تزويج الضحية من المغتصب: عن أي ستر يتحدثون؟

تزويج الضحية من المغتصب: عن أي ستر يتحدثون؟

مشاهدة

12/02/2020

أمينة الفلالي، اسم محفور في ذاكرة حركة الحقوق النسوية العربية، حيث كانت سبباً محورياً في إنهاء العمل في المغرب بقانون يبرّئ المغتصب حالما يتزوج من ضحيته.
أمينة الفلالي لم تكن ناشطة حقوقية بالمعنى الحرفي، وإنّما فتاة تعرضت للاغتصاب مرتين، تارة على يد الجاني وتارة على يد القانون ومادته رقم 475 من القانون الجنائي المغربي، الذي ُيكافئ المجرم بالإفلات من عقوبة الاغتصاب تحت غطاء قانوني. فالقانون ُيلقي بمسؤولية إثبات الاغتصاب على الضحية وإن لم تستطع لذلك سبيلاً، ُتحاكم بتهمة الفجور.

قبل المغرب قامت عدة دول عربية بإلغاء قانون تبرئة المغتصب في حال زواجه من الضحية

لكل قانون فلسفة، وفلسفة قانون تبرئة المغتصب مقابل الزواج من الضحية هو حماية شرف الفتاة والأسرة. هكذا تحولت فلسفة القانون إلى ذريعة عفا عليها الزمان، بل أصبحت الذريعة القانونية في نفس مقام الجريمة.
تزوجت أمينة الفلالي من مغتصبها قهراً وذلاً بمباركة من محكمة الأسرة بالعرائش، تحت مظلة حماية الشرف، فأساء الزوج معاملتها وتكررت جريمة الاغتصاب في إطار شرعي حيث لا ُيعاقب الزوج على مواقعة زوجته غصباً وهو العوار الذي يعتري غالبية تشريعات عقوبة الاغتصاب في البلاد العربية؛ أي إنّ القانون في هذه الحالة يمنح المجرم حق الاغتصاب تحت مظلة شرعية مدى الحياة. 
أنهت أمينة الفلالي الطفلة القاصر ذات الستة عشر ربيعاً حياتها العام 2012، وتحولت وفاتها إلى حراك للمجتمع المدني حتى تم إلغاء مادة تبرئة المغتصب بالزواج من الضحية في العام 2014.
تاريخ إلغاء قانون الزواج بالمغتصب
قبل المغرب، قامت عدة دول عربية بإلغاء قانون تبرئة المغتصب في حال زواجه من الضحية، فألغت مصر المادة 291 من قانون العقوبات في العام 1999 بمقتضى مرسوم رئاسي، كما ألغت الأردن قانوناً مماثلاً حين أدلى مجلس النواب الأردني بشطب المادة 308 من قانون العقوبات.

يسعى حزب أردوغان لإحياء تقليد وقانون في العهد العثماني يمنح العفو للمغتصبين شريطة الزواج من الضحية

أما فلسطين والتي تتصاعد فيها وتيرة حقوق المرأة ورفض التمييز ضدها كجزء من الحراك الوطني، فقامت بإلغاء قانون تبرئة المغتصب حال زواجه من ضحيته (المادة 308) في الضفة الغربية حسب مرسوم رئاسي في العام 2018، لكنه يظل غير نافذ المفعول في غزة في مناطق سيطرة حركة حماس. وما قامت به السلطة الفلسطينية يعد انعكاساً للحراك الحقوق النسوي الذي ساوى في خطابه بين تحرير الأرض وتحرر النساء من قيود الثقافة الذكورية.
وفي لبنان تم إلغاء مادة مشابهة وهي المادة 522 من قانون العقوبات في العام 2017، لكن الحقوقيين هناك عدّوا إلغاء المادة إنجازاً منقوصاً؛ لأنّ هنالك مادة أخرى (505) تُخيّر المغتصب ما بين الزواج من ضحيته والسجن في حال كانت الضحية قاصرة. ولعل الحملة التي يقودها الحراك في لبنان كانت الأعلى صيتاً في الإعلام بعدما اعترض الحقوقيون على القانون عن طريق تعليق أثواب زفاف على حبال المشانق أمام المحاكم في رمزية تدل على قتل المغتصبات بيد القانون.

اقرأ أيضاً: هل الاغتصاب حادث عارض في مجتمعاتنا؟
المثير للانتباه أنّ تونس التي تعد سابقة في تاريخ الحقوق النسوية كونها أصدرت مجلة الأحوال الشخصية في العام 1956، لم تلغ المادة 227 من قانون العقوبات الذي شرعن زواج المغتصب من ضحيته في مقابل الإعفاء من العقوبة حتى العام 2017.
هل يحيي حزب أردوغان قانون زواج المغتصب؟
في ذات التوقيت الذي تقوم فيه عدة بلاد بمنطقة الشرق الأوسط بالتراجع عن تقنين الزواج من المغتصب، يبدو أنّ تركيا تسير في الاتجاه المعاكس، حيث تقدم حزب الحاكم في تركيا (العدالة والتنمية) بمقترح قانون في العام 2020 يمنح العفو للمغتصبين شريطة الزواج من الضحية إن كانت دون الـ18 ربيعاً، والاقتراح هو الثاني بعد مساعي الحزب تمرير ذات القانون في العام 2016 دون جدوى.

اقرأ أيضاً: أسرار صمت نظام الملالي عن اغتصاب 41 فتاة في إيران
"القانون سيزيد من معدلات ارتكاب جرائم العنف ضد النساء والفتيات، حتى هؤلاء اللاتي لم يتعرضن للاغتصاب سيعانين من تصاعد حدة العنف، كونه يضع المرأة في مقام المفعول بها جنسياً"، بهذه الكلمات علّق رئيس قسم القانون الجنائي بجامعة اسطنبول على مشروع القانون الذي إن تم تمريره سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء في تركيا فيما يخص حقوق النساء بشكل خاص، و حقوق المواطنة بشكل عام.
المنظمات الحقوقية في تركيا عدت القانون انعاكاساً لتصاعد معدلات جرائم القتل ضد النساء أو ما ُيعرف في الدراسات الجندرية عالمياً بالـ Femicide .

اقرأ أيضاً: الاغتصاب في إيران ظاهرة تكشفها قصص واقعية
بالرغم من الخلاف السياسي القائم بين تركيا ودول الجوار العربي، خاصة في دعم الأولى لجماعة الإخوان المسلمين وممارساتها، إلا أننا قد نجد شعاراً مشتركاً في الخطابات السياسية بين تركيا و خصومها، متمثلاً في "الأسرة ركيزة المجتمع".
"الأسرة ركيزة المجتمع" شعار له تأويلات مختلفة، من بينها الحفاظ على شرف واستقرار الأسرة في بعض المجتمعات، حتى وإن كان الاستقرار مهيناً وسالباً لحقوق المرأة في مفهومها الأشمل؛ أي إنّ المرأة عليها التضحية من أجل شرف الأسرة. 
قد يسعى الحزب الحاكم في تركيا إلى إحياء تقليد وقانون كان متعارفاً عليه في عهد السلطة العثمانية التي شرعنت الأمر في البلدان التي تقع تحت سيطرتها، إلا أنّ الوقوف على أصول شرعنة زواج المغتصب بضحيته والمباركة المجتمعية التي تعقب ذلك في حاجة إلى نظرة ودراسة سياسية واجتماعية في حد ذاتها، حيث يُعد انعكاساً للنظرة تجاه المرأة كونها فرداً في قبيلة لا دولة، فهي ملكية اشتراكية للمجتمع الذي يحدد مصيرها، وما هو أفضل لها ولشرف أسرتها.
تفكيك الظاهرة اجتماعياً
في محاولة لتفكيك الظاهرة اجتماعياً، يقول الأكاديمي والمؤرخ الأمريكي Robert Kingdon في كتابه Sex, marriage, and family life ( الجنس والزواج والحياة الأسرية) إنّ الاحتفاء بالبكارة كان العامل الأول المؤسس لتشريع زواج المغتصب من ضحيته، فالفتاة التي تعرضت للاغتصاب تقل فرصها في الزواج، لهذا تم تشريع القانون ليفرض زواج المغتصب بضحيته.

اقرأ أيضاً: اغتصاب الزوجات بين صمت المجتمع وثغرات القانون..مصر نموذجاً
بالنظر إلى تحليل "كينجدون" قد نستنبط أنّ شرعنة القانون قبل قرون لم يكن بغرض مكافأة المغتصب، وإنّما بغرض تحمل مسؤولية فعلته، حيث تعد الفتاة المُغتصبة في نظر أسرتها "بضاعة تالفة"؛ أي إنّ المجتمع كان ينظر للمرأة كجماد تعرض للضرر وعلى من خدشه دفع ثمن الضرر.
تغير هذا المفهوم، جزئياً، بعد قرون عديدة مع تصاعد الحراك الحقوقي الذي يرفض النظر للمرأة كونها مفعولاً بها جنسياً، وعقاب الجاني في هذه الحالة لم يعد بالزواج مما خدشه، بل أصبح عقابه نصاً واضحاً في قانون العقوبات يرفض المساومة على الجريمة.
مع العلم أنّ تبرئة المغتصب حال زواجه من ضحيته القاصر كان سبباً في تحريض بعض الشباب على اغتصاب من ترفض الزواج بهم، حتى يتسنى لهم الزواج بمن رفضتهم في إطار قانوني لا تشوبه شائبة.

ما بين اليهودية والمذاهب الإسلامية والقانون الغربي
هذه العادة التي تحولت إلى قانون لم تكن حكراً على البلاد العربية أو الإسلامية، فالأصل التاريخي والعقائدي مختلف، ولكن مع اختلافه، ظل القاسم المشترك هو النظرة لشرف المرأة والأسرة التي يتحتم على المجتمع الحفاظ عليه، خشية العار مما يتبعه تبرئة المغتصب بالزواج ممن اغتصبها. 
فجاء في سفر ثنية الاشتراع في التوراة (الإصحاح 22 الآية 28 و 29) أنه  "إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة، فأمسكها واضطجع معها، عطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضة، وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها. لا يقدر أن يطلقها كل أيامه".

تبرئة المغتصب حال زواجه من ضحيته القاصر شجّع بعض الشباب على اغتصاب من ترفض الزواج بهم

المؤمنون بالتوراة يدافعون عن نص الآية فيقولون إنّ المقصود بها غواية الفتاة لا اغتصابها، وأنّ التوراة لم تشرعن هذه الزيجات، ويتهمون غيرهم بعدم فهم صحيح النص واجتزائه من سياقه الزماني، بالرغم أنّ كلمة أمسكها في الآية المذكورة وإن لم تؤكد فعل الاغتصاب فعلاً إلا أنها لم تنفِه كذلك.
وعلى صعيد آخر في المذاهب الإسلامية يحتدم الخلاف حول الأمر كذلك، فلا يوجد نص واضح يتعامل مع هذه الحالة، لكن تميل بعض الآراء الفقهية إلى هذا الزواج ترجيحاً لمصلحة الستر.
الخلاف الدائر بين الفقهاء مفاده: هل ُتعامل المغتصبة معاملة البكر أم الثيب؟ وهو الخلاف الذي ورد في دراسة بعنوان "أثر الاغتصاب في أحكام زواج المغتصبة: دراسة مقارنة" من إعداد الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية فادي سعود الجبور ويقول فيها: "حكم إجبار المغتصبة على الزواج من مغتصبها يتطلب بيان نظرة الشرع إلى المغتصبة بعد اغتصابها، هل تعد ثيباً أم تبقى في حكم الأبكار؟ فعلى قول أنّها ثيب لا يجوز إجبارها على الزواج، وأما على قول أن المغتصبة في مقام البكر فهناك خلاف بين العلماء بين جواز إجبارها على الزواج من عدمه".

اقرأ أيضاً: إلى أي حد تفشت حالات الاغتصاب في مجتمعاتنا؟
وهذا الخلاف ليس حديثاً؛ بل له أثر في قانون الخلافة العثمانية الذي تم إقراره العام 1911، ومما سبق يتجلى سيطرة مفهوم البكارة على فعل الاغتصاب، فهنالك تعاطف لغوي مع المغتصبة البكر أكثر من الثيب التي قد تكون قد تعرضت لنفس الفعل وذات الآثار النفسية. 
وعلى صعيد آخر، لم تكن أوروبا بمنأى عن قوانين تبرئة المغتصب حال زواجه من ضحيته، فالقانون الفرنسي، مثلاً، شرعن ذلك في العام 1810، ولم يتم الإلغاء حتى العام 1994.

هل تتوقف المعاناة مع إلغاء القانون؟
في كتابها Rape and Marriage: Reflections on the Past, Present, and Future (الاغتصاب والزواج: الانعكاسات على الماضي والحاضر والمستقبل) الصادر العام 2006، تسرد الباحثة الهندية بكلية الحقوق بجامعة نيودلهي (ستالينا جولي) أزمة التصالح مع المغتصب فتقول إنّ شطب هذه القوانين، لا يعني بالضرورة تغير ذهنية المجتمع الذي يرى في مثل هذه الزيجات حلاً لمسألة الشرف المنتهك.
وعلى نحو مماثل في البلاد العربية، سنجد أنّه حتى وإن تم إلغاء مثل تلك القوانين فلايزال أثرها متواجداً في النظرة للفتاة التي فقدت بكارتها بدون زواج سواء تعرضت للاغتصاب أم برضائها، حيث ظهرت مصطلحات في الشارع العربي في مطلع الألفية الثالثة تشبه من فقدت بكارتها بمعلبات الغذاء المفتوحة التي لا تجد من يشتريها من على الأرفف.
وفي ظل صراع العادات المجتمعية ومناطحتها للقانون ومحاولات الانتصار التشريعي للنساء، يأتي مقترح القانون التركي ساعياً لإحياء إرث الدولة العثمانية، مما يؤكد أن الردة الحضارية ممكنة.
مقترح الحزب الحاكم في تركيا يستند في محاولته لتمرير هذا القانون إلى فلسفة الستر، لكن هذه فلسفة منقوصة وتفتقد قواعد المنطق، ويمكن دحضها إن تساءلنا ماذا إن كان الاغتصاب جماعياً، فمن يتزوج الفتاة لسترها؟ وماذا عن الفتيان الذكور الذين يتعرضون لحوادث مماثلة، كيف يتم سترهم في هذه الحالة؟

الصفحة الرئيسية