تقريران أمريكيان يكشفان كيف سيطرت الميليشيات على الدولة العراقية

العراق

تقريران أمريكيان يكشفان كيف سيطرت الميليشيات على الدولة العراقية

مشاهدة

12/02/2020

حتى نهاية حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، كانت الميليشيات الموالية لإيران تجد صعوبة كبيرة في بسط نفوذها على مؤسسات الدولة، وهو ما برّر موقفها المعادي لاستمرار العبادي في منصبه، لكنّها وجدت الطريق معبّدة بعد تولي رئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي، منصبه، لا سيما أنّ الرجل القوي في ميليشيا "بدر"، أبو جهاد الهاشمي، والوثيق الصلة بقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، صار مديراً لمكتب رئيس الحكومة والموجّه الفعلي لأعمالها.

اقرأ أيضاً: عملية اقتلاع "نظام إيران" من العراق
وفي الأسبوع الماضي؛ كشف تقرير نشره مركز أبحاث مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية المشهورة "وست بوينت"؛ أنّ الميليشيات التي تدعمها إيران وصلت إلى أوج قوّتها بعد تولي عبد المهدي رئاسة الحكومة، عام 2018، بعد أن "تمكّنت من السيطرة على مكتب رئيس الوزراء، بوجود مديره "أبو جهاد الهاشمي"، القيادي في منظمة بدر، الذي تربطه علاقات وثيقة بقائد فيلق القدس، قاسم سليماني".

أمن وبنوك ونفط
ويلاحظ التقرير الذي وضعه الكاتب الأمريكي، مايكل نايتس، أنّ هذه الميليشيات، التي كان يقودها نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وزعيم كتائب حزب الله، أبو مهدي المهندس، تمكّنت أيضاً خلال فترة عبد المهدي من "السيطرة على عمليات اختيار الوزراء والمسؤولين الأمنيين".

الميليشيات التي تدعمها إيران تمكنت من السيطرة على مكتب رئيس الوزراء عبد المهدي، بوجود مديره أبو جهاد الهاشمي

فضلاً عن ذلك؛ هيمنت الميليشيات المدعومة من إيران على الشؤون التجارية في البلاد، وقامت بتحويل مبالغ العديد من المشاريع الاقتصادية الرئيسة إلى حساباتها وحسابات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.
ويورد التقرير اسم قائد ميليشيا "كتائب الإمام علي"، شبل الزيدي، المصنَّف على لائحة الإرهاب الأمريكية منذ عام 2018، بكونه أصبح "من أغنى الرجال في العراق لما يمتلكه من إمبراطورية تجارية مترامية الأطراف، وأيضاً من خلال سيطرته على وزارة الاتصالات"، كما وينوّه إلى أنّ "قادة الميليشيات الرئيسة بسطوا نفوذهم من بناء قوة عقارية كبيرة".
طرف ميليشياوي غير عراقي دخل على الخطّ؛ فبحسب التقرير "استغل حزب الله اللبناني هيمنة هذه الميليشيات على المشهد الاقتصادي في العراق للحصول على عقودٍ وهمية، مستغلاً العلاقات الوثيقة التي تربط محمد كوثراني وشقيقه عدنان كوثراني بالقادة العراقيين الموالين لإيران".

اقرأ أيضاً: "حمّام دم" في النجف.. الصدر يجر العراق لاقتتال داخلي
لم يذكر التقرير أسماء بنوك عراقية تمثّل مصدراً يدرّ ملايين الدولارات يومياً على الميليشيات، ويتمثل في "سيطرة رجال أعمال مرتبطين بإيران على أربعة بنوك خاصة تستغل مزاد بيع الدولار لتأمين العملة الصعبة لطهران"، لكنّه يكشف أنّ الميليشيات تمكنت أيضاً من اختراق نظام "كي كارد" المخصص لدفع الرواتب الحكومية، عبر زجّ أسماء موظفين وهميين في النظام الإلكتروني للحصول على أموال تبلغ قيمتها عشرات ملايين الدولارات شهرياً.
لم تتوقف سيطرة الميليشيات على بنوك ووظائف "فضائية"؛ سواء عبر تعظيم أعداد منتسبي الحشد الشعبي، أو عقود عمل وهمية لآلاف الأشخاص، بل توسعت إلى وضع اليد على حقول نفطية صغيرة في مناطق سنّية، أحكم الحشد نفوذه عليها بعد نهاية الحرب على داعش، مثل حقول "علاس"، "القيّارة" و"نجمة"، وكي يكون العمل متكاملاً فقد كانت هناك شركات نقل وشحن تسيطر عليها ميليشيات في البصرة لتهريب النفط المسروق من هذه الحقول.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان ما بعد سليماني
وبحسب التقرير المثير، أتاحت تلك العملية "الغطاء لتهريب النفط الإيراني الخاضع للعقوبات الأمريكية، عبر منافذ حدودية منتشرة على طول الحدود مع العراق، ومن ثم إعادة تعبئته وتصديره كنفط عراقي، لكن الموارد المتحصلة عن ذلك كانت تذهب لإيران".


وأحكمت الميليشيات الرئيسة سيطرتها على الموانئ ومناطق التجارة الحرة في العراق، لا لضمان تصدير النفط الخام العراقي فحسب، بل للاستحواذ على الجمارك المفروضة على البضائع الورادة إلى البلاد، كما تمكنت من الاستحواذ على الكثير من العقود المهمة في مطار بغداد الدولي، خاصة بعد تعيين القيادي في ميلشيا "بدر"، علي تقي، مديراً للمطار، الذي منح عقداً ضخماً لشركة خاصة مرتبطة بميليشيا "كتائب حزب الله" للسيطرة على عمليات نقل الأمتعة وعوائدها الجمركية.

"استعمار إيراني" للعراق
وفيما ظلّ مسؤولون وخبراء ومحللون كثيرون في واشنطن يكررون جملة شبه ثابتة، مفادها أنّ "طهران ما تزال تواصل تمويل الميليشيات العراقية الموالية لها، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها، نتيجة العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة"، إلا أنّ الحقائق التي أفرزتها فترة إحكام سيطرة تلك الميليشيات على الدولة العراقية، بمساعدة مكتب رئيس الحكومة، عبد المهدي، باتت تقدم قراءة مختلفة كلياً، توصل إليها الكاتب الأمريكي المتخصص بالشأن العراقي والمنطقة، مايكل روبن.

محللون: طهران ما تزال تواصل تمويل الميليشيات العراقية الموالية لها، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها

وفي مقالة له بمجلة "واشنطن إكزامينر"؛ يرى روبن أنّ "المعادلة باتت معكوسة الآن؛ حيث تستغل هذه الميليشيات نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية لتقديم الدعم لإيران وللحرس الثوري الذي يدير هذه الميليشيات".
هذه المعادلة الجديدة المغايرة لما تعتقد به مؤسسات كبرى في واشنطن، لا تأتي من مجرد كون الكاتب مسؤولاً سابقاً في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، بل كونها قامت على معلومات تحصل عليها الكاتب بعد زيارة قام بها مؤخراً للعراق، والتقى خلالها بمسؤولين وشخصيات رسمية.
يقول روبن: "إيران، وبدلاً من دعم ميليشياتها في العراق، باتت هذه الميليشيات تستخدم الشركات التي أنشأتها في العراق لدعم طهران وقوات الحرس الثوري، بعد أن شلّت العقوبات قدرات الحرس الثوري الاقتصادية"، موضحاً بالتفاصيل أنّ "مجموعات مثل "فيلق بدر"، "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحقّ" تقوم في بعض الحالات برشوة وإفساد العملية السياسية للفوز بعقود، وفي حالات أخرى تستخدم ببساطة التهديد العسكري للحصول على ما تريد".

اقرأ أيضاً: رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي لـ"حفريات": لست عميلاً لأمريكا أو إسرائيل
ليس هذا فحسب، بل تقوم هذه الميليشيات، وفق ما أورده روبن، بـ "نهب المساعدات الأمريكية والدولية، فضلاً عن الموارد العراقية وتحويلها إلى إيران".


يعيد روبن التذكير بما قامت به الولايات المتحدة للحدّ من النفوذ الاقتصادي للجماعات الموالية لإيران في العراق، ويشير إلى أنّ واشنطن فرضت عقوبات على "كتائب حزب الله"، وصنّفتها منظمة إرهابية، وفعلت الشيء ذاته مؤخراً مع "عصائب أهل الحقّ"، لكن المشكلة الآن لا تتعلق فقط بقيام هذه الجماعات بانتهاك حقوق الإنسان، أو الاستثمارات التي قد تمرّ عبر النظام المصرفي الدولي، بل تتمثل في قيامها بالتمكين المباشر للحرس الثوري خارج الآليات المالية العادية التي تراقبها الولايات المتحدة عبر نظام تدقيق "صارم".

اقرأ أيضاً: من هو شريك سليماني في قتل العراقيين والأمريكيين؟
يصل روبن إلى خلاصة ظلّ كثيرون في الولايات المتحدة يحرصون على تجنّبها، لجهة أنّها ترتدّ على واشنطن وسياسات إداراتها المتعاقبة في العراق، لجهة أنّ البلاد التي غزتها باتت كلياً تحت السيطرة الإيرانية؛ أي إنّها باتت مستعمرة إيرانية، فهو يقول: "إنّها مشكلة صعبة، لكن إذا كانت الولايات المتحدة تريد وقف الاستعمار الإيراني في العراق، وإنهاء الدعم الذي تقدمه طهران للإرهاب في الخارج، فعليها إعادة النظر في إجراءاتها من خلال توسيع العقوبات المفروضة على الميليشيات العراقية التي تنفذ أوامر إيران".

الصفحة الرئيسية