
في مشهد سياسي يعكس عمق التصدعات التي تضرب جسد التيار الإسلامي بالمغرب، برز خلاف علني جديد بين اثنين من أبرز رموزه، عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية "الذراع السياسية للإخوان"، وأحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التابع لجماعة الإخوان المسلمين.
هذا الخلاف، الذي تفجّر على خلفية تصريحات نارية للريسوني ضدّ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لم يقتصر على تبادل المواقف، بل كشف عن تصدع في بنية الخطاب الإخواني المغربي، الذي لطالما حرص على تقديم صورة "الصف الموحد" أمام الرأي العام.
القصة بدأت حين أقدمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على إعفاء رئيس المجلس العلمي المحلي بإقليم فجيج، وهو القرار الذي فجّر غضب الريسوني، فخرج بتدوينة حادة اللهجة، وصف فيها الوزارة بأنّها تمثل "رمزًا للتخلف السحيق"، متهمًا إيّاها بـ "تشويه الإسلام"، ومشبّهًا سلوك وزيرها بسلوكيات "الاستبداد والفرعونية". لغة التصعيد التي استخدمها الريسوني لم تترك مجالًا للتهدئة، خاصة أنّها جاءت من شخصية تحمل رمزية كبرى داخل التيار الإسلامي، وتاريخًا طويلًا في التنظير لمفاهيم الحاكمية والشريعة، وهو ما جعل وقعها أشدّ على الساحة السياسية.
غير أنّ ما بدا أنّه حملة جديدة ضد الوزارة، اصطدم بموقف معاكس من داخل بيت الإخوان أنفسهم، حين سارع عبد الإله بنكيران إلى إعلان رفضه القاطع لهذا الخطاب، وإدانته علنًا. وفي تدوينة لافتة أكد بنكيران أنّه "لا يرى من العدل ولا من الإنصاف ولا من اللائق" أن تُنعت الوزارة بتشويه الإسلام، مذكّرًا بأهمية احترام مؤسسات الدولة، حتى في حال الاعتراض على قراراتها. ورغم إقراره بحق الريسوني في التعبير عن رفضه لأسلوب اتخاذ القرار، فإنّ بنكيران بدا حريصًا على رسم خط فاصل بين النقد السياسي المباح، وبين التجريح الذي يمسّ هيبة المؤسسات الرسمية.
هذا التباين بين خطابين؛ أحدهما يميل إلى التصعيد الحاد واللغة الهجومية، والآخر يتبنّى نهج الاحتواء والمهادنة، أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول استراتيجية الإسلاميين في المغرب، ومدى قدرتهم على التكيف مع طبيعة النظام السياسي القائم، الذي يولي للمؤسسات الدينية الرسمية دورًا مركزيًا في ضبط المجال الديني.
ومنذ أعوام حرصت جماعة الإخوان في المغرب، ممثلة بالأساس في حزب العدالة والتنمية وحلفائه، على تقديم صورة الانسجام والالتزام بخطاب موحد، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالدين والسياسة. لكنّ الوقائع الأخيرة تكشف أنّ تحت هذا السطح الموحّد تتفاعل تيارات ورؤى متباينة، بعضها يرى في المؤسسات الرسمية شريكًا يجب التعامل معه بمرونة، وبعضها الآخر ينظر إليها كخصم فكري وسياسي ينبغي مواجهته.
خلفيات الخلاف
أحمد الريسوني ليس شخصية هامشية في التيار الإخواني، بل يُعدّ أحد أبرز مُنظّريه على المستوى العالمي، بحكم رئاسته السابقة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو كيان تأسس برعاية مباشرة من جماعة الإخوان، وكان على الدوام منبرًا لمواقف معارضة للأنظمة السياسية التقليدية، ومنحازة إلى أجندة التنظيم الدولي. ومواقفه غالبًا ما اتّسمت بالحدة في مواجهة السياسات الرسمية التي يراها مقيّدة لنفوذ الإسلاميين في الحقل الديني.
على النقيض، يظهر بنكيران، الزعيم التاريخي لحزب العدالة والتنمية، كسياسي براغماتي يجيد قراءة موازين القوى، ويدرك حساسية الصدام مع المؤسسات الدينية الرسمية في المغرب، التي تتمتع بشرعية خاصة مستمدة من البيعة وإمارة المؤمنين. ومن ثم، فإنّ موقفه الأخير لم يكن مجرد خلاف شخصي مع الريسوني، بل كان تجسيدًا لاختلاف عميق في الرؤية، بين خط يفضّل الصدام الفكري العلني، وخط يراهن على البقاء في دائرة المقبول لدى الدولة.
أزمة الخطاب داخل الإخوان
منذ تراجع حزب العدالة والتنمية عن الصدارة السياسية في المغرب، إثر الهزيمة القاسية في انتخابات 2021، بات التيار الإسلامي يواجه أسئلة صعبة حول دوره وموقعه. ومع خسارة أدوات النفوذ المباشر في السلطة التنفيذية، عاد الصراع الداخلي إلى الواجهة، حيث تسعى شخصيات مثل الريسوني إلى إعادة شدّ التيار نحو جذوره الدعوية والصدامية، فيما يحاول آخرون، وعلى رأسهم بنكيران، الحفاظ على جسور الاتصال مع الدولة، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات في الخطاب.
وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أنّ هذا الخلاف لا يدور فقط حول واقعة إعفاء مسؤول محلي، بل يتصل بمسألة أعمق: من يملك سلطة تمثيل الإسلام في المغرب؟ هل هي المؤسسات الدينية الرسمية الخاضعة لإشراف الدولة، أم المرجعيات الفكرية للإخوان التي ترى نفسها وصية على "التفسير الصحيح" للشريعة؟
تداعيات سياسية وفكرية
التراشق العلني بين الريسوني وبنكيران ليس مجرد حادث عَرَضي، بل يحمل تداعيات مباشرة على صورة التيار الإسلامي أمام الرأي العام. فمن جهة قد يرى بعض أنصار الإخوان في موقف بنكيران نوعًا من "التفريط" أو الانحناء أمام السلطة، ومن جهة أخرى سيعتبر آخرون أنّ الريسوني يغامر بتأجيج صدام قد يكلّف التيار مزيدًا من الخسائر السياسية.
كما أنّ هذه الأزمة قد تعيد فتح ملف العلاقة بين حزب العدالة والتنمية والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، خاصة في ظل تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على الكيانات المرتبطة بالإخوان. فالاختلاف في الأسلوب واللغة يعكس أيضًا اختلافًا في المرجعية: الاتحاد يتبنّى خطابًا أمميًا عابرًا للحدود، بينما يجد الحزب نفسه محكومًا بضرورات السياسة المحلية وموازينها.
في عمق المشهد المغربي
لفهم أبعاد هذا الخلاف لا بدّ من التذكير بأنّ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب ليست مجرد جهاز إداري، بل هي ذراع أساسية للدولة في إدارة الحقل الديني، وضمان عدم تحوّله إلى ساحة مفتوحة أمام الجماعات المؤدلجة. وهي بذلك تمثل خط الدفاع الأول عن النموذج المغربي في التدين، الذي يقوم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السنّي. وأيّ مساس بهذه المؤسسة، أو اتهامها بتشويه الإسلام، يُعدّ في نظر الدولة مساسًا بالشرعية الدينية ذاتها.
في المقابل، فإنّ التيار الإخواني، حتى في نسخته المغربية الأكثر انفتاحًا، ظل يطمح إلى توسيع نفوذه في الشأن الديني، سواء عبر المنابر الدعوية أو العمل النقابي أو التأثير في التشريعات. وهنا يتضح أنّ الصراع بين الريسوني وبنكيران ليس فقط حول حادثة، بل حول حدود هذا الطموح في ظل واقع سياسي ودستوري يضع الدين تحت سلطة الدولة الحصرية.
ويبدو أنّ المشهد الإخواني في المغرب يدخل مرحلة جديدة من التوتر، حيث تتقاطع الحسابات الشخصية مع الخلافات الفكرية، وتتصادم الرؤى بين من يريد العودة إلى خطاب الصدام والمواجهة، ومن يفضل البقاء في منطقة التوافق والتهدئة. وفي كل الأحوال، فإنّ ما جرى بين الريسوني وبنكيران يكشف أنّ صورة "الصف الواحد" لم تعد قادرة على الصمود أمام ضغوط الواقع، وأنّ الانقسام بات جزءًا من المشهد، لا استثناء فيه.
وبينما قد يحاول بعض قادة التيار احتواء الأزمة وإعادة المياه إلى مجاريها، فإنّ تراكم الخلافات، وتعدد المرجعيات، وتباين المواقف من الدولة، كلها عوامل تشير إلى أنّ تصدعات الإخوان في المغرب لن تبقى محصورة في الكواليس، بل ستخرج إلى العلن كلما اصطدمت حسابات السياسة بحدود الواقع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)