بيروت ودمشق: ما الذي على عون والشرع فعله لـ "تطبيع" العلاقات؟

بيروت ودمشق: ما الذي على عون والشرع فعله لـ "تطبيع" العلاقات؟

بيروت ودمشق: ما الذي على عون والشرع فعله لـ "تطبيع" العلاقات؟


30/07/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

أثارت التعليقات الأخيرة التي أدلى بها السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والمبعوث المؤقت إلى لبنان، توم باراك، لهذه الصحيفة، حول علاقات لبنان مع سوريا، أثارت قلق المسؤولين اللبنانيين، وأبرزت ضرورة تطبيع العلاقات مع دمشق وضرورة سعي سوريا لتحقيق الهدف نفسه.

وفي حديثه عن عدم إحراز تقدم في لبنان، قال باراك: "أعتقد بصدق أنّهم [اللبنانيون] سيقولون: 'العالم سيتجاهلنا'، لماذا؟ إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والآن سوريا تحضر بسرعة كبيرة لدرجة أنّه إذا لم يتحرك لبنان، فسيعود إلى بلاد الشام [سوريا الكبرى] مرة أخرى".

"قال توم باراك: إذا لم يتحرك لبنان، فسيعود إلى بلاد الشام مرة أخرى، وسط تسارع التحضيرات السورية في المنطقة."

سارع باراك إلى تصحيح الانطباع بأنّ الولايات المتحدة تنوي إسناد السيطرة على لبنان إلى سوريا، كما حدث عام 1976 بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بفترة وجيزة. ومع ذلك، فقد وقع الضرر. فسرعان ما تبع تصريحه اندلاع القتال في السويداء، حيث اشتبكت قوات الحكومة السورية مع الأقلية الدرزية، ممّا أعاد إحياء المخاوف بين الطوائف غير السنّية في لبنان ـ المسيحية والدرزية والشيعية ـ من أنّ القيادة في دمشق معادية للأقليات.

هنا يذكر المرء المقولة الشهيرة للصحافي والكاتب اللبناني الراحل سمير قصير: "لا حرية للبنان من دون حرية لسوريا، ولا حرية لسوريا من دون حرية للبنان". وقد أبرزت عبارته التعايش بين البلدين، حتى وإن كان تاريخهما المشترك قد وَلَّد قدراً كبيراً من عدم الثقة والعداء المتبادلين.

"أثار تصريح باراك مخاوف الطوائف غير السنية في لبنان، بعد اندلاع القتال في السويداء بين الحكومة السورية والدروز."

وفي عهد الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، ما يزال موقف لبنان تجاه سوريا اليوم يتسم بعدم اليقين وشكوك الماضي. وهناك العديد من القضايا الرئيسة التي تُفرِّق بين البلدين، ومع ذلك لم يُبذَل حتى الآن سوى القليل من الجهود لحلها. ويُقال إنّ سلام أكثر استعداداً للتوصل إلى تفاهم مع سوريا من عون، الذي تجعله خلفيته العسكرية أكثر حذراً.

ومن القضايا الرئيسة التي تحول دون تحسن العلاقات مصير حوالي (2100) معتقل سوري في السجون اللبنانية، منهم حوالي (1300) ما يزالون ينتظرون المحاكمة، وفقاً لوزير العدل اللبناني. ويجادل السوريون بأنّ الكثيرين سُجنوا ظلماً وبناءً على اعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب. وأقلّ بقليل من 10% منهم احتُجزوا لمشاركتهم في الانتفاضة السورية.

"لا حرية للبنان دون حرية لسوريا، ولا حرية لسوريا دون حرية للبنان، كما قال الراحل سمير قصير ذات مرة."

وتُعَدُّ هذه القضية حساسة لكلا الجانبين، إذْ تُبرز كيف كانت الحكومات اللبنانية السابقة تميل إلى التعاون مع حكومة الأسد في سوريا بسجن معارضيها في لبنان. ولم ينسَ المسؤولون السوريون الموجودون اليوم هذا التعاون، بل أدانوا احتجاز السجناء السوريين في ظروف مزرية في نظام السجون اللبناني المتهالك.

وقد أكد مسؤولون لبنانيون ضرورة إصدار أحكام على السجناء أوّلاً قبل إعادتهم إلى وطنهم، ممّا أخَّر حل المشكلة. وفي الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة اللبنانية أنّها لن تُعيد السوريين المتهمين بالإرهاب أو الاغتصاب أو الهجمات على الجيش اللبناني. وبصفته قائداً سابقاً للقوات المسلحة، فإنّ عون تحديداً ليس من المرجح أن يكون مرناً في مثل هذه القضايا.

"لبنان ليس في موقع يؤهله لاستعداء سوريا، التي تحظى اليوم بدعم إقليمي وأمريكي، وتُعد بوابة حيوية للمنطقة بأسرها."

وهناك نقطة خلاف ثانية، هذه المرة من الجانب اللبناني، وهي استمرار لبنان في استضافة عدد كبير من اللاجئين السوريين. وقد مَثَّلَ هذا عبئاً كبيراً على البنية التحتية المتداعية للبلاد، خاصَّة بعد الانهيار المالي في 2019-2020. ومع ذلك، ومع استمرار سوريا في خوض أزمة اقتصادية خانقة، يرفض العديد من اللاجئين العودة إلى ديارهم من دون ضمانات عمل.

وهناك قضايا أخرى تُفرِّق بين الجانبين، مثل وجود حزب الله في لبنان والتهريب عبر الحدود،  وهو عبء على الاقتصادين السوري واللبناني. وتبقى عقبة رئيسة أمام العديد من اللبنانيين تتمثَّل في جذور الحكومة السورية المتطرفة، الأمر الذي يثير مخاوف المسؤولين من أن تمتد ميولها الإيديولوجية إلى لبنان وتضرّ بالعلاقات الطائفية هناك.

"يحذر التقرير من السماح بتدهور الوضع بين البلدين، داعيًا إلى معالجة الاستياء المتبادل في إطار احترام السيادة المشتركة."

وكانت هناك شائعات كثيرة تفيد بأنّ السوريين يتطلعون إلى السيطرة على مدينة طرابلس اللبنانية ذات الأغلبية السنّية. وقد زادت هذه القصة السخيفة من قلق اللبنانيين، مُسلِّطةً الضوء على مدى توتر العلاقات. وما يزال الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في حالة تأهُّب قصوى تحسباً لأيّ تأثير متطرف في لبنان.

يعكس هذا توجس الأقليات من إدارة الرئيس أحمد الشرع في دمشق. وبينما سعت بعض الشخصيات اللبنانية إلى تحسين العلاقات، ومنهم سلام، وعبد اللطيف دريان، مفتي السنّة، ووليد جنبلاط، الزعيم الدرزي، لم تحظَ جهودهم دائماً بالترحيب. فعلى سبيل المثال، بعد قتال السويداء، تعرَّض جنبلاط لانتقادات من العديد من أبناء طائفته الذين اعتبروا أنّ تأييده للشرع لم يحمِ الدروز.

"رغم محاولات تحسين العلاقات، تعرض وليد جنبلاط لانتقادات بعد دعمه للقيادة السورية، خصوصًا إثر أحداث السويداء الدامية."

هذا الوضع غير الصحي يُحتِّم على لبنان وسوريا تحسين علاقاتهما. وهذا يعني معالجة استياء كل منهما بعقل منفتح، في سياق احترام سيادة الآخر. وينطبق هذا على المتطرفين السوريين الذين يتدخلون لحلّ النزاعات في المناطق النائية من شمال لبنان، كما ينطبق على جهود حزب الله لانتهاك سيادة سوريا باستخدام أراضيها لإعادة تسليح نفسه.

إنّ السماح للوضع بالتدهور أكثر لن يفيد أيّاً من الطرفين. وعلى الشرع أن يُحسِّن علاقته بالأقليات السورية، وهي: (الأكراد والدروز والمسيحيون والعلويون)، التي تُشكِّل نسبةً كبيرةً من سكان البلاد. ويمكن للبنان أن يلعب دوراً مهمّاً في هذا المسعى بالنظر إلى إدارته الخاصة للتعددية الطائفية.

"تسبب ملف اللاجئين السوريين في ضغط كبير على لبنان، وسط انهيار اقتصادي ورفض الكثيرين العودة إلى سوريا دون ضمانات عمل."

وبالمقابل، لبنان ليس في وضع يُتيح له إثارة استياء سوريا، بوابته للمنطقة التي تحظى اليوم بدعم إقليمي كبير، بالإضافة إلى الدعم الأمريكي. ويجب على اللبنانيين العمل على إيجاد تسوية مؤقتة تُرسِّخ استقرار العلاقات وتُساعد على تحييد أيّ أعمال عابرة للحدود من طرفٍ تُسبِّب تداعيات سلبية على آخر.

المصدر: مايكل يونغ، ذي ناشيونال، 23 تموز (يوليو) 2025

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/07/23/lebanon-syria-al-shara-joseph-aoun/




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية