حكومة الوفاق تدمج الميليشيات الإجرامية في ليبيا بوزارة الداخلية

حكومة الوفاق تدمج الميليشيات الإجرامية في ليبيا بوزارة الداخلية

مشاهدة

02/07/2020

نصّ اتفاق "الصخيرات"، عام 2015، على حلّ كافة الميليشيات المتهمة بارتكاب جرائم جنائية، وأنشطة إرهابية، وانتهاكات كبرى لحقوق الإنسان والاتّجار بالبشر، ونهب المال العام، على أن يكون قرار الحلّ وإعادة الدمج لمن لم يتورط بأيّة جرائم، من سلطة البرلمان الليبي المنتخب في طبرق.

الصحفي محمود السويفي لـ "حفريات": "هناك اهتمام أمريكي بالرغبة في إنشاء وزارة داخلية قوية في طرابلس، تستطيع السيطرة على حقوق النفط، لتأمين المصالح الأمريكية

وبعد مضي خمسة أعوام، لم يتحقّق شيء في هذا الملف سوى قيام حكومة الوفاق، الخاضعة لهيمنة الإخوان، بشرعنة عدد من الميليشيات الإجرامية والمتشددة، بضمّها إلى وزارة الداخلية، بكامل أفرادها وعتادها ورتبها الوظيفية، والتضحية بعدة ميليشيات على مذبح المفاوضات الأمنية مع الولايات المتحدة.

بوجود فتحي باشاغا، المحسوب على الإخوان ومدينة مصراته، كوزير مفوض للداخلية في حكومة الوفاق، نالت الميليشيات الموالية لمصراته والإخوان الحظوة، بينما قرّر التضحية بعدد من الميليشيات المحلية في طرابلس، لإيهام واشنطن والمجتمع الدولي بالتزامه بحلّ الميليشيات، غير أنّ ميليشيات طرابلس لم تصمت إزاء هذا التهديد، واشتبكت عدة مرات بالأسلحة مع قوات محسوبة على مصراته، واعتقلت قادة في وزارة الداخلية، لكنّ ميزان القوى مال إلى باشاغا، بعد دعم أردوغان له بالمرتزقة، ما يشي بأنّ ميليشيات طرابلس، وغيرها من غير المحسوبين على الإخوان، سيكونون كبش فداء في المرحلة المقبلة، مقابل شرعنة المحسوبين على الإخوان، رغم تورط معظمهم في جرائم جنائية وإرهابية واتجار بالبشر ونهب المال العام.

تضليل المجتمع الدولي

عقب انسحاب الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من محيط العاصمة طرابلس، شهد شهر حزيران (يونيو) تجدّد الاتصالات الأمريكية مع وزير الداخلية المفوض في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، حول ملف تفكيك الميليشيات، خصوصاً بعد انتفاء حاجة الوفاق إليها بانسحاب الجيش الوطني.

اقرأ أيضاً: وُلدت ميتة إكلينيكياً: أما حان وقت إعلان وفاة حكومة الوفاق؟

لا تقتصر الاتصالات الأمريكية المتتالية على الوفاق؛ إذ تجري اتصالات مماثلة مع القيادة العامة للجيش الوطني، لبحث المسألة ذاتها، غير أنّ هناك خلاف جوهري بين الطرفين؛ إذ تعتمد حكومة الوفاق على ميليشيات تورطت في عمليات إجرامية، ونهب المال العام، والاتجار بالبشر، وبعضهم على صلة بتنظيمات إرهابية، أو تضمّ عناصر مرتبطة بجماعات إرهابية، بينما تعمل عدة قوات رديفة (ميليشيات تجاوزاً) مع الجيش الوطني، وتكونت بشكل أساسي من أبناء المدن والقبائل، الذين هبّوا لحماية مناطقهم من الجريمة، ولم يتورّطوا في نهب المال العام أو الاتجار بالبشر، ولا علاقة لهم بجماعات إرهابية.

ومن اليسير على الجيش الوطني دمج هذه القوات في الجيش، بعد تأهيل أفرادها وتدريبهم على الانضباط العسكري، بينما لا تمتلك الوفاق نواة جيش نظامي يقوم بهذه المهمة، ولا تملك حليفاً حريصاً على إنشاء قوات أمن منضبطة؛ إذ يبرع أردوغان في تأسيس الجماعات الإرهابية فقط، كما أنّها تعتمد كلياً، منذ دخولها إلى العاصمة عام 2016، على ميليشيات متعددة الولاء.

اقرأ أيضاً: الغرياني يحرض مرة أخرى على القتل.. ما أبرز الردود على مفتي أردوغان والوفاق؟

يقول الصحفي المتخصص في الشأن التركي والعربي، محمود السويفي: "جاءت الاتصالات الأمريكية نتيجة ملاحظة القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكيوم" وجود انفلات أمني شديد في المناطق الخاضعة لحكومة الوفاق، وعودة جديدة لنشاط تنظيم داعش نتيجة انسحاب الجيش الوطني من الغرب ومناطق في الجنوب، وتهريب كبير للنفط والغاز جنوباً".

يبدو أنّ واشنطن لم تنتهِ بعد من أردوغان ومرتزقته، وتبقيهم، ربما لتستخدمهم كورقة ضغط في إطار صراع المصالح في ليبيا

ويضيف السويفي لـ "حفريات": "هناك اهتمام أمريكي آخر، غير معلن، وهو الرغبة في إنشاء وزارة داخلية قوية في طرابلس، تستطيع السيطرة على حقوق النفط، لتأمين المصالح الأمريكية خصوصاً، لذلك أعلن الوفد الأمريكي، الذي ضمّ عدة مسؤولين (السفير، أفريكيوم، الخارجية، الخزانة، مجس الأمن القومي) أنّ تفكيك الميليشيات يشمل التي توجد في شرق البلاد، وربما يقصد سيطرة القبائل على حقول النفط".

اقرأ أيضاً: إرهابي وزيراً في حكومة الوفاق الليبية.. تعرّف إليه

وفي إطار تحليل السويفي، تتم قراءة إعلان حراك المدن والقبائل الليبية بتفويض القيادة العامة للجيش الوطني بالتفاوض حول إعادة تشغيل المرافئ النفطية، شريطة ضمان التوزيع العادل للثروة الوطنية، وعدم استغلال هذه الأموال في دعم الميليشيات التي ترتكب جرائم بحقّ الليبيين، وذلك لقطع الطريق على الخطة الأمريكية.

يعمل باشاغا، منذ تفويضه بوزارة الداخلية عام 2018، على شرعنة ميليشيات مصراته؛ فهو ذاته كان الناطق باسم المجلس العسكري لمصراته، وأحد كبار داعمي عملية فجر ليبيا، التي انقلبت على البرلمان المنتخب وحكومة عبد الله الثني الشرعية، عام 2014، وقام البرلمان الليبي الشرعي بتصنيف القوات المنضوية تحت فجر ليبيا كجماعة إرهابية، ثم تفكك هذا التحالف لاحقاً.

اقرأ أيضاً: "الطعنة الأخيرة" لبريطانيا من متشددي ليبيا... هل تعيد لندن حساباتها بدعم "الوفاق"؟

ويرى مراقبون أنّ باشاغا، المُفضَّل لدى جماعة الإخوان وميليشيات مصراته، يسعى إلى تسيد الموقف في العاصمة، للبروز كشخصية قوية يمكن للمجتمع الدولي الاعتماد عليها، وفي هذا السياق تأتي خطواته لإيهام المجتمع الدولي بالعمل على تفكيك الميليشيات، وذلك بالتضحية بالميليشيات الضعيفة، وغير الموالية له.

اقرأ أيضاً: لماذا ترغب الوفاق في التصعيد العسكري بليبيا رغم تحذيرات مصر؟

وفي تعليق لعضو مجلس النواب الليبي، أبو بكر الغزالي، لجريدة "الشرق الأوسط"، قال: "اليوم، وبعد أن تحدثت أمريكا عن ضرورة تسريحها (الميليشيات)، وأصبح الأمر واقعاً لا يمكن لوزير داخلية (الوفاق) تجاهله، صار يتحدث ويحاول الإيهام بأنّ هناك ميليشيات منضبطة تابعة للمجلس الرئاسي، وأخرى لا علاقة له بها!".

تجربة دمج ميليشيا الردع

مع دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس، عام 2016، أعلنت ميليشيا قوة الردع الخاصة، بقيادة عبد الرؤوف كارة، دعم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ومنحه قاعدة "أبو ستة" البحرية، ليتخذها مقراً له، وكافأ المجلس الميليشيا بضمها إلى وزارة الداخلية التي شكلها.

وتتكون الميليشيا من عناصر انضموا سابقاً لمجلس طرابلس العسكري، الذي ترأسه عبد الحكيم بلحاج، قائد الجماعة الليبية المقاتلة، الموالية لتنظيم القاعدة، ويبلغ عدد أفرادها 5000 عنصر، يتخذون من قاعدة معيتيقة الجوية مقراً لها.

اقرأ أيضاً: انقسام في معسكر الوفاق بعد تجدّد الاقتتال بين ميليشيات مصراتة وطرابلس

منذ ذلك حظيت القوة بغطاء شرعي، لفرض رؤيتها الدينية المتطرفة على طرابلس، واعتقال من تشاء خارج إطار القانون، والاتجار بالبشر، وفق بيان صادر عن الأمم المتحدة، عام 2015، ورغم أنّ هذه القوة تبقى الأشدّ انضباطاً مقارنةً ببقية الميليشيات، والأكثر خبرةً، إلا أنّ احتفاظها بهيكلها ومعداتها واستقلالها يعيق فكرة إنشاء قوى أمنية حديثة، كما أنّ هناك شكوكاً قوية حول التزام أفرادها بتنفيذ قانون مدني حديث، كون أغلبهم ينتمون إلى عناصر دينية متطرفة.

ويرى الصحفي المتخصص في الشأن التركي والعربي، محمود السويفي؛ أنّ دمج قوة الردع الخاصة لم يغيّر من سلوكها الإجرامي أيّ شيء.

اقرأ أيضاً: عودة المصريين المحتجزين.. ما الذي تخفيه ميليشيات الوفاق؟

وتصديقاً لما سبق؛ جاء في تقرير منظمة العفو الدولية، لعامَي 2018 و2019، اتهامات لقوة الردع الخاصة، وجاء في تقرير 2019: "في سجن معيتيقة، الواقع على الأطراف الشرقية للعاصمة طرابلس، والذي تديره "قوة الردع الخاصة"، وهي ميليشيا تتبع "حكومة الوفاق الوطني" التي تتولى سداد رواتب أعضائها، احتُجز مئات المعتقلين إلى أجل غير مسمى، دون أيّة إجراءات قضائية، ووُضعُوا في زنازين مكتظَّة دون ما يكفي من الطعام أو الماء، وحُرموا من الحصول على الخدمات الطبية".

اقرأ أيضاً: اتهامات لميليشيات الوفاق.. هل تجر السراج إلى قفص مجرمي الحرب؟

ونظراً لإدراك القوة أنّ كلّ ما يوجد في طرابلس من وزارة داخلية وجيش هو عبارة عن ميليشيات؛ رفضت الرضوخ لأيّ ضغوط من الوزير باشاغا بالانضواء فعلياً تحت وزارة الداخلية، وبسبب ارتباطها بعلاقة قوية بشخص فايز السراج، رئيس الحكومة؛ فقد تمتعت بمميزات كبرى، كان أهمها القرار رقم (555) لعام 2018، الذي نصّ على تحويل القوة إلى "جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب".

وينصّ القانون على إعادة هيكلة قوة الردع الخاصة، وضمّ جميع منتسبيها إلى جهاز أمني جديد (جهاز الردع)، بمعداتهم ورواتبهم ومقراتهم، ومنحها صلاحيات موسعة منها؛ مراقبة الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومنح أعضاء الجهاز صفة "مأموري الضبط القضائي"، ومصادرة الأموال والأملاك المضبوطة وتخصيصها لتمويل الجهاز.

ونصّت المادة رقم (9) من القانون على تحديد مصادر الجهاز المادية بطريقتين: الأولى من ميزانية الدولة، والثانية ما تتمّ مصادرته من الأموال والعقارات والمنقولات المرتبطة بالجرائم التي يتم ضبطها لأحكام المصادرة في القانون الليبي.

اقرأ أيضاً: رفض إقليمي ودولي واسع لجرائم الوفاق وأردوغان في ليبيا.. أبرز ردود الفعل

يكشف ذلك فشل عملية دمج الميليشيات في وزارة داخلية حديثة؛ إذ شرعن القانون السابق عمليات النهب والابتزاز التي تقوم بها الميليشيا بحقّ كلّ من تراه مخالفاً لمبادئها الدينية السلفية، وفتح الباب أمام تحول الميليشيا إلى قوة إجرامية فوق القانون، فإذا كان الحال هكذا مع الميليشيا الأشد انضباطاً، فكيف الحال بالميليشيات الأخرى الأكثر فوضوية؟

الافتقار لمنهج للدمج

ومن خلال تتبع عمل وزارة داخلية الوفاق، يرى السويفي أنّ "الوزارة نفسها موبوءة بالفساد والعمل خارج القانون"، وذكر لـ "حفريات" قضية تورط أفراد من مكتب الوزير باشاغا في خطف رضا قرقاب، وكيل ديوان المحاسبة، بسبب كشفه لقضايا فساد كبرى داخل الوزارة، تمسّ شخصيات على صلة بباشاغا، إضافة إلى حادث تورط عناصر من داخلية الوفاق مع ميليشيا احتجزت 51 باكستانياً خلال الفترة الماضية، للمطالبة بفدية.

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث في ترهونة؟.. هذه جرائم ميليشيات الوفاق ومرتزقة أردوغان

في السياق ذاته؛ يعاني سكان طرابلس من فساد رجال الشرطة، الذين يتركون مهامهم ويفرضون إتاوات على الأنشطة التجارية والسكان، إلى جانب عدم وجود انتماء حقيقي لأفراد داخلية الوفاق لمفهوم الدولة المركزية؛ إذ تعمل كلّ ميليشيا كشرطة في مناطق سيطرتها.

أمّا عن تدريب ضباط الأمن فيتمّ في تركيا؛ حيث تمّ إنشاء أكاديمية لتدريب الشرطة الليبية فيها، وهو ما يعدّ مثالاً سيئاً يبني باشاغا عليه قوات الشرطة المدنية؛ حيث لا تملك تركيا ما تقدمه لهم سوى انتهاك حقوق الإنسان والاعتقالات غير القانونية والقمع، وفق ما يرى الصحفي السويفي.

علاوة على ذلك؛ يمثّل الصراع بين السراج وباشاغا عقبة في طريق إنشاء قوى أمنية حديثة؛ إذ يحتفظ كلّ منهما بميليشيات موالية، كما أنّ هذه الميليشيات ترتبط بمصالح مادية، تتمثّل في سيطرة كلّ منها على مورد مهم، أو مؤسسة اقتصادية حكومية، ولن تقبل بتسليم مصادر سيطرتها لوزير محسوب على ميليشيات منافسة.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تستطيع الوفاق الليبية السيطرة على مساحات شاسعة؟.. معهد أوروبي يجيب

وتبقى أمام باشاغا التضحية بالميليشيات التي تعمل بشكل منفرد، ولا تحظى بحماية أعضاء كبار في الحكومة، ومن أبرز هذه الميليشيات؛ النواصي، وباب تاجوراء، وثوار طرابلس، إلى جانب قوة 2020، التي تتبع جهاز الردع ويقودها محمود حمزة.

وهناك تفاهم بين عبد الرؤوف كارة، آمر جهاز الردع، والوزير باشاغا، حول حلّ قوة 2020، بعد أنّ رفضت القتال في صفوف حكومة الوفاق أثناء هجوم الجيش الوطني على العاصمة لتحريرها من الميليشيات، وفق ما ذكر موقع "الساعة 24" الليبي.

ولا تغفل الميليشيات الموضوعة في قوائم التفكيك عن نية باشاغا؛ إذ تابعت اجتماعات الوزير منذ 2018 مع الولايات المتحدة، ودخلت عدة مرات في صراعات مسلحة مع وزارة الداخلية، والميليشيات المصراتية الداعمة لها.

ومن الغريب عدم إثارة المسؤولين الأمريكيين ملف المرتزقة الذين جلبهم أردوغان، رغم ارتباط عدد غير قليل منهم بتنظيمات إرهابية، وفق قوائم الأمم المتحدة وواشنطن، لكن يبدو أنّ واشنطن لم تنتهِ بعد من أردوغان ومرتزقته، وتبقيهم، ربما لتستخدمهم كورقة ضغط في إطار صراع المصالح في ليبيا.


الصفحة الرئيسية