حركة النهضة تضع تونس عند مفترق الطريق.. قراءة في قرارات قيس سعيّد

حركة النهضة تضع تونس عند مفترق الطريق.. قراءة في قرارات قيس سعيّد

مشاهدة

27/07/2021

بدا مشهد الحوار بين راشد الغنوشي، وأحد الجنود المكلفين بحراسة مجلس النواب التونسي، كاشفاً عن الفجوة بين الطرفين، والمسافة التي يقف عليها كل منهما تجاه وطنه؛ إذ سعى رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة، فرع الإخوان في تونس، نحو عبور بوابة المجلس، من خلال محاولة إقناع فرد الأمن بالسماح له بالدخول إلى مقر البرلمان، قائلاً: "الجيش التونسي هو من دافع عن الثورة وحماها، ننتظر منكم ذلك.. أيها الجيش الوطني، حامي الحمى والدين"، غير أنّ  ردّ الجندي كان صادماً للغنوشي، وواضحاً في انحيازاته، حيث قال: "نحن أقسمنا على الدفاع عن الوطن".

اقرأ أيضاً: ماذا قالت عبير موسي عن قرارات سعيد؟.. فيديو

كشف هذا المشهد بجلاء واضح، ما اقترفته حركة النهضة في تونس خلال العقد الماضي، على كافة المستويات، في كلّ قطاع من قطاعات البلاد، وهيمنتها على الحكومات المتعاقبة؛ بهدف التغوّل والتحكم في مفاصل الدولة، ما أدى إلى شلل وفوضى في السلطات العامة، وتدهور حاد في كافة المؤسسات، وتداعي الخدمات التي تقدم للمواطن.

مآلات الدفع تجاه الفوضى

غير مرة لوّح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بأنّه لن يصمت على مشهد الانسداد السياسي، ولن يسمح بوجود مراكز قوى، ومن ثم يترك تونس رهينة في يد تعبث بها، فمضى نحو غايته على مهل، حتى بدت الأمور لا تحتمل أيّ تأخير.

حين ذلك ظهر قيس سعيّد، وهو يجتمع بقيادات عليا من الجيش الوطني التونسي، وأعلن عن جملة من القرارات، التي جاءت استجابة للشارع التونسي، الذي خرج وتظاهر ضد حركة النهضة، وهاجم مقراتها، وأعلن رفضه استمرار تلك الأوضاع، ورغبته في تقويض هيمنة واستبداد الحركة.

كان الرئيس قيس سعيّد، أعلن الأحد الماضي، تجميد كافة اختصاصات البرلمان لمدة شهر، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإقالة الحكومة التي يقودها هشام المشيشي، لصالح  توليه رئاسة السلطتين التنفيذية والقضائية، وفي المقابل أعلن راشد الغنوشي أنّ "العمل سيستمر في المؤسسات التونسية".

اعتمد الرئيس التونسي قيس سعيّد في قراراته على المادة رقم 80 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية اتخاذ تدابير استثنائية. وقال خلال جولة قام بها في شارع الحبيب بورقيبة، إنّ ما حدث ليس انقلاباً، متسائلاً: "كيف يمكن أن يكون انقلاباً بناء على القانون؟..أنا أحمل مبادئ الثورة وارفع شعاراتها؛ شغل حرية كرامة وطنية".

غير مرة لوح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بأنّه لن يصمت على مشهد الانسداد السياسي، ولن يسمح بوجود مراكز قوى، ويترك تونس رهينة في يد تعبث بها

في إطار ذلك، يذهب منير الشرفي، مؤسس ورئيس المرصد الوطني التونسي للدفاع عن مدنية الدولة، في تقييمه لأحداث 25 تموز (يوليو ) 2021، إلى أنّ الأمر يتطلّب كثيراً من الهدوء، والابتعاد عن العاطفة وردود الفعل السطحية؛ إذ إنّ العاطفة لا يُمكن وضعها بين قوسين في مثل هذا الظرف، لافتاً إلى أنّه يوجد وطنيّ صادق واحد، لم يتمتّع بمشاهدة راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورئيس مجلس النواب، الذي توغل في الاستبداد وتعميق الأزمة السياسية بين دوائر الحكم خلال العقد الماضي، وكذا الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن التونسي، وهو يتوسّل لجندي أن يفتح له باب مجلس النواب.

ولكن، ينبغي أن نقول ماذا حدث؟ حتى يضحى هذا المشهد واقعاً وماثلاً في أعين الجميع ..

هنا يلفت الشرفي، في تصريحه لـ"حفريات" إلى أنّ المظاهرات في كامل البلاد، والتي شارك فيها آلاف التونسيين، من الصعوبة بمكان النظر إليها من خلال استجابة لمجرّد نداء من بعض الشبان، في أجواء تتّسم بالانتشار واسع للوباء، وتحت شمس حارقة، بيد أنّ الحقيقة الساطعة، هي أنّ ما حدث كان وراءه قوّة عظيمة ذات إمكانيات مهولة، تتمثل في رفض الشعب التونسي لما آلت إليه أحوال البلاد على كافة المستويات والقطاعات.

الرئيس أعدّ خطته مسبقاً لإنقاذ تونس

يضيف رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة، أنّ القرارات التي اتّخذها رئيس الجمهورية، مباشرة، بعد هذه المظاهرات، لا يُمكن أن يكون قد اتّخذها عند مشاهدته لهذه المظاهرات، وإنّما هي عميقة ومدروسة، ومن الأكيد أنّها تطلّبت وقتاً طويلاً من التفكير والمشاورات. أي إنّ ما تمّ في النهار، وما تمّ في الليل، هما فصلان من سيناريو واحد، تمّ التخطيط له منذ مدّة، على خلفية الأحداث المتواترة منذ شهور، ومشهد الانسداد السياسي بين دوائر الحكم، واستحالة الوصول إلى صيغة توافقية، مما أفضى إلى تلك القرارات من الرئيس، حفاظاً على الوطن والمواطن.

اقرأ أيضاً: رهانات ومآلات الثورة البيضاء في تونس بقيادة قيس سعيد

ويتابع الشرفي، اليوم يحقّ للتونسيين أن يكونوا على هذا القدر من الفرح، وقد أبعد عنهم رئيس الجمهورية الهمّ والغمّ والبؤس والكآبة، ممّا تحمّلوه من ظلم واستهتار وانعدام الوطنية والكفاءة، لدى حكومة المشيشي الفاشلة، ورئاسة مجلس النواب المُتآمرة على الشعب.

ويؤكد، لست من دعاة التشدد في قراءة الدستور، لذلك لن أناقش وجهة نظر الرئيس سعيّد، في تأويله للفصل 80 من الدستور. وعلينا أن ننظر إلى النتائج السياسية لقرارات الرئيس، وهي تستجيب تماماً لرغبة التونسيين.

منير الشرفي: حركة النهضة حزب ديني مُتطرّف وعنيف ومُسلّح. والأمل كل الأمل ألّا تسقط قطرة دم واحدة، حتى نمرّ من هذه المرحلة بسلام

يختتم منير الشرفي، تصريحاته بقوله "لابدّ من الأخذ في الاعتبار، أنّ حركة النهضة حزب ديني مُتطرّف وعنيف ومُسلّح. والأمل كل الأمل ألّا تسقط قطرة دم واحدة، حتى نمرّ من هذه المرحلة بسلام؛ فالمرحلة القادمة ستكون حسّاسة إلى أبعد الحدود، ومحفوفة بشتى المخاطر، وتتطلّب اتخاذ قرارات وإجراءات عديدة كل يوم، وعلى خلفية ذلك أدعو الرئيس، بكل إلحاح، إلى أن يُحيط نفسه بكفاءات وطنية عالية، حتى تكون التدابير القادمة مدروسة".

الغنوشي هو من انقلب أولاً

من جهته، يرى الأكاديمي التونسي مراد الحاجي، أستاذ تحليل الخطاب، أنّ خروج النهضة وأنصارها، وتنديدهم بما يعتبرونه "انقلاباً"، يمثل في واقع الأمر مناورة للتغطية على أنّ ما حدث كان نتيجة حتمية لغضب شعبي عارم، أسست له النهضة بفشلها في قيادة المرحلة، والذي تجلى في تردي الأوضاع الاجتماعية تحت حكمها، وتخبط اقتصادي، وفشل في معالجة تداعيات جائحة كورونا، بيد أنّ أهم نقطة لا ينبغي إغفالها، تستقر عند الغنوشي، هو الذي أسس للانقلاب، أو جعل ما يعتبره هو وأنصاره اليوم انقلاباً، تصحيحاً في نظر عامة الناس.

ويتابع الحاجي في تصريحات لـ"حفريات" قائلاً: "الغنوشي أثناء مرحلة الانتخابات الرئاسية السابقة، ساند قيس سعيّد، وقال إنّ نبيل القروي زعيم قلب تونس رجل فاسد، وأثنى على نظافة سعيّد، ووعد أنصاره في فيديو شهير، بأنّه لن يتحالف أبداً مع القروي، لأنّه يمثل الفساد في مقابل نظافة سعيّد، بل أشهدهم على نفسه وقال: إن لم أف، فهذا الفيديو شاهد عليّ".

غير أنّ الغنوشي انقلب على سعيّد، النظيف قديماً والمهووس بعد ذلك؛ لأنّه لم يكن طوع أمره، كما كان المرزوقي، أو قبل أن يتقاسم معه الكعكة كما فعل السبسي من قبل،  وما لبث أن نكث الغنوشي بوعده لأنصاره، وتحالف مع من نعته بالفاسد، وعمل على إخراجه من السجن، وأصبح يقدمه رمزاً للوطنية والإخلاص.

هكذا انقلب الغنوشي سياسيّاً، حتى على أنصاره، وعلى ثلاثة ملايين ونيف انتخبوا سعيّد، ضد الفساد، وأصبح يوظف الديمقراطية لخدمة الفساد؛ فتحول البرلمان إلى ممثل المافيات والعائلات الناهبة المتحكمة في الاقتصاد، يصوغ  قوانين على مقاس مصالحها، ويبيّض الفاسدين الذين وعد بمقاومتهم وعدم التحالف معهم.

مراد الحاجي: الغنوشي انقلب على سعيّد، النظيف قديماً والمهووس بعد ذلك؛ لأنّه لم يكن طوع أمره كما كان المرزوقي

عبر ذلك مهد الغنوشي بانقلابه على الديمقراطية لصالح الفساد، لما فعله سعيّد، الذي وجد في الغضب الشعبي منه ومن النخبة السياسية، فرصة مناسبة ليظهرهم كجماعة جعلت من البرلمان ساحة للصبيانيات والمهاترات، وتركت الشعب يواجه وحده الجائحة، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، لتهتم بسن قوانين لصالح الفاسدين، كما عبرت عن ذلك النائبة سامية عبو.

وهذه الصورة خدمت سعيّد، كثيراً؛ ليتحول ما فعله إلى نوع من الإنقاذ، بشرط أن لا يؤول الأمر، بحسب الحاجي، إلى ديكتاتورية، ويكون عند وعده بأن يكون حامياً لإرادة الشعب، لا بانياً لمجد شخصي سلطوي، ولذلك هو في مفترق طريق، بين أن يرسم لنفسه صورة نبيلة مثل: مانديلا، وليبولد سانغور، وسوار الذهب، أو أن يكون ككل الديكتاتوريين، والخشية هنا من كل المتملقين المنافقين صيادي المصالح؛ الذين يصنعون الديكتاتوريات، ومن العائلات الناهبة للاقتصاد، والمتحكمة فيه، والتي ستعيق أيّ إصلاح لا يخدمها. وهنا دور الشعب في الرقابة ورفض الاستغلال، والسعي إلى استرداد الديمقراطية على أسس صحيحة، بعيداً عن الفساد وتوظيف الديمقراطية ضد ما جعلت له.

الصفحة الرئيسية