العملات المشفَّرة.. أحدث حيل الجماعات الإرهابية

العملات المشفَّرة.. أحدث حيل الجماعات الإرهابية

مشاهدة

19/07/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

في أيار (مايو) 2020، أظهر تقرير صادر عن المعهد الفلبيني لأبحاث السلام والعنف والإرهاب؛ أنّ جماعات إرهابية مرتبطة بداعش أجرت معاملات بالعملات المشفَّرة، للمرة الأولى"، ووفق التقرير؛ فإنّ "عملية غسل أموال مرتبطة بالإرهاب وتنطوي على عملات مشفَّرة، تمخضت عن أموال يزعَم أنّها استخدمت فيما بعد لتمويل أنشطة شبكات إرهابية تعمل في منطقة مينداناو، جنوب الفلبين، والتي تمزّقها الصراعات".

في 2015، سُجن طفل يبلغ من العمر 17 عاماً في ولاية فرجينيا الأمريكية، لتزويده أنصاراً لداعش، عبر الإنترنت، بنصائح حول استخدام العملة الافتراضية "البيتكوين" في إخفاء تبرعات مالية

ورغم أنّ اعتماد العملات المشفَّرة ليس بالحدث غير المسبوق بين أنصار داعش، لكنّ هذه الحالة تشير إلى دفعة نشطة لتنويع أساليب تمويل الإرهاب في جنوب شرق آسيا.

يستكشف هذا المقال، بالتالي، ميل متشدّدي جنوب شرق آسيا إلى الاعتماد على العملات المشفَّرة في جمع الأموال ونقلها، واستخدامها لأغراض إرهابية.

الاستغلال الإرهابي للعملات المشفَّرة

لطالما كان تنظيم داعش مهتماً بالعملات المشفَّرة؛ ففي قضية كبيرة تعود إلى عام 2015، سُجن طفل يبلغ من العمر 17 عاماً في ولاية فرجينيا الأمريكية، لتزويده أنصاراً لداعش، عبر الإنترنت، بنصائح حول استخدام العملة الافتراضية "البيتكوين" في إخفاء تبرعات مالية، وقد كتب أيضاً مدونة مرجعية بارزة بعنوان "بيتكوين والعمل الجهادي الخيري".

لطالما كان تنظيم داعش مهتماً بالعملات المشفَّرة

وفي جنوب شرق آسيا، كان من أوائل مؤيدي استخدام العملات المشفَّرة في تمويل الإرهاب؛ المقاتل الأندونيسي الداعشي، باهرون نعيم، الذي كان قد اتخذ من سوريا مقراً له آنذاك (وهو ميت الآن)؛ حيث أدرج في دليله الإلكتروني المنشور عام 2016، عملة "البيتكوين" باعتبارها واحدة من طرق نقل الأموال لغسل عائدات "البطاقات الائتمانية الخادعة" (معاملات بطاقات الائتمان الاحتيالية)، وفي ذلك الوقت، أفادت وحدة الاستخبارات المالية الأندونيسية (مركز تحليل وتقارير المعاملات المالية الأندونيسية) بأنّ باهرون نعيم قام بتحويل الأموال إلى شركائه باستخدام شركة "بي-بال"، وقد جُنيت الأموال من "البيتكوين"، واستخدمت في نهاية المطاف في تمويل هجوم انتحاري على مقرّ شرطة سولو، وسط جاوة، في تموز (يوليو) 2016

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب لجأت حماس لعملة البيتكوين.

كما أبدت عناصر أندونيسية مرتبطة بالقاعدة اهتماماً بـ "البيتكوين"؛ ففي تشرين الأول (أكتوبر) 2018، جمعت مؤسسة أبو أحمد، وهي منظمة خيرية أندونيسية متطرفة تدعم جماعة المتمردين المرتبطة بتنظيم القاعدة "هيئة تحرير الشام في سوريا" الأموال مستخدمة العملات المشفَّرة، وشجعت المؤسسة الخيرية أنصارها على التبرع باستخدام عملات مشفَّرة مثل: "البيتكوين"، و"مونيرو"، و"داش"، و"فيرغي".

بشكل عام، يعدّ استخدام المتشددين الإسلامويين في جنوب شرق آسيا، للعملات المشفَّرة منخفضاً نسبياً، ويعزى ذلك بشكل جزئي إلى العدد المحدود من المقاتلين المتمرسين بالتكنولوجيا في المنطقة.

 وفي عام 2016؛ قامت خلية أندونيسية مؤيدة لداعش وتتخذ من ماجالنغكا، جاوة الغربية، مقراً لها بدراسة فكرة جمع الأموال من خلال "البيتكوين"، لكنّها لم تحرز تقدماً؛ لأنّ الأمر عُدَّ "معقداً للغاية"، ويأتي الاتصال بالإنترنت بين العوامل الأخرى المثبطة، وهو أساسي لاستخدام العملات المشفَّرة، غير أنّه ما يزال غير موجود في مناطق مثل مينداناو، جنوب الفلبين؛ حيث تمارس العديد من الجماعات الموالية لداعش نشاطها.

ميل المتشدّدين لاستخدام العملات المشفَّرة

نصح باهرون نعيم متابعيه بغسل الأموال من خلال العديد من حسابات العملات المشفَّرة، قبل أن تصل الأموال في النهاية إلى محفظة البيتكوين الخاصة بهذا المتشدد، وقد كان قادراً على تجنّب الكشف عن هويته؛ نظراً لأنّ العملات المشفَّرة تقدم لمستخدميها درجة من عدم الكشف عن الهوية؛ حيث تسجل المعاملات فيما يسمى "البلوكتشين"، وهو نظام دفترة حسابات مشفَّر ولامركزي.

اقرأ أيضاً: البيتكوين.. ثورة تقنية أم فقاعة عابرة؟

وفي حين استخدمت تقنيات تحليل "البلوكتشين" لفكّ تشفير المعاملات وتتبعها، فقد استخدمت أيضاً خدمات زيادة تشفير العملات في إخفاء آثار كلّ من مرسِل المعاملة ومتلقيها. علاوة على ذلك؛ يتعذّر على تحليل "البلوكتشين" تحديد المستخدمين المشاركين في معاملة ما، نظراً إلى أنّ الأفراد الذين يسجلون في محفظة رقمية، يمكنهم استخدام أسماء مستعارة أو تغيير عنوان تشفير المحفظة للإبقاء على سرّية هويتهم.

نتيجة لذلك؛ لم تكن هناك اعتقالات أو ملاحقات قضائية تتعلق بمتشددين إسلامويين في جنوب شرق آسيا تورطوا في تمويل الإرهاب باستخدام العملات المشفَّرة، هذا رغم علم السلطات بأنّ المتشددين يستخدمونها في جمع الأموال أو نقلها.

 ومن جانبها؛ تسمح معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا الرئيسة بالعملات المشفَّرة، بوصفها أصلاً افتراضياً أو منتجاً استثمارياً، لكنها تحظر استخدامها على أنّها عطاء قانوني، ويتيح هذا بعض الضمانات ضدّ الأفراد الذين يحاولون استغلال هذه العملات المشفَّرة في أغراض الإرهاب؛ حيث يجب تحويل العملات المشفَّرة إلى عملات نقدية، الأموال التي يصدرها البنك المركزي للدولة، قبل استخدامها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تقديم الصدقات بالعملة الافتراضية البيتكوين؟

تعدّ الفلبين استثناء؛ حيث سمحت باستخدام العملات الرقمية بوصفها عملات قانونية، وأفادت تقارير بأنّ أقلّ من 2 في المئة من كافة المعاملات المعروفة في الفلبين تجري باستخدام العملات المشفَّرة، لكنّ هذه النسبة لا تتضمن المعاملات التي تتم في الاقتصاد غير الرسمي، إضافة إلى ذلك؛ يمكن بسهولة تحويل العملات المشفَّرة إلى أخرى نقدية من خلال أجهزة الصراف الآلي التابعة لـ "يونيون بنك أوف فلبينز"، وشركات التحويل والإيداع الأخرى المسجلة.

وفي حين ينظّم البنك المركزي الفلبيني تحويل العملات المشفَّرة إلى أموال نقدية؛ فإنّ السلطات قد تجد صعوبة في تحديد الأفراد المشاركين في المعاملة؛ حيث إنّ الـ "فلي سيس"، نظام تحديد الهوية الفلبيني، لم ينفّذ بالكامل حتى كتابة هذه السطور.

هذه العوامل مجتمعة تتيح للإرهابيين مساحة كافية لاستغلال العملات المشفَّرة في أغراض تمويل الإرهاب.

هيئة مراقبة غسل الأموال

في حزيران (يونيو) 2019، حدّدت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، هيئة مراقبة غسل الأموال وتمويل الإرهاب العالمية، مجموعة من المبادئ التوجيهية لتنظيم استخدام العملات المشفَّرة، ومن بين متطلبات أخرى؛ يتعيّن على الدول الأعضاء في فرقة العمل العناية بالعملاء الذين ينخرطون في معاملات بالعملات المشفَّرة، التي تنطوي على مبالغ تزيد عن ألف دولار أمريكي أو ألف يورو، علاوة على ذلك؛ تخضع مثل هذه المعاملات للالتزام بالحصول على معلومات المرسل والمتلقي للأصول الافتراضية، والاحتفاظ بها، ونقلها إلى السلطات.

لحسن الحظّ؛ ما يزال اعتماد العملات المشفَّرة بين الجماعات الإرهابية بجنوب شرق آسيا في مهده؛ حيث إنّ الوصول إلى العالم الرقمي محدود إلى حدّ ما في أندونيسيا والفلبين

ويختلف التزام مختلف دول جنوب شرق آسيا بمكافحة تمويل الإرهاب، فسنغافورة وماليزيا هما الدولتان الوحيدتان، جنوب شرق آسيا، العضوان في فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، في حين تقوم أندونيسيا بدور المراقب.

ويخضع أعضاء فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية لعمليات تقييم متبادلة، تُجرى مرة واحدة على الأقل كلّ ثلاثة أعوام، كشرط لاستمرار العضوية، وفي المقابل؛ يختلف التزام البلدان بتضمين الإرشادات الجديدة لاستخدام العملة المشفَّرة.

ومن جانبها، أصبحت الفلبين على حافة التضمين في القائمة الرمادية لفرقة العمل، بسبب "أوجه القصور الإستراتيجية" في نظام غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وبما أنّ إرشادات فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية ليست ملزمة قانونياً، فإنّ الالتزام بها أو رفضها قد يؤثّر في معنويات المستثمرين الدوليين تجاه الدولة المعنية، ويشير الامتثال لإرشادات الفرقة إلى الالتزام بالشفافية المالية، وهو مقياس مهم تستخدمه وكالات التصنيف الائتماني لتقييم الجدارة الائتمانية للبلد، فيما يتعلق بالالتزامات المالية.

نتيجة لذلك؛ يمكن إدراج البلدان التي تفشل في الامتثال لإرشادات الفرقة في القائمة السوداء، وهو ما يضرّ بتقدمها الاقتصادي، وعلى هذا النحو، وبما أنّ البلدان ليست ملزمة بالامتثال لإرشادات الفرقة، فإنّ الأخيرة لها بعض التأثير في النموّ الاقتصادي لهذه البلدان.

ماذا بعد؟

من المرجَّح أن يواصل المتشددون في المنطقة تجربة العملات المشفَّرة لتمويل أنشطتهم، ويمكنهم، على سبيل المثال، التماس التبرعات أو الدعوة لتقديم عرض أولي للعملات والحصول على مستثمرين جاهلين بالأوضاع للاستثمار في العملات المشفَّرة، أو اختطاف فدية، والمطالبة بعملات مشفَّرة، وهذا تكتيك يستخدمه مجرمون في أماكن أخرى، رغم أنّ متشددي جنوب شرق آسيا لم يستخدموه بعد، علاوة على ذلك؛ يمكن للمتشددين استكشاف استخدام العملات المشفَّرة لشراء الخدمات اللوجستية، خاصة مع قبول المزيد من التجار الدفع بالعملات المشفَّرة عبر الإنترنت، مع الوصول إلى سلاسل التوريد الدولية.

ويتضمن كلّ من المكونَين نقل الأموال بشكل لا يمكن للسلطات تتبعه حتى تصل إلى الحساب المصرفي للمستفيد.

قد يستغرق الأمر عدة أعوام قبل أن تدمج دول جنوب شرق آسيا الإرشادات الجديدة لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية حول العملات المشفَّرة في قوانينها، ورغم ذلك؛ فإنّ المتشددين بارعون في التحايل على مثل هذه القوانين، ولتجنّب الكشف عن هويتهم، يمكن أن يستمروا في تجربة العملات المشفَّرة لتمويل العمليات الإرهابية التي تنطوي على مبالغ صغيرة، وهذا على النقيض من غسل الأموال، الذي غالباً ما ينطوي على مبالغ كبيرة.

على سبيل المثال؛ كان المبلغ الإجمالي الذي أرسله باهرون نعيم لتنفيذ هجوم سولو، عام 2016، والذي أفيد بأنّه نشأ عن "البيتكوين"، أقلّ من ألف دولار أمريكي أو ألف يورو، وهو الحدّ الأدنى اللازم لرصد مزودي خدمة الأصول الافتراضية للمعاملات ومشاركتها مع السلطات الحكومية ذات الصلة، بموجب الإرشادات الجديدة لفرقة العمل.

وبعد ضلوعهم في نقل الأموال من خلال التحويلات والإيداعات المصرفية، يميل متشددو جنوب شرق آسيا إلى إجراء تحويلات متعددة بكميات صغيرة لتجنّب الكشف عن هويتهم، وعلاوة على ذلك؛ ما يزال بإمكان المتشددين اختيار خدمة أصول افتراضية غير مسجلة عند نقل أصول مشفرة، خاصة في البلدان غير المنضمة إلى فرقة العمل؛ حيث تكون العملات المشفَّرة غير منظمة قانونياً.

تعدّ إرشادات فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، الصادرة في حزيران (يونيو) 2019، علامة فارقة في تنظيم العملات المشفَّرة التي تتداول في الاقتصاد الرسمي، ومع ذلك، يمكن أيضاً صرف القيمة المخزنة للعملات المشفَّرة في الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما لا يمكن تتبعه، أو تنظيمه، حتى الآن.

لحسن الحظّ؛ ما يزال اعتماد العملات المشفَّرة بين الجماعات الإرهابية بجنوب شرق آسيا في مهده؛ حيث إنّ الوصول إلى العالم الرقمي محدود إلى حدّ ما في المناطق الريفية، في أندونيسيا والفلبين، ومع ذلك؛ فإنّ هذه مساحة يجب على المعنيين بالتنظيم النقدي مواصلة مراقبتها، بالنظر إلى قدرة المتشددين على التكيف مع ما هو جديد.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

ف. آريانتي وكينيث يو ياورين، "ذي دبلومات"

الصفحة الرئيسية