بين الأمن والطاقة.. كيف نقرأ الأزمة الليبية؟

بين الأمن والطاقة.. كيف نقرأ الأزمة الليبية؟

مشاهدة

13/01/2020

ترجمة: مدني قصري


أعلنت تركيا في الثاني من كانون الثاني (يناير) 2020، عن نيّتها إرسال قوات إلى الأراضي الليبية، لدعم حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج.
يأتي هذا الإعلان بعد عدة أشهر من المفاوضات الدبلوماسية بين أنقرة وطرابلس، والتي تابعتها القوى الأخرى في المنطقة باهتمام متواصل، بما في ذلك الجزائر التي استقبلت السراج ووزير الخارجية التركي في السادس من الشهر نفسه، في محاولة لإنهاء "الأزمة الليبية".

أدت مفاوضات حكومة الوفاق بحثاً عن الدعم العسكري التركي إلى تأجيج التوترات بين مختلف الفصائل الليبية

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وقّع في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، مذكرة تفاهم مع فايز السراج، لاستغلال حقول الغاز في المياه الإقليمية للبلدين، ولكن أيضاً لاستغلال الحقول الغازية في المناطق المتنازع عليها من قبل عدة بلدان، بما في ذلك اليونان.
ومنذ الإعلان عن توقيع هذه الاتفاقية، كانت ردود الفعل سريعة، تراوحت بين عدم الاعتراف بالاتفاق من قبل قوات الجيش الليبي، وطرد السفير الليبي في اليونان في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2019.
ومن الجدير بالذكر أنّ هناك ثلاثة عناصر مرتبطة بهذا الاتفاق، تفاقم من حدة التوتر؛ فمن ناحية، لم يتم نشر نص الاتفاقية رسمياً بعد، كما لم يتم نقله فعلياً من قبل وسائل الإعلام، ومن ناحية أخرى؛ فقد تمّ توقيع اتفاق آخر حول التعاون العسكري والأمني بين البلدين خلال الزيارة المذكورة، بالإضافة إلى هذا الاتفاق على الحدود البحرية، وأخيراً؛ يضاف إلى كل هذا إعلان الرئيس التركي إرسال قوات إلى الأراضي الليبية.
أثار هذا التصريح اللافت الذي أدلى به رجب طيب أردوغان ردود أفعال قوية، وهو يشير إلى احتمال تجدد الشدة في النزاعات المستمرة على الأراضي الليبية، التي لم يشهد سكانها فترات حقيقية من السلام والأمن منذ سقوط القذافي عام 2011.

تأجيج التوتر
أدت المفاوضات التي أجرتها حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج في الأشهر الأخيرة، بحثاً عن الدعم العسكري التركي، إلى تأجيج التوترات بين مختلف الفصائل الليبية ودعمها الدولي.

تسمح اتفاقية التعاون العسكري والأمني الموقعة بين تركيا وحكومة السراج للقوات التركية باستخدام المجال الجوي الليبي

بالنسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، فإنّ الحملة العسكرية الكبرى التي أطلقتها قوات الجيش الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ 4 نيسان (أبريل) 2019 تشكّل تهديداً كبيراً لها، حيث تهدف إلى القضاء على القوات العسكرية المتحالفة مع الأولى، والوصول إلى إلغاء اتفاقية الصخيرات؛ لأنّ الجيش الليبي يعتبر أنّ المجلس الرئاسي الذي وقّع هذا الاتفاق غير شرعي، كما يتهمونه بدعم للجماعات الإرهابية.
وفي سياق متصل، قام السراج برحلة إلى أنقرة، في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2019، حيث قابل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأعلن الأخير في مقابلة تلفزيونية: أنّ تركيا تعترف فقط بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطنية كحكومة شرعية، وأضاف أنّ حكومة طرابلس قد تطلب تدخل القوات التركية على الأراضي الليبية، وأنّ إرسال هذه القوات لن يؤثر على الحظر المفروض على تسليم الأسلحة إلى ليبيا. يبدو أنّ حكومة فايز السراج أصبحت الآن ترغب في اللعب.
ردود فعل مختلف الفصائل الليبية
بمجرد الإعلان عن توقيع هذه الاتفاقيات بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني، كانت ردود الفعل سريعة؛ بالنسبة لحكومة بنغازي، المتحالفة مع قوات الجيش الليبي، فإنّ "اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بين أردوغان والسراج ليس لها هدف سوى منع قواتنا من القضاء على الإرهابيين الموجودين في طرابلس، وطرد مختلف الميليشيات من محيطها".

يرتبط الخلاف بين مختلف الدول المُطلّة على البحر المتوسط ارتباطاً مباشراً بإمكانية استغلال موارد الغاز الموجودة هناك

بدورها، اعتبرت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الليبي (مجموعة بنغازي)، أنّ توقيع حكومة السراج على هذه الاتفاقات يعد خيانة كبيرة، و"انتهاكاً للسيادة الليبية"، وأنّ هذه الاتفاقيات تُمثّل تهديداً خطيراً "ليس للأمن القومي الليبي فحسب، ولكن أيضاً للأمن القومي العربي وللسلام والأمن في البحر المتوسط".
أما حكومة الوفاق الوطني، فقد أكدت عزمها التصديق على هذا الاتفاق بسرعة، مع التأكيد على أنّ المجلس الرئاسي لديه صلاحيات التوقيع على المعاهدات الدولية، من خلال استحضار المادة 8 و2 من اتفاقية الصخيرات التي تمنح المجلس الرئاسي للحكومة صلاحية التوقيع على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بعد التصديق عليها من قبل البرلمان.

جوار قلق للغاية
بالنسبة للدول المجاورة لليبيا، أدّت حرب الشرعية بين الطرفين المتنازعين إلى زيادة الخوف من اندلاع صراع جديد في ليبيا، والذي قد يكون له، هذه المرة أيضاً، آثاراً على شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: أردوغان وفن صناعة الأعداء.. كيف خسر التركي رهانه الأخير فى ليبيا؟
بالنسبة للجزائر، فإنّ القضية الرئيسية هي الأمن؛ لأنّ التطورات الجديدة في ليبيا، بما في ذلك الوجود المرئي المتزايد للمقاتلين الأجانب، واحتمال نشر القوات التركية، تجعل الوضع هشاً ومهدِّداً، ممّا دفع الرئيس الجزائري الجديد، عبد المجيد تبون، إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن الأعلى، بهدف دراسة الوضع في منطقة الساحل، وفي ليبيا بشكل أساسي، كما اتخذ سلسلة من التدابير لإحياء دور الجزائر في المنطقة، وحماية أراضي البلاد والحدود.

اعتبرت اليونان أنّ الاتفاقية بين ليبيا وتركيا مخالفة للقانون الدولي بسبب عدم وجود حدود بحرية بين ليبيا وتركيا

شرقاً، بالنسبة لمصر، فالرهان مضاعف؛ حيث ترفض القاهرة وجود القوات التركية على الأراضي الليبية، التي تعتبر تهديداً وشيكاً ضد مصر؛ لأنّ اتفاقية التعاون العسكري والأمني الموقعة بين تركيا وحكومة السراج تسمح للقوات التركية باستخدام المجال الجوي الليبي، وقبل كل شيء الوصول إلى المياه الإقليمية الليبية، بالقرب من الحدود البحرية المصرية وحقول الغاز.
إنّ قضية الطاقة هذه هي بالتحديد التحدي الثاني لمصر، ولدول شرق البحر المتوسط، فبالإضافة إلى اتفاقية التعاون العسكري والأمني، وقّعت تركيا وحكومة طرابلس مذكرة لتحديد الحدود البحرية لهاتين الدولتين وللتمكّن من استغلال حقول الغاز الهائلة في هذه المنطقة، والتي تم استنكارها بسرعة من قبل اليونان وقبرص وإسرائيل، التي لديها مطالبات ومصالح في المنطقة.
من جانبها، اعتبرت اليونان أنّ الاتفاقية مخالفة للقانون الدولي، بسبب عدم وجود حدود بحرية بين ليبيا وتركيا، وردّاً على رفض حكومة طرابلس الكشف عن النص الدقيق لهذه الاتفاقية، قامت أثينا بطرد السفير الليبي في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2019، مع منحه 72 ساعة لمغادرة البلاد. وفي الآونة الأخيرة، وقّعت قبرص وإيطاليا وإسرائيل، بالإضافة إلى اليونان، في أثينا، اتفاقية لبناء خط أنابيب للغاز تحت اسم  EastMed، والذي تم تقديمه كمصدر هام للطاقة في أوروبا.

اقرأ أيضاً: "المدرعة لميس".. دليل "فشل" عسكري تركي في ليبيا
رداً على ذلك، أكّدت تركيا، من خلال رئيسها أردوغان، أنّ الاتفاقية تتفق مع القانون الدولي، بحجة أنّ تركيا وقعت عليها مع الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة كحكومة شرعية في ليبيا، وأنّه "من الآن فصاعداً لا يمكن لأحد تشغيل أو تمرير خطوط أنابيب عبر المناطق المدرجة في الاتفاقية التركية الليبية، دون موافقة أنقرة"، في إشارة إلى مشروع EastMed.

إلامَ تؤدي التوترات في المتوسط؟
تُمثّل رواسب الغاز، التي تستهدفها كل من تركيا والموقعين على مشروع خط أنابيب الغاز EastMed، رواسب بحرية تقع في بحر الشرق، وهو الاسم الذي يطلق على أقصى شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي يحتوي على احتياطيات هامة من الغاز الطبيعي، تعود ملكيتها، بحسب القانون الدولي، إلى من يملك السيادة على المنطقة البحرية حيث توجد هذه الاحتياطيات، إذ تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، الموقعة في مونتيغو باي (وغالباً ما يشار إليها بهذا الاسم)، على أنّ الدول ذات الواجهة البحرية يمكنها المطالبة بمنطقة اقتصادية خالصة (Exclusive Economic Zone EEZ)، التي تشكل منطقة بحرية يمكن للدولة المعنية أن تمارس عليها نفس السيادة التي تمارسها على أراضيها البرية من حيث استكشاف الموارد واستغلالها.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا تتعارضان في ليبيا وتلتقيان حول أنبوب للغاز
ويرتبط الخلاف بين مختلف الدول المُطلّة على البحر الشرقي ارتباطاً مباشراً بإمكانية استغلال موارد الغاز الموجودة هناك، وها هو يأتي اليوم لإذكاء نار بؤرة شهدت توترات بالفعل قبل الاتفاق التركي الليبي.
في هذا الصدد، يمكننا أن نستشهد بالوضع في قبرص حيث أحدث إرسال سفن تركية لمرافقة سفن الحفر غضب اليونان وقبرص إلى حد كبير في تشرين الثاني (أكتوبر) 2019، كما فاقم العلاقات المتوترة بشكل خاص بين القاهرة وأنقرة منذ الرئيس المخلوع مرسي.

التخلص من روسيا والتأثير على الجيران
إنّ المخاطر المرتبطة بهذه المناجم يمكن أن تُغيّر أيضاً نفوذ روسيا في المنطقة، لصالح تركيا، حيث تعتبرها الأخيرة فرصة لتأمين إمدادها من الغاز على المدى الطويل، من خلال الحصول على الاكتفاء الذاتي التدريجي للطاقة، مما يسمح لها بالتحرر من الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة، بل والقدرة بدورها على استخدام طاقة الغاز كأداة للتأثير على جيرانها الشرقيين والغربيين.
لعبة روسيا في الصراع
على النقيض، فإنّ موسكو لديها مصلحة في استخدام نفوذها الاستراتيجي في المنطقة للحفاظ على احتكارها للطاقة في أسواق الطاقة المتوسطية والأوروبية، التي تقوضها الاتفاقية التركية الليبية ومشروع EastMed. فهذا التأثير الاستراتيجي يتجسد من بين أشياء أخرى من خلال وجودها العسكري في سوريا، لا سيما عبر قاعدتها البحرية في طرطوس التي تبعد حوالي كيلومتراً عن الحدود الساحلية بين سوريا ولبنان.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :
lesclesdumoyenorient

الصفحة الرئيسية