"المسيرة الوهمية".. عرض مسرحي يثور على التفاهة والسائد

"المسيرة الوهمية".. عرض مسرحي يثور على التفاهة والسائد

مشاهدة

12/07/2021

ثارت مسرحية "المسيرة الوهمية" التي تُعرض حالياً على مسرح الهناجر (أحد مسارح الدولة)، على "التفاهة"، فحتى بعد أن حُذفت كلمة "التفاهة" من اسم المسرحية الذي عُرضت به لأول مرّة نهاية العام 2019 "المسيرة الوهمية للتفاهة"، لم يكن صعباً توقعها خلال عرض مسرحي يثير ذهن متابعه على مدى 160 دقيقة هي عمر العرض، محاولاً فك رسائله وتداخله ورموزه.

تمتاز مسرحية المخرج المصري طارق الدويري، الذي يقدم عدداً من النصوص المسرحية لوالده الكاتب الراحل رأفت الدويري، بتشابكاتها الكبيرة، وثوريتها اللافتة، على الرغم من أنها لم ترفع لافتة واحدة ولم تطلق كلمة معارضة صريحة.

 تُعرض حالياً على مسرح الهناجر (أحد مسارح الدولة)

وعادة ما تبدأ معظم الحكايات بلحظة الميلاد، سواء كان ميلاداً حقيقياً أو رمزياً كبزوغ فجر، أو انقشاع ظلام، لكن أن يبدأ عرض مسرحي بـ"لحظة وفاة" ونحيب، ومسيرة يتقدمها تابوت هو في الأساس فارغ، إنما يثير الفضول والتساؤل! والذي لن يكون الأخير.

العرض مرهق من الناحية الذهنية، يجعل مشاهده مُلقى في أحجية يتحدى نفسه فيها دائماً كي يفك طلاسمها، خصوصاً مع التداخل الكبير بين الأحداث والمشاهد، والعمق في المنظور، ليس المنظور الفلسفي فقط، بل المادي أيضاً.

هل قصد المخرج أنّ كل مولود جديد هو نتاج لعلاقة شائخة هشة باهتة برمزية الهرم للوالدين؟

الخشبة المسرحية في ذلك العرض أكثر اتساعاً من أي خشبة أخرى، ليس لأنّ صُناع العمل صمموا خصيصاً خشبة عملاقة، بل لأنهم قدّموا منظوراً متداخلاً على درجة كبيرة من التنظيم، بعروض شكلها الجسد البشري في المقام الأول، وخدمته الإضاءة والديكور على بساطته.

وقدّم العرض تزامناً متداخلاً في المشاهد، فقد قسّم الخشبة لتستوعب مشاهد عدة، أحدها فيه متكلم، وآخرون صامتون سوى من الحركة، حتى يتبدل الموقف، ويصمت المتكلمون ويتحدث الصامتون.

العرض الفلسفي إذاً يكشف عن مخرج يحمل منظوراً فريداً مميزاً، يغريك في كل مشهد أن تلتقط صورة ذهنية وتحتفظ بها أطول فترة ممكنة؛ لعمق التكوين وروعته، كل مشهد هو لوحة تتمنى لو كنت قادراً على وضعها داخل إطار في صالة منزلك.

 العرض مرهق من الناحية الذهنية يجعل مشاهده مُلقى في أحجية يتحدى نفسه فيها دائماً كي يفك طلاسمها

ويثور العمل على الحياة بوجه عام، التي باتت محكومة بمجموعة من الأطر تجعل مسيرة الإنسان فيه مكبلة حتى إذا كانت بقيم رنانة، وشعارات لافتة، مثل "أفضل تعليم"، "أحسن مستقبل"، "أفضل وظيفة"، والتي لخصها العرض في تعبير "ضمانات المستقبل" التي تجعل جهة غامضة تتداخل فيها الفيزيقيا مع الميتافيزيقيا، كل أب وأم يوقعان عقداً على بياض شرط نزول المولود، وهو في الأساس عقد عبودية.

ولأنّ المسرحية لا تعرف التبسيط على أي جهة، وكل مشهد أو قصة تحمل كثيراً من الدلالات، فقد كان الأب والأم في تلك الحالة عجوزين، فكانت الولادة حدثاً يقترب من "المعجزة"، فسُمّي طفلهما "المحروس بسلامته"... الطفل المعجزة.

العرض الفلسفي يكشف عن مخرج يحمل منظوراً فريداً مميزاً، يغريك في كل مشهد أن تلتقط صورة ذهنية وتحتفظ بها أطول فترة ممكنة

هل قصد المخرج أنّ كل مولود جديد هو نتاج لعلاقة شائخة هشة باهتة برمزية الهرم للوالدين، هل قصد أنّ المصنع (الدنيا) فقدت شبابها فلا يمكن أن تلد نظاماً أو نتاجاً سليماً معافى، أم قصد القدرة على الحياة وبثها حتى من رحم الشيب والتشويه والعجز؟

سيل الأسئلة الفلسفية لا يتوقف طيلة العرض، الذي لا يوجد فيه ذروة واضحة أو قصة واحدة لها بداية ووسط ونهاية، وإنما هو عبارة عن مجموعة متداخلة من الأحداث، تعرض دائماً الصراع الأزلي بين الخير والشر، الرغبة والقدرة، الطموح واليأس، السلطة والدين وتزاوجهما، النمطية والإبداع أو الخروج عن المرسوم.

الطفل المعجزة يكبر وسط نظام موجّه يجعله يلتهم الكتب التهاماً حقيقياً وليس مجازاً، مقابل شاب آخر طموح يفكر وتثير الأسئلة عقله، لكنه يُتهم بالكفر والإلحاد والعصيان، ويُقتل في النهاية، أمّا الطفل المعجزة الذي هو مجرّد مسخ مرضي عنه، فإنه يظل يكبر ويتمدد حتى تبتلعه "دنيا آدم".

كل مشهد أو قصة تحمل كثيراً من الدلالات

الطفل المعجزة ليس وحده، إلى جواره نجد طموح السلطة لدى هلفوت فشل في أن يصبح زعيماً، فبات درويشاً، يدّعي أنه على صلة بإله المطر في زمن جفّ فيه النهر وهددت سيرورة الحياة، وبالفعل يلتف حوله الملتفون، ويقتلون في سبيله الشاب الوحيد الذي واجههم، بعدما طمع الزعيم المزيف في أن يتزوج الفتاة الوحيدة الأخرى التي عارضته.

تدور أحداث العرض في زمان ومكان غير محددين، رغم ذكر المماليك والسلاطين في بعض المشاهد، لكنها تظل صالحة للإسقاط على كل زمان ومكان، وأزمة المعنى في مواجهة اللّاشيء أو التفاهة، والتي يعّبر عنها كاتب مكلوم محتار بين أفكاره، يقطع العرض بين وقت وآخر ليسأل "أكتب أم لا أكتب؟".

بداية مميزة

السوداوية تسود العمل على نحو كبير، على الرغم من بدايته أو ما قبل البداية (على اعتبار أنّ العمل يبدأ فعلياً من خشبة المسرح)، غير التقليدية والمبهجة، حيث يخرج الممثلون في عرض بهلواني موسيقي راقص يستقبلون جمهور الحضور ويدخلون بهم إلى المسرح.

هل مثلت الافتتاحية الفخ الذي عادة ما يقع فيه البشر؟ أم كانت مدخلاً للتعبير عن التناقض الكبير في الأحوال؟ فبمجرد الدخول إلى القاعة يتحول الغناء إلى نحيب، والسعادة إلى انقباض موحش.

تدور غالبية مشاهد العرض في إطار جنائزي، الساحة الرئيسة للبدء والخاتمة هي المدفن، والنعش هو الرمز الأبرز في العمل، ليس على نحو مقبض، فبعد فترة ومع استعراض عبثية الحياة وتلاعبها بالبشر ومعاناة من يخرج عن المألوف، ستستقبل الموت كتحرير أو لحظة تنوير، خصوصاً إذا ما كان في سبيل حياة ذات قيمة، عكس التيار السائد من التفاهة واللّاشيء.

السوداوية تسود العمل على نحو كبير

وهنا يزول عجب بداية العرض بمشهد مقبض مثل الجنازة، ويتضح أنها ذات صلة عميقة بالعرض البهلواني الأول، حيث حدثان: الأول يحمل وجه الحياة الزائف، والآخر الحقيقة المطلقة، التي هي هنا عملية تحرر يُحتفى بها هروباً من التفاهة والسائد والنظام.

الصفحة الرئيسية