حسني عايش: التيارات الإسلاموية تغوّلت على العلم وأفسدت التعليم

حسني عايش: التيارات الإسلاموية تغوّلت على العلم وأفسدت التعليم

مشاهدة

24/08/2020

أجرت الحوار: رشا سلامة

تنثال الجدليات دفعة واحدة حين تهمّ بمحاورة المفكّر التربوي والكاتب حسني عايش؛ إذ لا تقتصر رؤاه على تشريح الإسلام السياسي بمبضع جرّاح فحسب، بل يقلب الطاولة على كثير من المُسلّمات السياسية والدينية.

يرى عايش أنّ التيار الإسلامي يتغوّل على العلمي والأكاديمي، وأنّ هذا أفسد التعليم في المنطقة العربية، بل وجعل الأمر محض "تخلّف"، مُرجِعاً ذلك لهزيمة عام 1967، التي أسهمت في يأس الجماهير العربية وانتظارها الحلّ من السماء، عوضاً عن التفكير والعمل، كما يقول.

لقد اكتشفت قبل مدة من مراجعتي للكتب المدرسية ما يثير الفزع والهول؛ حيث وضع الإسلامويون على رأس كلّ درس في العلوم آية قرآنية، أي أخضعوا العلم للدين

يُعلّق عايش على توجّهات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عبر هذا الحوار، من خلال قوله إنّ لديه غروراً وثقة زائدَتين بالنفس، إضافة إلى الأطماع في البلاد العربية، عدا عن كونه لا يتوقف عن استفزاز محيطه العربي والأوروبي كنوع من استعراض القوة.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار، الذي أجري نهاية الشهر الماضي، مع المفكّر حسني عايش، المولود عام 1933، في قرية كفر اللبد – طولكرم، في فلسطين، و الذي أنهى دراساته العليا في التربية في جامعة "ميشفن إيست لانج" في أمريكا، إضافة إلى تقلّده مناصب شتى في الدولة الأردنية، من بينها؛ أول رئيس لقسم التخطيط التربوي في وزارة التربية والتعليم، وعميد كلية تدريب عمّان في وكالة الغوث – اليونسكو، وعميد كلية مجتمع السلط في وزارة التربية والتعليم، وغيرها من مناصب، كمدير عام لعدد من الشركات التعليمية والطبية، إضافة إلى كونه عضواً في مجلس الأعيان الأردني، منذ 1989 حتى 1993.

هنا تفاصيل الحوار:

لطالما كنت منتقداً تغوّل التيار الديني في مناحي الحياة كافة، في العالمَين العربي والإسلامي، وعلى رأس هذه المناحي: التعليم.. ما مبررات ذلك.

كان التعليم في الأردن، بعد وحدة الضفتين، حلاً للدولة اجتماعياً واقتصادياً، وما إلى ذلك، لكن انقلب الأمر بعد أن فقد هذا التعليم روحه واستقلاله، بسيطرة الإسلاميين، بل الإسلامويين، عليه في المناهج والكتب المدرسية، وبوساطة معظم المعلمين والمعلمات والمديرين والمديرات، في ظلّ انحياز الدولة لهم.

لقد اكتشفت قبل مدة من مراجعتي للكتب المدرسية ما يثير الفزع والهول؛ حيث وضعوا على رأس كلّ درس في العلوم آية قرآنية، أي أخضعوا العلم للدين، مع أنّه يجب أن يستقلّ كلّ منهما عن الآخر؛ لاختلاف المنهج والغاية، وقد تناولت هذا الأمر عبر مقالاتي الصحفية، وفي كتابي بعنوان "فصل المقال في ما بين الدين والعلم والإرهاب والسياسة من اتصال وانفصال".

لقد تحوّلت المدارس، وربما الجامعات وكليات الشريعة (التي تتحكم بها)، إلى ما يشبه الجوامع، ولعلّ هذا يفسّر التخلّف العربي والإسلامي؛ العلمي والتقني.

ليست لديّ دراسة حول مدى عمومية هذه المشكلة عربياً، لكنّي أقدّر أنّها موجودة في معظم البلاد العربية والإسلامية؛ فقد اكتسحها هذا الاتجاه بعد هزيمة 1967 الكبرى وقد بدأ التأثير يظهر بشكل واضح بعد الربع الثالث من القرن العشرين، ولماذا أحدّد هذا التاريخ؟ لأنّني كنت، حتى عام 1975، عميداً ومديراً عاماً لكلية المعلمين والمعلمات في وكالة الغوث – اليونسكو، وكان لدينا في هذا المعهد ما مجموعه 400 طالبة ومعلمة سنوياً، لم تكن منهنّ، حتى التاريخ الذي تركت المعهد فيه، أيّة طالبة محجبة، وكذلك المعلمات، باستثناء واحدة، لأسباب خاصة بها، مع أنّ أولئك الطالبات كنّ يأتين في معظم الأحيان من المخيمات الفلسطينية في الأردن.

أما الآن؛ فقد تحجّب الجميع بدءاً من رياض الأطفال، وليس انتهاءً بالجامعات.

لقد ذكرت أنّ الأنظمة العربية تواطأت معهم، فلماذا؟

السبب الرئيس في هذا التحالف، المتكاره، بمعنى أنّ الطرفَين لا يحبّان بعضهما، لكن بينهما مصلحة مشتركة، هو  أنّ الأنظمة العربية، والإسلاميين، والإسلامويين، يرفضون المنهج الديمقراطي، باعتباره عدواً مشتركاً لهم، كما أنّ الخطاب الإسلامي والإسلاموي الذي سيطر على المجتمع يجعل الأنظمة تنافق له بدلاً من تعليمه وتوعيته، وقد تأدلجت الجماهير على ذلك.

اكتسب الإسلاميون قبولاً في الأوساط الشعبية؛ لأنهم قالوا "لقد جرّبتم خيارات مثل القومية والشيوعية ولم تفلح، فلماذا لا نجرّب؟"، لتأتي فعلاً أحزاب دينية، مثل حزب الله، بانتصار وتحرير لجزء من أرض عربية؛ ما تعليقك؟

ذكرت لكِ أنّ ثمّة تحوّلاً أعقب هزيمة 1967، لكنّه لم يكن تحوّلاً قائماً على الوعي للذات، ولم يكن هناك تقييم لمتطلبات النهضة والتحرير وأسباب الهزيمة؛ كانت الضربة قاضية لدرجة اللجوء للسماء فقط؛ لتحقّق للمهزومين ما يرغبون فيه؛ بمعنى أنّهم لم يضيفوا القطران إلى الدعاء (أي العلم والتكنولوجيا)؛ لذلك، وجدوا الراحة التامة في هذا الانقلاب نحو هذا التيار القكري، وقد امتصّ الهزيمة، أو هكذا شعروا، وأنّ المستقبل سيكون لهم بهذا الانقلاب الفكري الذي تحوّل إلى إرهاب على أيدي طالبان والقاعدة وداعش، وبذلك كانت الخسارة مزدوجة؛ عربية وإسلامية، سياسية وفكرية.

لطالما تحجّج الإسلاميون والإسلامويون بضرورة الإسلام السياسي والحكم الإسلامي؛ لأنّ غيرهم، كالقوميين والشيوعيين، الذين حكموا فشلوا، قائلين "دعونا نجرب"، وها هو حزب الله ينتصر ويحرّر الجنوب اللبناني وينتصر للمرة الأولى في تاريخ الصراع.

الجواب؛ هو أنّ الحكم الإسلامي مستمر لنحو 1400 عام تقريباً، ولم يتوقف؛ لذلك لسنا في حاجة إلى تجربته. رسمياً، حتى سقوط الدولة العثمانية كان هذا الحكم قائماً وهو مجرّب، مثله مثل أيّ حكم، لكنّه يختلف عن أيّ حكم في العصبية الدينية ضدّ أصحاب الديانات الأخرى.

أما قضية حزب الله؛ فهي أنّه تنظيم عنوانه إسلامي وحقيقته مقاومة للاحتلال، مثل أيّ حركة مقاومة في أيّ بلد محتل، كفيتنام أو جنوب أفريقيا على سبيل المثال، لقد عرف العوامل اللازمة للانتصار على الاحتلال، مضافاً إليها الدعم الإيراني القوي (المدد).

لو تساءلنا: ما هو الجامع بين حركات المقاومة؟ سنجيب فوراً: المقاومة نفسها، علينا أن نفكّر بالجامع المشترك لكلّ الحركات المقاومة للاحتلال، قد نجد أنّ الدين أحد العوامل المهمة، لكنّه ليس كذلك بالضرورة، ويمكن استغلاله بالصراع ضدّه، لكن هناك عوامل أخرى أهم؛ كالقيادة والإدارة والإستراتيجيا والجغرافيا والتكتيك والتضحية والصمود والمدد، وإلا، فكيف نفسّر نجاح غير المسلمين في المقاومة؟ هل يجب على الفيتنامي أن يكون مسلماً حتى ينجح في مقاومة الاحتلال؟

لمّا كان أردوغان لا يؤمن بالثقافة الإنسانية والديمقراطية الرفيعة، وزائد الثقة في النفس إلى حدّ الغرور، اختار العكس، وهذا ما يجعل وقوعه على "زلاطيمه" متوقعاً

ها هما حزب الله وإيران يُضرَبان من إسرائيل في سوريا باستمرار ولا يردّان عليها؛ لاختلاف الظروف والمعطيات؛ معنى ذلك أنّ العامل الديني في حدّ ذاته ليس هو السبب في الانتصار.

ثم إنّ علينا هنا أن نطرح السؤال على المسلمين السنّة، إذاً؛ لماذا لم ينجحوا في المقاومة مثلما نجح المسلمون الشيعة؟

في المقاومة لديّ قانونان: الأول: لا تستخدم منهجاً في المقاومة ضدّ عدوك، هو أقدر أو أبرع منك في استخدامه ضدّك. والثاني؛ لا تستخدم منهجاً في المقاومة ضدّ عدوك لا تستطيع الاستمرار فيه حتى النهاية.

جدل عارم أحدثه تغيير صفة كاتدرائية آيا صوفيا، من متحف إلى مسجد؛ ثمة مَن جاءت هذه الخطوة لتلهب الحماسة لديه، وحول أنّ "أردوغان شوكة في حلق أوروبا"، على حدّ تعبيرهم، ما تعليقك؟

لم تعترض تركيا الجمهورية وتركيا الإسلاموية يوماً، أو مرّة، على تحويل إسرائيل مساجد فلسطين المغتصبة إلى خمّارات وبارات ومراقص وإسطبلات للحيوان، كما لم يعترض العالم عليه أيضاً، ولم يفعل المسلمون شيئاً يذكر حياله سوى الشجب والاستنكار في الليل، لا في النهار، بينما انشغل العالم بفعلة أردوغان؛ لأنّ آيا صوفيا كنيسة تاريخية ذات دلالة، وليست مجرد كنيسة أو مسجد.

عندما احتل المسلمون سوريا والأندلس حوّلوا كنائس ومساجد كثيرة، وعندما استرجع الأسبان الأندلس بحرب الاسترداد بادروا إلى تحويل مساجدها إلى كنائس، أو إلى غير ذلك.

اقرأ أيضاً: حيدر إبراهيم: فرض الإخوان المسلمون نفوذهم في السودان بالسيطرة على الاقتصاد والتعليم

ولمّا كان أردوغان لا يؤمن بالثقافة الإنسانية والديمقراطية الرفيعة، وزائد الثقة في النفس إلى حدّ الغرور، اختار العكس، وهذا ما يجعل وقوعه على "زلاطيمه" متوقعاً، وما يجعل احتمالات أزمة داخلية أو خارجية، أو كليهما، واراداً، وككلّ القادة السابقين المصابين بالثقة الزائدة في النفس عن الحدّ؛ من نابليون إلى هتلر، ومن عبد الناصر، وصدام، والأسد، والقذافي، وبن علي، إلى البشير، فإنّ احتمالات وقوع أردوغان واردة بقوة، إلا إذا كان فريداً وشاذاً عن القاعدة، فلا يقع.

أدعو إلى حلّ الدولة الواحدة، وإن لم يكن عادلاً، لكنّه أفضل من حلّ الدولتين، وأعتقد أنّ صمود الفلسطينيين في المناطق المحتلة 1948، مع إخوتهم في الضفة وغزة، سيغيّر التاريخ

لقد جذب انتباهي قول أردوغان في الردّ على منتقديه في قراره الآنف: "اتخذنا هذا القرار ليس استناداً إلى ما سيقوله الآخرون، بل في ضوء حقوقنا، كما فعلنا في سوريا وليبيا وأيّ بلدٍ آخر"، وكأنّ سوريا وليبيا، وأيّ بلد آخر يضع رجله فيه، يصبح شأناً تركياً داخلياً، وهو تفكير هتلري خطير يجب أن ينبّه العرب وغيرهم إلى المطامع الأردوغانية في أوطانهم.

بهذا التصريح الفظيع يبدو من خلاله أردوغان وكأنّه يلعب على عدة حبال في الوقت نفسه، ويتحدى العالم بها، خاصة سوريا والعراق وليبيا واليونان وقبرص ولبنان ومصر، وربما تنضمّ أرمينيا إليها، معتمداً على قدرته على ابتزاز أوروبا باللاجئين، فتسكت، وعلى عضوية تركيا في حلف الأطلسي فيؤيده، وعلى الضعف العربي العام والخاص.

لقد جرّب الفلسطينيون خيارَي الثورة والسلام، ولطالما كانا متّصلين غير منفصلين، أي ثمة من يقاوم وثمة من يفاوض في الوقت ذاته؛ لعلّ وعسى أن يأتي أحد الطرفين بالحلّ. ما هي رؤيتك للقضية الفلسطينية حالياً؟

ذكرت من قبل القانونين المتصلين بالمقاومة؛ وأؤكد عليهما؛ ففي حالتنا الفلسطينية الفريدة على مستوى العالم والتاريخ، فإنّي أرى المقاومة الشعبية السلمية هي الخيار الأمثل؛ أي تلك المقاومة التي توحّد المجتمع ويبقى مستمراً في عمله كالمعتاد، حينها، ستدفع إسرائيل الثمن عن أيّ عنف في نظر العالم.

أرى أنّ حماس تعتمد التفجيرات في الناس المصادفين، أي كيفما اتفق، وإسرائيل ترى في هذا فائدة عظمى؛ لأنّ ذلك يمكّنها من الردّ بعنف أكبر. حماس استخدمت الدين في السياسة.

لعلّ أكبر خطأ كان تدشين الثورة الفلسطينية من خارج فلسطين، ولمّا كانت الأنظمة العربية مهزومة بعد نكسة 1967، فقد غضّت الطرف عن الثورة في الأردن ولبنان، لكنّها ما إن استجمعت قواها حتى تخلصت منها، وقد أوجدت منظمة التحرير الفلسطينية هذه الذريعة للأنظمة، حين فصلت بينها وبين العرب، وكان للخطأ أن يكون أقل سوءاً لو أنّها حملت اسم "منظمة تحرير فلسطين".

اقرأ أيضاً: "للمرة الأولى في تاريخ البشرية".. جيل كامل من الأطفال ينقطع عن التعليم

ولعلّ الغريب أنّ الإعلام الفلسطيني في الخارج كان يزعم الانتصار، ويوحي للفلسطينيين في الداخل أنّ التحرير قاب قوسين أو أدنى. كان الداخل ينتظر عبور عرفات والمقاومة، لكن بعد تصفية المقاومة في الخارج بات الداخل يشعر بأنّ عبء التحرير يقع عليه وحده فقط، وهكذا اندلعت انتفاضة عام 1987، التي أجهضتها، من وجهة نظري، التفجيرات واتفاقية أوسلو.

من الصعوبة بمكان القيام بثورة مسلحة في الضفة الغربية الصغيرة الحجم، الضعيفة التضاريس، والمحاطة إسرائيلياً من جميع الجهات.

منذ مدة، وأنا من آن لآن أدعو، إلى حلّ الدولة الواحدة، وإن لم يكن عادلاً، لكنّه أفضل من حلّ الدولتين، وأعتقد أنّ صمود الفلسطينيين في المناطق المحتلة في العام 1948، مع إخوتهم في الضفة وغزة، سيغيّر التاريخ، وسيظهَر يهود يؤيدون الديموقراطية ويرفضون العنصرية.

هذا سيأتي، لكنّه سيأخذ زمناً طويلاً، وإن كان في تاريخ الشعوب قصير.

الصفحة الرئيسية