تفكيك شيفرة حزب الله: مشروعه وهويته المحلية ودوره الإقليمي

لبنان

تفكيك شيفرة حزب الله: مشروعه وهويته المحلية ودوره الإقليمي

مشاهدة

01/03/2018

تتوقف السيناريوهات المتوقعة لمستقبل حزب الله على المدى البعيد على أربعة عناصر، بحسب حلقة نقاشية شارك فيها، مؤخراً، خبراء وأكاديميون ذكروا أنّ أول هذه العناصر يتمثل في مدى الدعم الذي يُقدم إلى الحكومة اللبنانية من قبل الأطراف العربية والدولية؛ وثانيها، مدى احتمال حصول تسوية بين سوريا وإسرائيل، وأما العنصر الثالث فهو احتمال التقارب بين إيران والولايات المتحدة، فيما يتمثل العامل الرابع بمدى الدعم الذي يوفره المجتمع الشيعي اللبناني لحزب الله، وفي هذا الشأن مدى احتمال فك الثنائية الشيعية، أي بين حزب الله وحركة أمل.

الحزب، الذي يُصنّف منظمة إرهابية في كثير من الدول، موجود في اليمن والعراق ليس دفاعاً عن لبنان

وكانت الحلقة النقاشية انعقدت على مدى ست جلسات، واستضافها "مركز الإمارات للسياسات" في أبوظبي، أول من أمس، وسعت إلى "تفكيك شيفرة حزب الله"، من خلال مقاربة عميقة للحزب: بنيته ومشروعه وهويته المحلية ودوره الإقليمي ومواقفه ومستقبله. ونبّهت مداولات الحلقة النقاشية إلى أنه من غير المنتظر أن يخرج حزب الله اللبناني من دوره الإقليمي [محاربة التكفيريين كما يزعم] قبل خمس سنوات مقبلة على الأقل.

سعت الحلقة إلى "تفكيك شيفرة حزب الله" من خلال مقاربة عميقة للحزب

التأسيس ومراحل التطور

ولفتت المناقشات في الحلقة النظر إلى أنّ حزب الله مرّ في مرحلتين: الأولى تلك التي تلت نشأته بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي العاصمة بيروت في العام 1982، وفيها تحوّل إلى قوة عسكرية فاعلة بفضل النظام السوري وقراره، والمرحلة الثانية بدأت بعد إبرام اتفاق الطائف نهاية 1989، الذي ترافق مع انهيار الاتحاد السوفيتي، فحلّت إيران محله حليفاً لسوريا. حينذاك أرغم النظام السوري الحزب، بالاتفاق مع إيران، على التخلي، ولو شكلاً، عن مشروعه الديني، دولة الولي الفقيه الإسلامية، والدخول في بنية الدولة اللبنانية. في تلك المرحلة الذهبية احتكر حزب الله أعمال المقاومة بعد القضاء على كل المقاومات الأخرى. وكان وصول الرئيس بشار الأسد إلى السلطة في سوريا عام 2000، مرحلة ذهبية بالنسبة للحزب وتصاعد نفوذه؛ بخلاف ما كان عليه الوضع، نسبياً، زمن الأب حافظ الأسد.

ينطوي حزب الله على نقاط ضعف؛ فهو يعتمد بقوة على إيران تمويلاً وتسليحاً ودعماً أيديولوجياً وسياسياً

ويقدّم بعض الباحثين مقاربة أخرى، أيْ ثلاث مراحل أخرى لتطور حزب الله، الأولى تعكس فترة زعيمه عباس الموسوي؛ حيث كانت "المقاومة" ترفض شرعية الدولة اللبنانية، وفيها سعى نظامُ الجمهورية الإسلامية في عهد الخميني إلى تنفيذ خطة "تطهير سياسي" في صُفوف اللبنانيين الشّيعة لتحويل الجماعة الشيعية اللبنانية إلى جماعة صافية مذهبياً وطاردة للتَّنَوِّع، ليسهل التحكم بها وبمصيرها.  والمرحلة الثانية مرحلة حسن نصر الله (الذي أصبح أميناً عاماً للحزب سنة 1992)، حيث إننا أمام حزب شيعي لبناني يتكيّف مع بيئة طائفية، ويحقق اختراقات نوعية في مجالات عديدة. أما المرحلة الثالثة فهي عندما دخل الحزب في الحرب السورية بقيادة زعيم "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإيراني"، قاسم سليماني، فاهتزت صورته كحزب مقاوم لإسرائيل، ليترسخ في الأذهان مدى ارتباطه العضوي بالمشروع الإيراني، وفي الإطار الطائفي المتعصّب.

عباس الموسوي

من نقاط قوة الحزب

وأشارت مداولات الحلقة النقاشية إلى بعض نقاط قوة حزب الله، وخصوصاً أنه يتحلى بالواقعية السياسية ويَطبعُ مصالَحه حسب الظروف المحلية والإقليمية والدولية. ظهر ذلك من خلال تخليه في عام1992 عن اعتباره الحكومة اللبنانية غير شرعية؛ فدخل الانتخابات البرلمانية بفتوى من خامنئي، وفي حين كان لا يُشرّع الدخول في الحكومة كسر ذلك في عام 2005، لملء الفراغ الذي خلّفه خروج القوات السورية من لبنان. وذكر مشاركون في الحلقة أن "مجتمع المقاومة"، بالنسبة للحزب، ليس عسكرياً وإنما منظومة متكاملة غير جامدة، ولذا فإن النظر إلى الحزب كمنظومة عسكرية فقط لا يسمح بتفكيكه، فالحزب أكبر من مجرد مشروع عسكري، وهو قادر على تحمل الصدمات، وهو في معنى من المعاني يعمل على خلق "مجتمع مُضاد"، وهذا ما لامسه الباحث وضّاح شرارة في دراساته السابقة عن "دولة حزب الله".

الحزب بين المحلي والإقليمي

ثمة صعوبة في تحديد المحلي والإقليمي واشتباكاتهما لدى حزب الله. فالحزب، الذي يُصنّف منظمة إرهابية في كثير من الدول، موجود في اليمن والعراق ليس دفاعاً عن لبنان، وكان هناك نقاش حول "لبننة" حزب الله، لكن ارتباط الحزب بولاية الفقيه ينفي "اللبننة"، مع أن الحزب يعمل وفق مواضعات البيئة اللبنانية وتعقّدها، وإذا تَركَ الحزب طبيعته القتالية فإنه يفقد هويته، فهذا مكوّنٌ جوهريٌ فيها، فهو مرتبط بإيران من حيث الأيديولوجيا والتسليح والتمويل والتابعية الدينية، وهو، في المقابل، حزب لبناني من خلال تغلغله في الحياة اللبنانية، ومن خلال الاندماج في التحالفات الطائفية والحياة الطائفية [18 طائفة لبنانية]، وهذا يمدّ الحزب بالشرعية داخل لبنان، فهو يعمل ضمن المنطق الطائفي والاندماج فيه، إلى درجة أنه أصبح "صانع الملوك" في لبنان. معنى ذلك أنه وظّف قدراته العسكرية والأمنية وحوّلها إلى رأسمال سياسي قوي. وقد قال بعض المشاركين في الحلقة النقاشية إن أحسن توصيف له هو أنه منظمة جهادية تتعاطى السياسة، وليس تنظيماً سياسياً يتبنى "الجهاد".

يُعد حزب الله قوة عسكرية وسياسية مهيمنة اليوم في لبنان

طبقية داخل حزب الله

يُعد حزب الله قوة عسكرية وسياسية مهيمنة اليوم في لبنان، وعسكرياً هو أقوى من القوات المسلحة اللبنانية، وهو ما زال يحتكر قرار الحرب والسلم في لبنان، وتحافظ شبكته الممتدة للدعم الاجتماعي [أي قوته الناعمة] على دعم المجتمع الشيعي له. لكن ثمة تحوّل في المفهوم الخدماتي لدى الحزب، فمع الحرب السورية صار المقاتلون هم من يحظون بالخدمات والدعم المالي من قبل الحزب، وبتنا نتحدث عن طبقية داخل صفوف حزب الله.

نقاط ضعف الحزب

ينطوي حزب الله على نقاط ضعف؛ فهو يعتمد بقوة على إيران تمويلاً وتسليحاً ودعماً أيديولوجياً وسياسياً، وما يحصل في إيران يؤثّر في مستقبل الحزب، بمعنى أن سقوط نظام الولي الفقيه أو ضعفه سيسلب الحزب بعض قوته، وهي قوة مستمدة، أحياناً، من السلبية الدولية، وخصوصاً الأمريكية، في التعاطي مع الشرق الأوسط. وقد سعى النظام الإيراني في السنوات الأخيرة إلى تصدير نموذج حزب الله إلى دول المنطقة التي تضم مجتمعاتٍ شيعية، كما أن الجماعات الشيعية في العراق والجماعة الحوثية في اليمن أخذت تسعى إلى محاكاة تجربة حزب الله في الهيمنة على الدولة بسطوة السلاح وتجييش الطائفة. وهذا يشكل أكبر استفزاز للمجتمعات العربية. كما أن الحزب مثل باقي التنظيمات يعاني الفساد المالي والاختراق الأمني، وهذا عائد في جزء كبير منه إلى أن بعض العناصر ينضمون للحزب لغايات المال والدعم الاجتماعي. ويمكن إضعاف حزب الله بتقوية الجيش اللبناني ودعم الحكومة اللبنانية والاقتصاد والخدمات، وتعزيز البعد العروبي للشيعة العرب، واحتضانهم في سياق ترسيخ دولة المواطنة المتساوية، وبعض هذا مسؤولية عربية، كما أنّ وقف الحروب في المنطقة العربية ودعم الاستقرار فيها وترسيخ الحوكمة يُضعف حزب الله.

الصفحة الرئيسية