الزواج العرفي في غزة: عقود خارج إطار القانون.. مَن ضحاياها؟

فلسطين

الزواج العرفي في غزة: عقود خارج إطار القانون.. مَن ضحاياها؟

مشاهدة

29/11/2018

في ظاهرة باتت تقلق العائلات الغزّية، وتهدّد عادات وتقاليد المجتمع المحافظة، انتشرت في قطاع غزة، في الآونة الأخيرة، عشرات الحالات من "الزواج العرفي"؛ وهو زواج يتم خارج المحاكم الشرعية، وقد تسبّب انتشاره بمخاوف من انعكاس نتائجه وآثاره على فئات اجتماعية كبيرة، الأمر الذي قد يهدّد تماسك النسيج المجتمعي في غزة، وفق مختصين.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين
وأرجع خبراء لجوء الشباب إلى هذا النوع من الزواج إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات العنوسة، فضلاً عن غلاء المهور، إلى جانب الفجوة بين الآباء والأبناء ورغبة الشباب بإشباع غرائزهم دون قيود قانونية.
ظاهرة محدودة
رئيس محكمة الاستئناف الشرعية بغزة، عمر نوفل، يقول لـ "حفريات": "الزواج العرفي بغزة ليس ظاهرة منتشرة، لكن تمّ تسجيل حالات محدودة من هذا الزواج، نظراً إلى أنّ هذه العلاقة تتمّ سرّاً، دون إبرام عقد زواج شرعي يضمن حقوق الزوجة والأبناء، وغالباً ما يتنكر الزوج لهذا الزواج عند اكتشاف الأمر، ما يؤدي إلى ضياع حقوق الزوجة التي كفلتها لها الشريعة الإسلامية، وحرمان أولادها من الحقوق الاجتماعية المختلفة، والمعاملات القانونية، والميراث".

القانون الفلسطيني يعاقب على الزواج العرفي، ويحاسب الزوجين، والشهود والمأذون، وبعض المحامين الذين يسهّلون هذا الزواج

ويضيف "الزواج العرفي هو زواج غير شرعي؛ كونه يتم خارج المحاكم الشرعية المختصة، ولا يتم توثيقه رسمياً، بالتالي؛ هو زواج مرفوض شرعاً وقانوناً، وأقرب ما يكون إلى الزنا؛ لما يترتب عليه من مفسدة عامة، ويسهل إنكاره، طالما أنه يتم دون وجود شهود، وهو زواج لا يتماشى مع عادات وتقاليد المجتمع لأنّه يهدّد كيانه ومستقبله".
ويشير نوفل إلى أنّ "الزواج العرفي ينتهي بمأساة كبيرة، وتكمن خطورته في حال حملت المرأة من هذا الزواج؛ حيث تكون هي الضحية الأولى، وسيؤدي ذلك إلى ضياع حقوقها، بالتالي؛ حرمان أطفالها من حقّهم في التعليم والصحة، كونهم غير مسجلين في الدوائر الرسمية للأحوال الشخصية، ويُرفض تسجيلهم في السجلات القانونية، طالما لم يقدّم الزوجان عقداً شرعياً موثقاً داخل المحاكم الشرعية بغزة".
الزواج العرفي غير شرعي كونه يتم خارج المحاكم الشرعية المختصة

عقوبات غير رادعة
وينوّه نوفل إلى أنّ "القانون الفلسطيني يعاقب على الزواج العرفي، ويحاسب الزوجين، وكذلك الشهود والمأذون، وبعض المحامين الذين قاموا بتسهيل إجراء هذا الزواج دون عقد شرعي، بالسجن لعدة أشهر ودفع غرامة مالية"، مستدركاً "إلا أنّ هذه العقوبات غير رادعة، ولن تؤدّي إلى تحجيم هذه العلاقة، ويتوجب على القانون الفلسطيني أن يكون أكثر حزماً في معاقبة المسؤولين عن مثل هذا الزواج، والقائمين عليه، ومرتكبيه، بعقوبات مشددة؛ للحدّ من انتشار هذه الآفة، ووأدها في مهدها".
وحثّ نوفل الأهالي وأولياء الأمور على تحصين أبنائهم وبناتهم، وتربيتهم التربية السليمة، فضلاً عن تخفيف المغالاة في طلب المهور من الشباب المقدمين على الزواج؛ لأنّه يعدّ، برأيه، من أهم أسباب عزوف الشباب عن الزواج، وأن تتمّ مراعاة الظروف العامة التي يمرّ بها المواطنون بغزة.
الدوافع والأسباب
من جهته، يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي، محمود أبو سمعان، لـ "حفريات": "لا توجد إحصائيات رسمية عن أعداد الزواج العرفي بغزة، إلا أنّ هناك عشرات الحالات من هذا الزواج، التي يتم اكتشافها عادة عند قيام الزوجين بمحاولة قيد أسماء أطفالهم في سجلات الأحوال المدنية، والتي ترفض ذلك، طالما لم يتواجد لديهما عقد زواج شرعي يثبت زواجهما".
ويتابع أبو سمعان "يهدف الزواج العرفي، بشكل عام، إلى التحايل على المرأة، واستغلال ظروفها وحالتها الاجتماعية"، وما ساهم في تقبل هذا الزواج "ارتفاع معدلات العنوسة، وتردّي الأوضاع الاقتصادية لدى الشباب، وارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة لمستويات عالية".

اقرأ أيضاً: هل تشرّع تركيا زواج الفتيات في سن التاسعة؟
ومن الأسباب التي تدفع الشباب أيضاً للجوء للزواج العرفي، برأي أبو سمعان، عند تعثّر زواجهم بشكل تقليدي، وفق العادات والتقاليد التي تجري داخل المجتمع الفلسطيني، نتيجة معارضة الأهل لارتباط الفتيات ببعض الشباب لأسباب مختلفة، فيتزوجون عرفياً لإشباع رغباتهم الجنسية، دون النظر لتبعات ذلك الزواج مستقبلاً، كما تلعب الأسباب النفسية، "التي تظهر عبر المسلسلات الغربية، ومشاهدة الأفلام الإباحية، دوراً مهمّاً في إثارة هذه الغرائز لدى الشباب، ويدفعهم للاتجاه نحو ممارسة العلاقات الخاطئة"، وفقه.
ويبين أبو سمعان "تقع المسؤولية، في الدرجة الأولى، على عاتق الآباء والأمهات، الذين ابتعدوا عن متابعة أبنائهم وبناتهم؛ نظراً إلى الفجوة الكبيرة بينهم، والتي تجعل الأبناء يرفضون البوح بأسرارهم لوالديهم، لانعدام الثقة بهم، ويتوجب على الآباء التقرب من أبنائهم، والتعرّف إلى مشكلاتهم، ومساعدتهم في حلّها، والتشاور والتحاور فيما بينهم، ليجنّبوا أبناءهم الوقوع في السلوكيات السلبية".

يهدف الزواج العرفي إلى التحايل على المرأة واستغلال ظروفها

زواج باطل شرعاً وقانوناً

المحامي الشرعي والنظامي، تيسير أبو وطفة، يقول: "بحسب القوانين الفلسطينية؛ الزواج العرفي باطل شرعاً وقانوناً، ولا يحقّ للزوجة المطالبة بحقوقها، ويحرم الأطفال الذين يتم إنجابهم بواسطة هذا الزواج من تسجيلهم داخل دوائر الأحوال المدنية والشخصية بغزة، مما يضطر الكثير منهم لمحاولة إثبات زواجهم وفق الأصول، فيلجؤون إلى المحاكم المختصة للحصول على وثيقة عقد زواج للخروج من هذه المعضلة".

اقرأ أيضاً: حملة "مين زوجك" تحذر السوريات من الزواج بجهاديين
ويشير أبو وطفة لـ "حفريات": "هناك حالات من الزواج العرفي تتم بمعرفة الآباء وبعض العائلات بغزة، خاصة عندما يكون المقبلين على الزواج قاصرين، ولا تسمح لهما المحكمة الشرعية بإتمامه، ما يدفعهم إلى اللجوء إلى بعض المحامين، الذين يقومون بدورهم بصياغة عقد زواج بين الشاب والفتاة بعيداً عن القانون".
آثار سلبية كبيرة
ويضيف "الزواج العرفي تترتب عليه آثار سلبية كبيرة؛ فهو يعرّض المرأة للمساومة من زوجها في حال قرر الانفصال عنها، وفي حال قيام الزوج بهجرها؛ فهو بذلك يتركها معلَّقة، فلا هي زوجة ولا هي مطلقة، وعند الذهاب للمحكمة الشرعية للفصل بينها، لا يعترف قاضي المحكمة الشرعية بالورقة التي جرت بينهما، ولا يحقّ للمرأة في هذه الحالة طلب النفقة من زوجها، أو المطالبة بحقوقها الشرعية، ولا يسمح لها بحضانة أبنائها في حال أنجبت من الزواج العرفي".

يلجأ بعض الشباب والفتيات للزواج العرفي في حال تعثّر زواجهم بشكل تقليدي، وفق العادات والتقاليد التي تجري داخل المجتمع الفلسطيني

وطالب أبو وطفة أولياء الأمور "بعدم المغالاة في المهور؛ لأنه يعدّ السبب الرئيس في انتشار ظاهرة الزواج العرفي، وأن يراعوا الظروف السائدة للشباب بغزة، ويحثّهم على تحصين وتزويج أبنائهم وبناتهم حال بلوغهم السنّ القانونية، التي ينصّ عليها القانون الفلسطيني لإتمام الزواج الشرعي بينهم؛ لأنّ ذلك يحمي الشباب من انتشار هذه الآفة الخطيرة، التي تهدّد النسيج المجتمعي بقطاع غزة".

اقرأ أيضاً: عصابات تقود فتيات بعقود "زواج شرعي" لسوق الدعارة
وقد حدّد قانون الأحوال المدنية المؤقت رقم (61)، والمعدل عام 1977، سنّ الزواج في الضفة الغربية بــ 15 عاماً هجرياً للفتاة؛ و16 عاماً هجرياً للفتى، أما في غزة؛ فقد اعتمد قانون رقم (303) الصادر عام 1954؛ الذي حدّد سنّ الزواج الأدنى 17 عاماً للفتاة، و18 عاماً للفتى، ويمنَح القاضي بناءً على القانون صلاحيات السماح بتزويج الفتاة التي هي دون هذا السنّ، إذا بلغت سنّ النضج، ووافق والدها على ذلك؛ شرط أن لا يقلّ عمر الفتاة عن 9 أعوام، وألا يقلّ عمر الفتى عن 12 عاماً؛ فقد منع القانون زواج الفتاة والفتى في هذه الحالات بتاتاً.

المغالاة في المهور يعدّ السبب الرئيس في انتشار ظاهرة الزواج العرفي

الأمن النفسي

وحذر قاضي قضاة فلسطين الأسبق، الشيخ الدكتور تيسير التميمي، من اتساع ظاهرة الزواج العرفي في فلسطين، سيما بين طلبة الجامعات في الضفة وغزة، لما يترتب عليها من نتائج وآثار سلبية على تماسك المجتمع والأسرة الفلسطينية.

هذا النوع من العقود المشبوهة يبرَم في مكاتب بعض المترافعين في المحاكم الشرعية الخاضعة للإدارة الإسرائيلية في القدس

وقال التميمي لـ "حفريات": إنّ "الكشف عن هذه الظاهرة الخطيرة المتزايدة جاء نتيجة استقراء قضايا فسخ هذا النوع من الزواج المرفوعة أمام المحاكم الشرعية الفلسطينية"، وأضاف "هذا النوع من العقود المشبوهة يبرَم في مكاتب بعض المترافعين في المحاكم الشرعية الخاضعة للإدارة الإسرائيلية في مدينة القدس، وهي تجري غالباً بهدف الإسقاط الأخلاقي والأمني، ولتكون ستاراً للعلاقات غير الشرعية، التي توقع الضحايا في حبائلها، بعد خداعهن والتغرير بهن، ثم التخلي عنهن".
وأوضح التميمي "هذه العقود المشبوهة باطلة؛ كونها تعقد بعيداً عن المحاكم الشرعية ومخالفة للقانون، وغالباً ما تكون مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، في بُنْيتها وصيغتها العقدية، وفي شروطها وأركانها"، مذكّراً بأنّ "الأصل في الزواج أنه يعمل على توثيق الروابط الأسرية والاجتماعية، فلا يجوز صرفه عن مقاصده التي شرع الله تعالى الزواج لتحقيقها، أو اتخذاه وسيلة لتحصيل أهداف."

اقرأ أيضاً: تقرير حديث صادم حول زواج القاصرات في إيران
ودعا التميمي الآباء وأولياء إلى منح أبنائهم الأمن النفسي، وتفهُّم مشكلاتهم، والاستماع إلى آرائهم ومواقفهم، ومحاورتهم، ودعمهم، مشيراً إلى خطورة إهمالهم وتهميشهم، أو البعد عنهم، الأمر الذي قد يدفعهم إلى البحث عن إشباع هذه الاحتياجات الملحّة لدى من يستغل ضعفهم وجهلهم بطريقة غير مشروعة.

الصفحة الرئيسية