الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي لـ "حفريات": دعوا الشعب (لا الفصائل) يقرر ما يريد

الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي لـ "حفريات": دعوا الشعب (لا الفصائل) يقرر ما يريد

مشاهدة

26/05/2021

أجرى الحوار: حامد فتحي

حينما كان أحد يحاول الاستفسار عن سبب دخول حركة حماس عسكرياً في انتفاضة أهل القدس، التي اندلعت لصدّ انتهاكات إسرائيل للمسجد الأقصى وتقييد الدخول إليه، وأيضاً ضدّ تهجير أهالي حيّ الشيخ جراح، كان البعض، على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يتقبل ذلك، ومنهم من كان يشكك ويكيل الاتهامات، بل وأضحت مقولة الأنظمة: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" سائدة، بعد أن بات الصراع كأنّه بين إسرائيل وحماس، دون وجود للإنسان الفلسطيني في قطاع غزة، الذي بات عليه تحمّل الضريبة في صراع لم يؤخذ رأيه فيه، لا سيما أنّ حماس بمثابة سلطة بمعنى الكلمة في غزة، مثلما أنّ فتح سلطة في الضفة الغربية، في وضع تحوّل فيه قطاع غزة إلى حقل رماية للهجمات الوحشية للصواريخ الإسرائيلية القاتلة والمدمرة.

الانتفاضة الشعبية على نمط الانتفاضة الأولى (1987ـ1993)، وعلى نمط هبات أهلنا في القدس هي الأنسب والأجدى لشعبنا، لا سيما في هذه الظروف، العربية والدولية

وبعد انتهاء جولة الصراع، التي تعدّ الحرب الرابعة على قطاع غزة لم يتوقف إلا القليل للنقد الذاتي، والسؤال عن ماذا بعد؟ وماذا كسبت القضية الفلسطينية؟

معلوم أنّ ما حدث في غزة من حرب ليست الأولى من نوعها، وعلى الأرجح فإنّها لن تكون الأخيرة، وفي ظلّ هذه الحروب هناك القضية المنسية التي حُصرت في الصراع العسكري، صواريخ مقابل صواريخ (مع الفارق الكبير)، رغم أنّ الزخم الشعبي الدولي المتعاطف مع الفلسطينيين بُني أصلاً على تأييد الحقّ الفلسطيني الذي عبّر عن نفسه في النضال الشعبي في القدس، ثم من خلال مشاهد الدمار في غزة.

الآن، بعد أن توقفت الحرب، لا بدّ من طرح الأسئلة النقدية التي لا تحابي أحداً، والتي تأخذ بعين الاعتبار أهمية القضية الفلسطينية، ومكانتها في وجدان الإنسان العربي.

 وفي سبيل ذلك حاورت "حفريات" الكاتب والباحث الفلسطيني، ماجد كيالي، صاحب المؤلفات المتعددة في نقد التجربة الوطنية الفلسطينية، سواء العسكرية والسياسية.

وهنا نصّ الحوار:

بعد توقّف الحرب الرابعة على قطاع غزة، ما هو تقييمك لتحوّل الهبة الشعبية في القدس إلى معركة صاروخية من غزة؟

بدايةً، يجب التأكيد على مشروعية المقاومة بكل الوسائل، مع فرض أن تكون كلّ وسيلة ملائمة، بحسب الظروف والمعطيات، ويمكن استثمارها سياسياً، وأن تستنزف العدوّ، أو توجعه، أكثر مما تستنزف شعبنا أو توجعه، وبعد ذلك ثمة ملاحظتان:

الأولى: ما الذي كان في ذهن المقاومة في غزة من توقعات لما بعد الحرب، لا سيما في ظرف يبدو فيه الشعب الفلسطيني دون أيّ ظهير، عربيّ أو دوليّ؟ بالقياس مع المحطات الكفاحية والمواجهات السابقة، فقد كانت الانتفاضة الثانية (2000 ـ 2004)، التي نجم عنها مصرع 1060 إسرائيلي في أربعة أعوام، ذروة كفاحنا ضدّ إسرائيل، ثم كنا إزاء ثلاثة حروب مدمرة شنّتها إسرائيل على شعبنا في قطاع غزة؛ الأولى عام 2008، واستمرت 23 يوماً، وذهب ضحيتها أكثر من 1436 فلسطينياً، مقابل مصرع 13 إسرائيلياً. والثانية عام 2012، واستمرت ثمانية أيام، وذهب ضحيتها 155 من الفلسطينيين مقابل مصرع ثلاثة إسرائيليين. أما الثالثة؛ فاستمرت 50 يوماً، عام 2018، وذهب ضحيتها 2174 من الفلسطينيين مقابل مقتل 70 إسرائيلياً، أي أكثر من أربعة آلاف شهيد من الفلسطينيين، وعشرات الألوف من الجرحى والمعاقين، ناهيك عن دمار هائل لبيوت وممتلكات، مقابل مصرع 86 إسرائيلياً، في ستة أعوام.

ومفهوم أنّ أيّة عملية كفاحية ستتضمن ضحايا، وأنّه ثمة ثمن للحرية، لكنّ السؤال: ما الذي تحقق بثمن تلك التضحيات؟ والسؤال هل بالإمكان الآن استثمار تضحيات وبطولات شعبنا؟ وكيف؟

هل من حدود يضعها المجتمع الدولي أمام آلة البطش الإسرائيلية؟

قبل المأساة السورية كنت أستبعد أن يسمح النظام الدولي بالترانسفير، أي تشريد جديد للفلسطينيين، لكن بعد أن شهدت كيف سمح النظام الدولي لنظام الأسد بتشريد أكثر من عشرة ملايين من السوريين، وقتل مئات الألوف منهم، باتت مشروعة معاودة النظر بتلك الفكرة.

وعلى ذلك بات من المهم عدم تقديم أية فرصة، أو ذريعة، لإسرائيل، قد تسهل عليها هكذا ردة فعل، في هذه الظروف العربية والدولية غير المواتية، لا سيما ظرف الانهيار الدولتي والمجتمعي في المشرق العربي، التي قد تؤدي إلى تشريد جزء من الشعب الفلسطيني في الجليل أو الخليل أو القدس، أو أيّة منطقة، إذ إنّ الحفاظ على وجود شعبنا، وتنمية هذا الوجود هو في حدّ ذاته مقاومة، فلا وجود لمقاومة من دون شعب.

هذه المحددات تفترض قراءة واقعية للصراع، فهل الدفع نحو الصراع العسكري يمنح إسرائيل فرصة للمزيد من العدوان؟

يجب استمرار المقاومة، لكن بالشكل الأنسب، الذي يحفظ طاقات شعبنا، وبالشكل الذي يوجع إسرائيل، وأيضاً بالشكل الذي لا يجعلها تستخدم كل قوتها العسكرية، وهو المربع الذي ترتاح فيه، والذي لا يجعلها تذهب نحو خطوات يصعب التحكم بها.

شيء مهين وغير معقول ولا مقبول محاباة حماس لإيران والنظام السوري، فإيران نهشت في لحمنا الحيّ في مجتمعات المشرق العربي بسياساتها وخياراتها في العراق وسوريا

وفي ملاحظة المشهد اليوم؛ أظنّ أنّ ثمة ملامح انتفاضة ثالثة، أو وضع قد يتطور إلى انتفاضة شعبية ثالثة، بعد دخول مدن ومخيمات وقرى الضفة الغربية، وحدوث كثير من التحولات في معنى ومبنى الحركة الوطنية الفلسطينية، ورؤية الشعب الفلسطيني لذاته، وكل ذلك يتوقف على نتائج الهجمة الإسرائيلية على غزة، وعلى مدى استغلال لحماس لنتائج العدوان، وعلى تطور الهبة الشعبية في 48 وفي الضفة، لكنّ اليقيني في الأمر أنّه من المبكر التكهن بطبيعة التحولات وتداعياتها.

كانت لافتة مشاركة جميع مكوّنات الشعب الفلسطيني، في الداخل والضفة وغزة والشتات، في الهبة الشعبية الأخيرة، ما دلالات ذلك؟

أكّد فلسطينيو ٤٨ وحدة شعبنا وقضيته وأرضه وروايته التاريخية ووحدة كفاحه بمشاركتهم بهبة القدس المجيدة، وهذا يؤكد مجدداً أهمية تمثيلهم في الكيان الوطني الجامع لشعب فلسطين، ويردّ كلّ الدعوات التي تدعو لغير ذلك، ويوضح أنّ المقاومة الشعبية طريقنا لتوحيد شعبنا ومواصلة كفاحه لاستعادة حقوقه في وطنه فلسطين.

لماذا تدخلت حماس عسكرياً في الهبة الشعبية في القدس؟

حماس وجدت أن فرصتها التاريخية حانت، وأنه يجب الاستثمار في أخطاء أبو مازن، وفي تراجع مكانة فتح، على خلفية المسائل الآتية:

أولاً: تأجيله، أو إلغاؤه الانتخابات. ثانياً: تعثّر مباحثات استعادة وحدة النظام الفلسطيني. ثالثاً: تعاطيه القاصر مع هبّة القدس. رابعاً: تراجع مكانته في حركته فتح، لا سيما مع بروز كتل جديدة وازنة، تحدّت إرادته، أو تمردت عليه على خلفية الانتخابات. هكذا، كانت ثمة حاجة لدى حماس إلى عمل كبير، لإضفاء شرعية وشعبية على مسعاها أخذ دفة القيادة.

هل خرجت السلطة الفلسطينية وحركة فتح شعبياً؟

نعم، خسرت قيادة منظمة التحرير والسلطة وفتح مكانتها إزاء شعبها، وبالمقارنة مع حماس عدة مرات. الأولى بتهرّبها من الانتخابات، والثانية بتملّصها من قصة توحيد كيان السلطة، والثالثة في ضعف موقفها إزاء هبة القدس، والرابعة بمبادرة حماس سحب البساط في اتجاهها في مصارعة إسرائيل، ولا أعرف ما الذي سيبقى لأبو مازن تبعاً لكلّ ذلك.

تكتب بشكل نقدي واضعاً القضية، ككل، معياراً لمساءلة جميع الفاعلين الفلسطينيين؛ فكيف ترى تفاعل المنتمين لفصائل متنافسة مع طرحك؟

لأوضح لك؛ حدث أن اتّهمني شاب حمساوي بأنّ انتقاداتي لفتح خفيفة، في معرض نقاشي لخيار حرب الصواريخ، ورآني متحاملاً على حماس، وقبلها اتهمني شاب فتحاوي بأنّ انتقاداتي خفيفة لحماس وشديدة على فتح؛ لانتقادي صفع سيدة من مخيم اليرموك من قبل رجل أمن سفارة فلسطين في بيروت، أي الاتهام نفسه!

اقرأ أيضاً: المعركة من أجل حياة السود والكفاح من أجل تحرير فلسطين

والفكرة في الحاليتَن غياب النقاش، وتحويلك إلى متهم، أو خندقتك في مكان ما، بدل من إمعان التفكير، وتفهم الرأي المختلف، وتقبّل الانتقاد، وهذه العصبية الفصائلية، عقلية إما معي أو ضدي، مضرّة بفكرة الوطنية الفلسطينية، وتحوّل أبناء أي فصيل الى مجرد أداة، غير واعية وغير فاعلة، فبعض أبناء فتح يدافعون عن تنظيمهم لو ارتكب أي خطأ ويهاجمون حماس في حال ارتكبت ذات الخطأ، والعكس صحيح، وللأسف هذا هو واقعنا.

وبالنسبة لي، وأعيد للمرة الألف، إنني اكتب رأيي تبعاً لثقافتي وتجربتي وهمّي وحريتي كشخص وفقط، ولا أكتب رأي أحد آخر، لا فصيل ولا شيخ ولا أمين عام ولا حزب ولا دولة، ولا أتوخى أيّ شيء شخصي، فعمري بات ورائي، لذا آخر همّي أن يعجب أحد بما أعتقده، أو لا يعجب، همّي أن أطرح فكرتي فقط، وهو ما أعتقد أنّه حقّي ومسؤوليتي.

ما رأيك فيمن يرفض نقد خيارات المقاومة المسلحة ويخوّن من ينتقدها؟

عليهم أن يفهموا أنّ هذا النوع من النقاش لا علاقة له بمشروعية المقاومة، بكل أشكالها، فهذا أمر مفروغ منه؛ إذ إنّ أيّ شعب يخضع للاضطهاد وللاحتلال من حقّه المشروع أن يقاوم ذلك، لكن تلك المقاومة يفترض أن تخضع لإستراتيجية سياسية وعسكرية واضحة ويمكن استثمارها، ويجب أن تخضع لحسابات الكلفة والمردود (النسبية)، وأن تستفيد من التجارب السابقة، وأن تؤدي إلى إضعاف واستنزاف العدو، لا إلى إضعاف مجتمعنا واستنزافه.

والفكرة أن نتعلم أنّ كلّ شيء يجب أن نخضعه للنقاش والدراسة، وكلّ وجهة نظر لديها مشروعيتها، وكلّ خيار تنتهجه قيادة ما يجب أن يعرض للمراجعة والنقد، وبعدها للتقييم والمساءلة والمحاسبة، فذلك من أبجديات العمل السياسي.

اقرأ أيضاً: رسالة إلى بايدن من الديمقراطيين بشأن فلسطين... ماذا جاء فيها؟

وكلّ ما تقدم لم يعد مجرد تحليل؛ إذ كان يمكن أن يكون ذلك لو إننا كنا في بداية كفاحنا الوطني، وإنما هو نتاج تجربة 56 سنة، وعلى ضوء المآلات والإخفاقات التي وصلنا إليها؛ لذا فإنّ إنكار الواقع، والمبالغة بالذات، والاحتكام للعواطف، والرغبات، وإسكات النقد بدعوى أنّ "لا صوت فوق صوت المعركة"، لا يفيد شيئاً، بدليل ما وصلنا إليه، رغم كلّ أحاديثنا عن شعب الجبّارين وعن زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل.

والخلاصة أنّنا نخوض كفاحاً صعباً ومعقّداً ومكلفاً وطويل الأمد، وأهم ما يجب التمسك به هو المقاومة الشعبية؛ لتغدو المقاومة حالة يومية للفلسطينيين، في كلّ أماكن وجودهم، في الداخل والخارج، بهذه المساهمة أو تلك، ولنأمل خيراً.

من خلال دراستك النقدية حول مسار الكفاح الوطني الفلسطيني؛ كيف تقرأ تجربة المقاومة المسلحة اليوم؟

منذ البداية تأسس الكفاح المسلح عند حركة فتح على فكرة "التوريط الواعي"، أي أنّ الفدائيين سيضربون إسرائيل، وتلك ستردّ عليهم، بحكم وجودهم في الأردن ولبنان وسوريا ومصر، فترد عليهم الجيوش العربية وهكذا تندلع حرب تحرير فلسطين.

في تلك الآونة (أواسط الستينيات) لم تكن الجبهة الشعبية، أي التي كانت وقتها حركة القوميين العرب، مع تلك الفلسفة ورأت فيها مغامرة ستورط الأنظمة العربية التقدمية (لا سيما نظام عبد الناصر)، وأيضاً حركة حماس (التي كانت وقتها فرعاً للإخوان المسلمين) لم تكن مع الكفاح المسلح، لأنّها مع الجهاد الأكبر أي جهاد النفس والجهاد من أجل العقيدة، أي أنّ حماس لحقت الكفاح المسلح متأخرة (مع اندلاع الانتفاضة الأولى 1987)، بعد 22 عاماً على انطلاقة فتح، وبعد أفول تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني من الخارج.

منذ عام 2000، توقف حزب الله عن المقاومة، التي كانت متركزة أصلاً في جنوب لبنان، وليس داخل فلسطين، باستثناء لحظة خطف الجنديين (2006)

وتلك الفكرة التي تحيل مشروعية الكفاح المسلح إلى وضع عربي مساند وملائم، ووضع دولي متفهم (في عصر القطبين السوفييتي والأمريكي) ليس موجوداً الآن، أي أنّ أساس تلك الفكرة ليس صحيحاً، لأنّ الأنظمة العربية لا تسير وفق أهوائنا، وأيضاً لأنّ تلك الأنظمة لم تثبت أمام إسرائيل في حرب حزيران (1967)، والآن تلك الفكرة ليست ملائمة بحكم انهيار الجبهة الشرقية، وتصدع مجتمعات المشرق العربي. والفكرة أنّ الانتفاضة الشعبية على نمط الانتفاضة الأولى (1987ـ1993)، وعلى نمط هبات أهلنا في القدس هي الأنسب والأجدى لشعبنا، لا سيما في هذه الظروف، العربية والدولية، أما الطريق الآخر فهو يحمّل شعبنا أكثر مما يحتمل، ويظهر الوضع كجيش مقابل جيش، صواريخ مقابل صواريخ، وهذا يضرّ بشعبنا أكثر مما يضرّ بإسرائيل، إذ إنّه يستنزف شعبنا أكثر، كما أنّ هذا الوضع يصعب، أو يستحيل، الاستثمار فيه، بترجمة خسائر إسرائيل، مهما كانت، إلى مكاسب سياسية، سواء بحكم قوتها، أو بحكم المعطيات العربية والدولية المساندة لها،  وأخيراً فإنّ ذلك يضعف من تعاطف الرأي العام مع شعبنا، وهو أمر نحرز فيه نجاحات كما لاحظنا مؤخراً.

خلال هبة القدس لم يسقط قتلى من الفلسطينيين، وإن كانت هناك إصابات خطيرة طبعاً، لكن حين بدأت حماس القصف بدأ عدد القتلى والجرحى والمهجرين؛ هل المطلوب من المقاومة مراعاة حياة الإنسان الفلسطيني في خطواتها التصعيدية؟

بالتأكيد، تجب مراعاة حياة الإنسان الفلسطيني، وليس أخلاقياً ولا وطنياً ولا مسؤولاً أن تطالب بكفاح مسلح أو حرب صواريخ، وأنت وأولادك وأهلك، سواء في الضفة، أو في غزة، أو في فلسطين كلها، أو حتى في أيّ مكان يدفع أهله ثمن صراعهم ومقاومتهم ضدّ إسرائيل، أقصد يمكن أن تقول رأيك، أو وجهة نظرك، وهذا طبيعي، لكنّ المطالبة تفترض منك مساهمة معينة بأيّ قدر وبأيّ شيء، ولو على شكل مساعدات مالية، أو عينية، أو خدمية؛ لذلك فإنّ الشعب يقاوم بقدراته وإمكانياته لا بالعنتريات، وعلى الأقل قبل ذلك يجب التفكير، ودعنا عن الشكل الأنسب لكفاح الشعب الفلسطيني، في هذه الظروف والمعطيات العربية والدولية، ودعنا من دروس التجارب السابقة؛ فعلى الأقل فكّر ما الذي تقدّمه أنت لشعبك؟ هل تكفّلت يوماً، مثلاً، بعلاج جريح، أو تكفّل عيش، أو تعليم طفل شهيد أو أسير؟ هل خصصت مبلغاً من دخلك لأجل ذلك؟ وهل تظن أنّ على الآخرين أن يستجيبوا لادّعاءاتك ونصائحك، حيث أنت، دون أن تقدّم شيئاً؟ على الأقل دعوا الشعب (لا الفصائل) يقرر ما يريد أو ما يستطيع، وأقصد الشعب عبر إطارات وطنية جمعية، مؤسسية، ومنتخبة؛ لأن ذلك هو الطريق الأسلم لتطور حركتنا الوطنية. مثلاً، كان على المقاومة بناء ملاجئ للسكان في غزة، وهي لديها القدرة على حفر الأنفاق، ولو كان الإنسان حاضراً بقوة في ذهن الفصائل، لكان تجنيبه كوارث الحرب، ونتائج التصعيد أولوية.

خلال الحرب الأخيرة قال البعض إنّ حزب الله منع الفلسطينيين من الوصول للحدود، ولم يطلق رصاصة واحدة لنصرة القدس، فكيف ترى ذلك؟

ليست هذه الحرب أول اختبار لحزب الله وادعاءاته، فحزب الله إبّان الانتفاضة الثانية، والتي شكلت ذروة المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين (2000 ـ-2004)، أي أربعة أعوام، لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل، وحصل ذلك إبّان الحروب الإسرائيلية الثلاثة على غزة، في 2008 و2012 و2014، علماً بأنّ الحرب قبل الأخيرة (الثالثة) استمرت 51 يوماً، وذهب ضحيتها حوالي 2200 من الفلسطينيين.

وهذه المرة أيضاً نصر الله يدعو للدعوات في الجوامع، أيضاً، لمن ما يزال يصنف حزب الله كمقاومة في حين هو لم يتوقف مرة عن قتل السوريين منذ عشرة أعوام، ولم يقم ولا مرة، هو أو إيران، بالردّ بشكل مناسب على استهداف إسرائيل له، أو لها، في سوريا ولبنان والعراق، وحتى في إيران ذاتها.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حرب غزة مقدمة لسلام حقيقي مع الفلسطينيين؟

في الواقع، منذ عام 2000، توقف حزب الله عن المقاومة، التي كانت متركزة أصلاً في جنوب لبنان، وليس داخل فلسطين، باستثناء لحظة خطف الجنديين (2006)، التي استجرّت حرباً مدمّرة على لبنان اعتذر عنها نصر الله، وهي عملية أتت للتغطية على اغتيال الحريري، ولاستعادة هيبته بعد إخراج الجيش السوري من لبنان، ولمن يريد أن يعرف حقيقة حزب الله كحزب طائفي، وكمجرد ذراع إقليمية لإيران، وكحزب يدافع عن أنظمة الاستبداد والطائفية والفساد في المشرق العربي.

وماذا عن تقديم هنية الشكر لإيران رغم أنّها لم تفعل شيئاً لنصرة القدس وغزة؟

شيء مهين وغير معقول ولا مقبول محاباة إيران والنظام السوري، بل ومحاباة أيّ نظام عربي من المحيط إلى الخليج، جمهوري أو ملكي (مرة واحدة)، فإيران نهشت في لحمنا الحيّ في مجتمعات المشرق العربي بسياساتها وخياراتها في العراق وسوريا؛ إذ إنّ تقويضها بناء الدولة والمجتمع خدم اسرائيل وقوّاها، والمؤسف أنّ ذلك باسم فلسطين والمقاومة، وهاهي تتلقى الضربات الأمريكية والإسرائيلية في العراق وسوريا، وحتى في إيران ذاتها، ولا ترد بما يتناسب مع تلك الضربات.

اقرأ أيضاً: الإمارات عون وسند لفلسطين

أما محاباة النظام السوري؛ فتلك مصيبة كبرى، إذ تتناسى سياساته الفلسطينية من تضييع الجولان إلى التدخل في لبنان، إلى حروب المخيمات، وتتناسى أنّ هذا النظام الاستبدادي ضيّع شعبه وشرّد الملايين منه… (يا حيف على هيك حركة تحرّر لا تعرف معنى الحرية والكرامة).

هذه مواقف لا علاقة لها بالسياسة، ولا بالأخلاق، ولا بالقيم، مفهوم أنّنا لا نطالب تلك الفصائل البائسة بأن تحارب النظام السوري، أو أن تعاديه، لكنّ محاباته ليست مفهومة، والجلوس معه على جماجم الشعب السوري، وليس مفهوماً البتة إهداء انتصارات إلهية أو غير إلهية، تعمّدت بدماء شعبنا وتضحياته إلى إيران أو إلى أيّ أحد كان.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية