدة تتفجر داخل جماعة الإخوان، بعد أن تناولت بعض الصفحات المحسوبة عليها خبر انتخاب حلمي السيد الجزار نائباً للمرشد، المنصب الذي خلا بعد أن ألقى الأمن المصري القبض على محمود عزت في أيلول (سبتمبر) الماضي.

أدى عدم تأكيد الخبر أو نفيه من قبل المتحدث الرسمي للإخوان طلعت فهمي إلى ارتباك في صفوف الإخوان، خصوصاً المؤيدين للقيادة التقليدية القديمة المتمثلة في محمود عزت ومحمود حسين وابراهيم منير، وهم تيار رافض لحلمي الجزار باعتباره لم يكن عضواً في مكتب الإرشاد، وأنّ خروجه من السجن لظروف صحية وسفره لتركيا عليه علامات استفهام، وأنّ منصب نائب المرشد فقط لمن يخلصون لأفكار الجماعة وليس عليهم أي شبهات أمنية.

وفي نفس الوقت يوجد تيار كبير يرى في انتخاب حلمي الجزار نائباً للمرشد محاولة للمّ الشمل داخل الجماعة التي انقسمت باعتراف إبراهيم منير في مقابلته مع "الجزيرة" إلى قسمين، مما يجعله خير مَن يصلح لإدارة المشهد مع الدولة المصرية، كما أنّ لديه خبرات في التعامل مع الشباب وقيادتهم، ومعروف بميله للحلول السلمية، فضلاً عن أنّه ليس لديه أي موقف مسبق من أي من الطرفين المتنازعين في الإخوان.

 

أزمة جديدة تنفجر داخل الجماعة بعد تناول صفحات محسوبة عليها خبر انتخاب حلمي الجزار نائباً للمرشد

والجدير بالذكر أنّ إبراهيم منير كان قد أصدر بياناً للإخوان الشهر الماضي بإلغاء منصب الأمين العام، وتكوين لجنة لإدارة الأمانة مكونة من محمود حسين أمين عام الجماعة السابق، وحلمي الجزار عضو مجلس الشورى، ومدحت الحداد عضو مكتب الإرشاد، ومحيي الدين الزايط عضو مجلس الشورى الجماعة، وأحمد شوشة عضو المكتب الإداري لشرق القاهرة.

اقرأ أيضاً: قانون ضدّ الانفصالية الإسلاميّة: المرشد العام للإخوان المسلمين يتحدّى إيمانويل ماكرون

وحول ما إذا كانت هذه الخطوة فرصة أخيرة للإخوان للمِّ الشمل يقول الكاتب والباحث في الاسلام السياسي والقيادي السابق في الإخوان المسلمين، الدكتور أحمد ربيع الغزالي، إنه يستبعد أنّ الإخوان قاموا بانتخاب حلمي الجزار نائباً للمرشد، "لافتقاده معايير أساسية لائحية؛ فهو عضو الهيئة التأسيسية وليس عضو مكتب الإرشاد، ومايزال بعض من أعضاء المكتب موجودين سواء في الخارج أو في الداخل المصري، وتقديمه عليهم خرق للائحة، وهذا لن يوافق عليه محمود حسين الأمين السابق للجماعة والرجل القوي بعد محمود عزت، وغيره من القيادة التاريخية للجماعة".

أدى عدم تأكيد الخبر أو نفيه من المتحدث الرسمي للإخوان إلى ارتباك في صفوفهم

وحول سبب تناقل الخبر على صفحات محسوبة على الإخوان قال الغزالي، في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ "الخبر غالباً تم تسريبه من الداخل للتغطية على حدث ما داخل الجماعة، وهي كما نعلم تجيد نشر الشائعات عن أعدائها وعن نفسها بنفس الدرجة، ولا ننسى أن عمر التلمساني المرشد الأسبق للجماعة كان يقول أن تُشتم الجماعة في الإعلام ونرد عليهم خير ألف مرة من أن تُتجاهل أو تمدح، لهذا لا أستبعد أن تسرب الجماعة خبراً كهذا".

وأضاف الغزالي: ثم ما الحاجة لانتخاب الجزار الآن؟ هو لن يتمكن من لمّ الشمل كما يتوهم البعض، لسببين؛ الجزار ابتعد فور الإفراج الصحي عنه إلى تركيا، وهذه المهمة تحتاج إلى قيادة لها معاونون يستطيعون الطواف بالبلاد لتوحيد التنظيم، والاستماع للمنشقين...، وهو بسفره لتركيا لن يتمكن من القيام بذلك، السبب الثاني أنّ الخلاف بين الجماعتين عميق بشدة، أعمق من جلسات الترضية التي يمكن أن يقوم بها المصالحون التابعون للجزار، لهذا لا أتوقع اختياره، وإن صح انتخابه نائباً للمرشد فستكون قفزة للمجهول، فما سيقابله الجزار من القيادات التاريخية ومن قواعدهم والمتحكمين في التمويل أكبر من قدراته وسيشجع الآخرين على الخروج، هذا المنصب للقيادة التاريخية حصرياً.

يبقى الصراع على المناصب العليا في الجماعة أحد معضلاتها وأكثر نقاط ضعفها التنظيمية

من جانبه يقول الكاتب والباحث في الجماعات الاسلامية الدكتور عمرو فاروق: "إنّ ما تم تناقله على صفحات شخصية لأعضاء محسوبين على الإخوان هو "اختيار" وليس انتخاب حلمي الجزار نائباً لإبراهيم منير، والأخير إلى الآن لم يستطع أحد أن يصفه بالمرشد ولا بنائب المرشد، والمصطلح الذي استخدمه طلعت فهمي لوصف منير هو "المسؤول الأول عن الإخوان المسلمين"، وهو مصطلح يفهمه الإخوان على أنه أعلى درجة في هيكلة التنظيم، دون أن يكون له صفة المرشدية أو النيابية"؟

ويتابع: تكليف حلمي الجزار أن يكون نائباً لإبراهيم منير جاء بتوصية من إخوان السجون المرشد محمد بديع والمهندس خيرت الشاطر ومعهم الدكتور محمد على بشر، وهذا الطلب قديم يعود إلى العام 2018، قبل إلقاء القبض على محمود عزت، وكان الهدف منه الاستفادة من قدرات الجزار في التفاوض مع القواعد الشبابية التي انشقت عن الجماعة وتدير حرباً على التنظيم وعلى القيادة التاريخية، وكان تصعيده بمثابة اعتراف بأنّ القيادة الوسطى أو ما يسمى بالتيار الإصلاحي في الجماعة لها التأثير الكبير على باقي الجماعة في الوقت الرهن.

ويذهب فاروق إلى أنّ "تأخر تصعيد حلمي الجزار يعود بالأساس لوجود قوة تنظيمية تقليدية ما زالت ترغب في بقاء الوضع على ما هو عليه، ثم جاءت إجراءات إبراهيم منير بإلغاء منصب الأمين العام وتحويله إلى لجنة، وتقريباً تم إلغاء مجلس الشورى ومكتب الإرشاد فعلياً، وإن لم يُعلن ذلك، والهدف توحيد جهة إصدار القرارات والقيادة في ظل الانشقاقات التي تتعرض لها الجماعة".

 

أحمد الغزالي: أستبعد انتخاب الجزار نائباً للمرشد لافتقاده معايير أساسية لائحية

ويتابع فاروق موضحاً: "لمّ الشمل لا يحتاج لتواجد الجزار أو أي أحد في القاهرة، بل إلى شبكة إنترنت قوية وأجهزة حديثة وبرامج حماية، وشخصية مقبولة لدى صف الإخوان، وهو متوفر لدى حلمي الجزار، فيمكنه عقد اجتماعات أون لاين على زوم أو غيره من التطبيقات المتاحة أو الخاصة بهم وحدهم، ويتم طرح وجهات النظر بكل حرية وعقد لقاءات وضوح الرؤية بكل سهولة؛ إن ما يتمتع به حلمي الجزار كان هو ذات ما تفتقده القيادات التاريخية القديمة". ويستكمل فاروق أنّ "المستقبل القريب يحتاج وجود حلمي في قيادة الجماعة على أن يعاونه في القاهرة إخوان من ذات التوجه التجميعي المسالم القادر على وقف الهجوم على الدولة المصرية والانشقاقات المتتالية التي تعاني منها الجماعة".

 

الغزالي: الجماعة تجيد نشر الشائعات عن أعدائها وعن نفسها بنفس الدرجة

أما الكاتب والباحث في الإسلام السياسي الدكتور عمرو عبدالمنعم فيستبعد أن تجري جماعة الإخوان أي انتخابات هيكلية في الوقت الراهن، موضحاً في حديثه لـ"حفريات"، أنّ "الجماعة تعاني من الانشقاقات الكثيرة التي تعرضت لها في الفترة الأخيرة، ولا يمكن أن تقبل على عمل يسبب هزة جديدة في هيكلها التنظيمي، إنّ ما حدث عقب إلقاء القبض على محمود عزت لم يكن في إمكانية الجماعة تجاوزه، مما سبب صدعاً لن يلتئم قريباً، لهذا أرى أن إبقاء الأوضاع على ما هي عليه هو أسلم طريقة لتثبيت أركان التنظيم، فالدور الذي يلعبه ابراهيم منير الآن هو محاولة لم الشمل، لهذا قام بإلغاء منصب الأمين العام للجماعة وشكّل لجنة للقيام بهذا الدور".

اقرأ أيضاً: بعد خطاب ماكرون...هل هدد القائم بأعمال مرشد الإخوان فرنسا؟

ولفت عبدالمنعم إلى أنّ "ما يواجهه الإخوان اليوم يعد أكبر تحدٍّ وجودي مر على الجماعة، فقد كانت مشكلاتها دائماً في رأس الهرم القيادي، أما اليوم فالجماعة منقسمة رأسيا وأفقياً؛ فالقيادة منقسمة والجسد القاعدي منقسم على ذاته، فضلاً عن الذين لم يعودوا مؤمنين بأفكار الإخوان وتركوا التنظيم والإخوان تماماً".

هذا الانقسام، وفق عبدالمنعم، شمل كذلك المنصات الإعلامية "فأصبح هناك منصات إخوانية تتبع الدولة التركية ومنصات أخرى تتبع قطر، وكل منهما له رؤيته وله مساره، ولا توجد منصة إخوانية واحدة، تعبر عن أفراد الجماعة وما يرونه وما يحتاجونه، فهل في ظل هذا التشظي التنظيمي والتفكك الدعوي والتخبط الإعلامي يصبح انتخاب حلمي الجزار هو الحل لسلامة الجماعة؟ لا أعتقد؛ فالرجل من جيل السبعينيات وليس من القيادة التاريخية أو التي تليها، ولن يتمكن من تصحيح الأوضاع ولمّ الشمل، وهذا النوع من الأخبار ربما موجه من الإخوان لشغل الرأي العام".

 

عمرو فاروق: تكليف حلمي الجزار نائباً لإبراهيم منير جاء بتوصية من إخوان السجون

ويختلف مع هذا الطرح الكاتب والباحث في الإسلام السياسي والقيادي السابق في الإخوان المسلمين، سامح عيد، الذي يرى أنّ "انتخاب حلمي الجزار نائباً للمرشد، إن صح الخبر، خطوة للمّ الشمل وإعطاء وجه مقبول للجماعة خارجياً"، معللاً ذلك في حديثه لـ"حفريات"، بأنّ "الجزار هو أكثر الإخوان لياقة لقيادة الجماعة في المرحلة الدقيقة التي تمر بها الآن، فانتماؤه لجيل الوسط للجماعة رغم تجاوزه للستين من عمره، تجعله مقبولاً لكثير من تلاميذه في جيل السبعينيات والثمانينيات وهم من يتبوأون المناصب المفصلية الآن في الجماعة، لهذا سيكون له تأثير كبير على حل المشكلات أو تجاوزها، على أقل تقدير، ومواجهة الأزمات العابرة، فضلاً عن أنه لم يتورط في عمليات عنف أو تحريض، فهو اختار الانزواء منذ تولى محمد مرسي السلطة اعتراضاً على ممارسات جماعته، فربما يؤهله هذا للعب دور مع الدولة المصرية نحو مصالحة ما، يحصل الإخوان فيها على بعض التهدئة".

 

عمرو عبدالمنعم: الانقسام شمل الإعلام فلا منصة واحدة تعبر عن أفراد الجماعة وما يرونه

لكن يبقى الصراع على المناصب العليا في الجماعة أحد معضلاتها وأكثر نقاط ضعفها التنظيمية، مما يجعلها تعاني من أفرادها أكثر مما تعاني من السجون، وكشفت الأزمة الأخيرة مدى تكلس مفاصل الجماعة وعدم قدرتها على اختيار من يقودها، بما ظهر من تشكيك كل طرف في إخلاص الطرف الآخر، فالقيادة التاريخية ترى أن المنصب محسوم حصرياً لهؤلاء الذين قضوا أكبر من السنوات في السجن ومن الذين لقوا مطاردة أوسع ولم يتنازلوا، فهم وحدهم من يستأمنونه على القيادة، والطرف الآخر يرى أن من يصلح للقيادة اليوم، هؤلاء الذين يملكون خصائص تفاوضية وقدرات لحل أزمات الجماعة أو لديهم رؤية تجنبهم الوقوع في الأزمات المستقبلية.

الصفحة الرئيسية