العلّامة الشيخ محمد العاملي لـ "حفريات": إيران شوّهت الدين وخرّبت السياسة

العلّامة الشيخ محمد العاملي لـ "حفريات": إيران شوّهت الدين وخرّبت السياسة

مشاهدة

08/01/2020

أجرى الحوار: كريم شفيق


يرى العلّامة الشيعي اللبناني، محمد علي الحاج العاملي؛ أنّ إيران شوهت الدين وأفسدت السياسة، لافتاً إلى أنّ الوضع السياسي اللبناني في مرحلة تغيير حقيقية، تستهدف الطبقة السياسية الحاكمة، التي قامت سلطتها بناء على اتفاق "الطائف"، في المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وما ترتب عليهما من قيام نظام حكم طائفي، ينهل من المحاصصة الطائفية.

الاحتجاجات ساهمت في فضح مفاسد السلطة، في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة

ويوضح العاملي، في حواره مع "حفريات"؛ أنّ الاحتجاجات التي شهدتها بيروت وبغداد، تسعى نحو تقويض مفهوم تطييف السياسة، وإلغاء نفوذ طهران الأيديولوجي والأمني والعسكري في المنطقة، واستعادة حقوق المواطنين المنهوبة، تحت وطأة الصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب الذي يهدر الأموال على الحروب وصناعة الميليشيات.
ويطالب االشيخ الشيعي اللبناني الدولة في لبنان بإلغاء المحاكم الجعفرية، وإعادة النظر في منظومة القيم القانونية والفقهية السائدة، التي تحتاج إلى التحديث والتطوير، إضافة إلى استعادة الدولة لسيادتها المتآكلة، بغية تطوير وبلورة مفهوم دولة القانون، وردم الهوة بينها وبين المواطنين، على أساس قيم المواطنية والمدنية؛ حيث لا تدع ثمة فرصة إلى الأحزاب الطائفية، كحركة أمل وحزب الله، لتمارس التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وتعمل على احتكاره.

وهنا نصّ الحوار:

ثمّة مقاربات عديدة تجري حول الاحتجاجات في بيروت وبغداد وارتباطها بالتوغل الإيراني عبر وكلائها المحليين في كلا البلدين، الأمر الذي ترتّبت عليه جملة من الأوضاع المتردية سياسياً واجتماعياً وأمنياً؛ كيف تفسّر لنا هذا الحال لو اتفقت معه؟
لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام؛ حيث إنّ تجربة الإسلاميين الشيعة في لبنان والعراق لا تتشابه تحدياتها الراهنة فحسب، بل إنّها تجربة تزامنت فترة نشوئها في كلا البلدين، كما يمكننا إضافة الجانب الإيراني لهما أيضاً؛ حيث الارتباط الوثيق بين هذه المحاور الثلاثة، وهذا أمر غير خافٍ على أحد، وبنظرة فطرية بريئة، نرى أنّ الاحتجاجات هي أضعف الإيمان، وليس من داعٍ للتدليل على أحقية مطالب الناس المعترضة، بعدما تخطّت السياسة الإيرانية كلّ الخطوط الحمر، بتجاوزاتها في تعاطيها بالشؤون الداخلية اللبنانية والعراقية، بل والسورية أيضاً.

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة الدينية في إيران.. هل يحتضر نظام الملالي فعلاً؟
وعلى كلّ حال، هناك قاسم مشترك في سلسلة الاحتجاجات التي تريد كسر الهيمنة الإيرانية، وسطوتها على القرار السياسي في بعض العواصم العربية، مثلما هو الحال في سوريا ولبنان واليمن؛ حيث رفض إهدار الأموال في الحروب الخارجية، والصراعات الإقليمية، ووقف اقتصاد الحرب لتدشين الميليشيات، وصناعة الأزمات الطائفية، بينما تعيش الشعوب والمجتمعات، في طهران كما في غيرها، تحت وطأة خطاب سياسي وأيديولوجي زائف، وتعاني من البطالة والحرمان من الخدمات الاجتماعية والصحية، مما أفقد خطابها الإقليمي والمحلي مصداقيته وشرعيته.

 

 

في ضوء ذلك، هل ترى فعلاً أنّ نظام الولي الفقيه استطاع في بيروت وبغداد مثلاً ابتلاع الطائفة الشيعية، وتقديم نفسه باعتباره الممثل لهم سياسياً، وتعبئتهم في خطابه الأيديولوجي والاستحواذ عليهم من خلال تطييف السياسية وتوظيف الرأسمال الرمزي للدين؟

نجحت إيران بالتغلغل إلى عمق المجتمعات الشيعية في العديد من الدول، رغم عدم تمكنها من إحكام السيطرة على كامل مفاصل المجتمع الشيعي، وأبرز ما تجلت قوتها فيه هو الفصيل العسكري في لبنان، وهذا الشأن لا يمكننا اعتباره إيجابياً بالكامل، بل هو سيف ذو حدين، بأحد وجوهه مصدر قوة لإيران، لكنّه بالعمق يمثّل وبالاً عليها وعلى أتباعها.

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين

كما يعاني اللبنانيون، رغم توقيع الفرقاء على اتفاق الطائف عام 1989، والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أزمة داخلية سببها الصراع على السلطة، والمكاسب السياسية والمغانم المادية، من أزمة محتدمة ومتفاقمة في ظلّ تطييف السياسة، ومسألة المحاصصة الطائفية التي حوّلت السياسة لعملية إقطاعية، تقتات من المذهبية، وكون الشيعة جزءاً من الكيان اللبناني فإنّ معاناتهم مزدوجة، في ظلّ سيطرة هذا الواقع وتلك الحالة.
ويمكن القول، من جهة ثانية؛ إنّه كان يمكن لإيران أن تقتصر على علاقات سياسية واجتماعية وثقافية مع البعض، ولكان ذلك مصدر قوة حقيقي، لكن أهدافها التوسعية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لبلداننا، مع إنشائها لمجموعات وفصائل عسكرية وأمنية، انعكس سلباً علينا، كما أنّه حدّ من وطنية وقيمة المجموعات المرتبطة بها.

اقرأ أيضاً: الحوثيون وطهران: كيف أصبح اليمن مجالاً لحركة النشاط الثوري الإيراني؟

واللافت أنّ محاولات عدة سعت لتدشين أكثر من حراك، بهدف التغيير، وهي محاولات إصلاح داخل البيت الشيعي، خاصة في الفترة التي تلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، إلا أنّ الفريق الشيعي اللبناني ظلّ بعيداً ومتخلفاً عن بقية الأطراف اللبنانية، في ثورتها ضدّ الوجود السوري في لبنان؛ حيث قامت شخصيات شيعية متنوعة، تتفق على أمر واحد، وهو مناهضة توجه الثنائي الشيعي، المتحالف مع النظام السوري وإيران، حركة أمل وحزب الله، بمحاولة الإصلاح والتغيير؛ حيث قاد هذه المحاولة "اللقاء الشيعي اللبناني"، الذي تشكل بعد اغتيال الرئيس الحريري، عام 2005، وأطلق وثيقة تأسيسية بالكلية العاملية، في بيروت، برعاية العلّامة السيد محمد حسن الأمين، وحضور حشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية، والعاملين في الشأن العام.
الاحتجاجات في لبنان وتحديداً في الجنوب والنبطية والضاحية وهي مناطق تمركز حزب الله وحاضنته الاجتماعية؛ هل تبرز في رأيك تآكل لقاعدته الشعبية وفقدانه الشرعية؟

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان: من يقتل الشيعة؟
واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، وأنّ الوعي في تزايد، فالانحدار في طور مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام، وفيما يخصّ حالات الاحتجاجات في المناطق الشيعية، سواء في الجنوب اللبناني أو في البقاع، فإنّها لا تعبّر عن كلّ الواقع ومجرياته؛ إذ تمّ قمعها في بعض الأماكن، والسيطرة عليها ولجمها في أماكن أخرى.


ومن الضروري أن ننتبه إلى أنّ القوة الظاهرية للشيعة في لبنان، تعود حصراً بسبب الهيمنة السياسية لحزب الله، وقوة السلاح الذي بحوزته، لكن ثمة ضعف يتغلغل في العمق الشيعي عبر العجز الذي تعاني منه مؤسساته الدينية والثقافية والاجتماعية، فضلاً عن التراجع الذي يتحكم في نشاطها؛ فقوة الثنائي الشيعي في لبنان وأدوارهما السياسية والميدانية أضعفت عن عمد باقي المؤسسات، وألغت فعاليتها وأدوارها، حيث يبقى طرف واحد فقط هو المعبر عن الشيعة سياسياً واجتماعياً.
لكن هناك بعض الأنشطة التي نسعى لأن نتيحها في ظلّ هذا المناخ الصعب والمعقّد للعب دور إصلاحي، وبهدف تغيير الواقع القسري، منذ حوالي أربعة عقود، وفي الفترة بين اختطاف السيد موسى الصدر، وانتصار الثورة في إيران.

ماذا عن وضع اتفاق الطائف في ظلّ تعالي الأصوات المنددة بالمحاصصة الطائفية والإقطاع السياسي وفساد النخبة الحاكمة والرغبة في قوانين مدنية للفكاك من سيطرة الطائفة وقوانينها؟
الطائف ليس مقدساً، والنظام السياسي الطائفي الراهن من أسوأ ما يكون، والمفترض البحث جدياً عن نظام مدني بالكامل، بما فيه اعتماد نظام موحّد مدني إلزامي للأحوال الشخصية، وفكّ ارتباط السلطة اللبنانية بكلّ المؤسسات الدينية اللبنانية، حيث إنّ الثنائي الشيعي نجح في تشويه صورة رجالات الشيعة القدامى، سواء كانوا من رجال الدين أو السياسيين، لكنّ الصورة التي رسمها هذا الثنائي لأسلافهم من قادة الطائفة، قد تغيّرت وتبدّلت إلى النقيض مع تجربتهم في الحكم، خلال المرحلة الماضية.

اقرأ أيضاً: لبنان واجتثاث الطائفية
وتنبغي الإشارة إلى أنّ القوى المدنية والشعبية في المجتمع اللبناني، باتت تدرك في ظلّ الحراك الراهن، أنّ قيم المواطنية والمدنية هي وحدها السبيل لعزل الطبقة السياسية الحاكمة، وإلغاء مصادر شرعيتها؛ حيث أطالب الدولة اللبنانية في كلّ مساهماتي الفكرية ومشاريعي الإصلاحي بتعقّب مناطق الخلل، والقيام بواجباتها المنسية، والتي تعاني تحت وطأتها من الانفلات وعدم الانضباط، كوضع حدّ للاحتراب الأهلي والصراع الطائفي، التي تتوافر كلّ شروطه، إضافة إلى منع الخطاب التحريضي الذي ينتشر في أكثر من طائفة، وفي أكثر من منطقة، فما المانع من أن تضع الدولة حدّاً لرجال الدين الذين يثيرون العصبيات والفتن؟
كما ينبغي على الدولة منع انتشار السلاح، على مستوى كلّ الوطن دون استثناءات؛ حيث تنتشر في لبنان الأسلحة على أنواعها وبكلّ المناطق.

سبق وتحدثت عن الفساد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ ما هي أبرز مصادر وأشكال الفساد ومن المسؤول عن حمايتها من المساءلة والنقد والحساب؟

في الأساس؛ وجود هذا المجلس هو خطأ، وليس من حاجة إليه، ولا يؤدي أيّ دور إيجابي، بل تنحصر وظيفته، هو وغيره من المؤسسات الملية في ترسيخ النظام الطائفي.
ويمكن الكشف عن فساده على أكثر من مستوى، منها تعطيل الانتخابات العامة، منذ أكثر من أربعين عاماً؛ حيث أعاد رئيس المجلس تعيين نفسه بنفسه وهو فوق السنّ القانونية، ومن ثم تعيين ابنه خلفاً له، وهي ممارسات لا تخضع للقوانين التي تحكم عمل مؤسسات المجلس، بشكل عام، والإفتاء الجعفري والقضاء الجعفري، بشكل خاص، وقد رصدت لهما الدولة مبالغ من ضرائب المكلف اللبناني، بلغت عام 2018 أكثر من 29 مليار ونصف مليار ليرة لبنانية، مما يجعلها خاضعة للمساءلة والمحاسبة من قبل أيّ مواطن لبناني.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يعرفون من أوصلهم للتسول
كما أنّ عمل تلك المؤسسات يبدو منحازاً لجهات شيعية ضدّ أخرى، وتعمد إلى التفريط بأوقاف وممتلكات الطائفة وغيرها، وبينما نصت المادة 174 من قانون الملكية العقارية على أنّه "لا يجوز بيع العقار الموقوف ولا يجوز التنازل عنه لا مجاناً ولا ببدل، ولا انتقاله بطريق الإرث، ولا يجوز رهنه، أو إجراء تأمين عليه"، إلا أنّه قد حصل بيع للعديد من المساجد والأوقاف.
وسبق أن طالبت مؤسسات الدولة الرقابية والنيابة العامة المالية التحرك لمحاسبة المتسببين بإهدار المال العام، كما وجّهت بضرورة استثمار أموال الأوقاف في مواردها، والاهتمام بشؤون الفقراء والمساكين، فضلاً عن إلغاء الوظائف التي لا طائل منها، حفاظاً على المال العام، مثل وظيفة "مدرسي الفتوى" التي يشغلها عشرات الأشخاص دون أن تكون لها أيّة صلاحية أو منفعة.

 

 

هل يمكن القول إنّ الكتلة الشيعية متجانسة وتتعاطى كلّها مع وجهة النظر السياسية التي تؤيد المواقف لحزب الله وإيران ونظام الجمهورية الإسلامية؟
المجتمع الشيعي اللبناني غني جداً، وفيه كثير من الكفاءات والطاقات، وقد يبدو للوهلة الأولى أنّه من لون واحد، لكن بنظرة فاحصة دقيقة يظهر العكس، ويتضح أنّ عوامل القوة التي يحظى بها البعض تجعل الأمور تبدو وكأن السيطرة تامة على الشيعة بلبنان، وهنا لا ينبغي تجاهل الدور السلبي للطوائف غير الشيعية، التي تساهم بشكل وازن وكبير ومباشر، عن قصد أو بدونه، في بلورة الأحادية لدى الشيعة، بل يمكننا القول إنّهم يساهمون في توجيه الشيعة لتوثيق الارتباط بإيران.
قبل الجمهورية الإسلامية كانت تتعدّد المرجعيات الدينية الشيعية في الفقه والسياسة، وذلك قبل أن يؤبّد الخميني مرجعية الولي الفقيه فجرى تأميم باقي الآراء الحوزوية لحساب السياسة وتعرض المخالفون للاعتقال أو القمع إلى أيّ حدّ أصاب العمى السياسي والأيديولوجي واقع الشيعة على مستوى الفكر والممارسة؟
قبل انتصار الثورة في إيران واتجاهها لتأسيس كيان ديني سياسي، كانت حوزة جبل عامل، بالحدّ الأدنى، تتمتع بجملة مواصفات علمية وفكرية مميزة، منها الانفتاح وإعمال العقل، والتنوع، والمستوى العلمي الرفيع، وكلّ هذه الأمور تلاشت مع نشر الثقافة الإيرانية. والانحراف الكبير كان بزجّ الدين في السياسة، الأمر الذي شوّه الدين وخرّب السياسة، ثم كانت الأحادية في الزعامة الدينية، وفي هذا الإطار شهدنا سياسة قمع واضطهاد لعدد من كبار العلماء والمراجع في إيران.
ويبقى المطلوب هو السعي نحو الفصل التام بين السياسة والدين، وتالياً ينتفي الكلام حول ولاية الفقيه من أساسه، فإنّه ليس من المطلوب أن يكون للفقيه أيّ دور سياسي إطلاقاً، بوصفه فقيهاً، أما كمواطن فله الحقّ التام بممارسة دوره المواطني.

 

 

 

هناك حركة حقوقية نسوية في لبنان ضدّ أحكام المجالس الشيعية والمحكمة الجعفرية والتي تتصل بوضع المرأة وحضانتها لأطفالها؛ ما هو، في رأيك، السبيل كي تسترد المرأة حقّها المسلوب ومدى ضرورة تعديل هذه الأحكام التي تبدو مجحفة؟
سبق أن طالبت بإلغاء المحكمة الجعفرية، فالمشكلة تكمن بكون المحكمة الجعفرية في لبنان لم تطور نفسها إطلاقاً، هذا في الوقت الذي يتحدث فيه الشيعة عن كون مذهبهم مذهباً يفتح باب الاجتهاد، وفي الواقع ثمة جمود عقائدي يتمثل في الالتزام بحرفية النصوص، دون أيّة محاولة للتجديد في فهم هذه النصوص بما ينسجم مع روحية العصر.

اقرأ أيضاً: "حزب الله" يتلاعب بديمقراطية لبنان
كما أنّ تأسيس المحاكم الجعفرية في لبنان له خصوصية تاريخية؛ حيث جاءت منسجمة مع طبيعة النظام اللبناني الذي سمح لكلّ طائفة بأن تكون لها قوانينها وأحكامها "الطائفية"، وتنظيم أحوالها الشخصية بحسب المذهب، فلم يكن تأسيس المحكمة الجعفرية بطلب من علماء الشيعة.
والأصل في الأمور؛ أنّ علماء الشيعة كانوا يرفضون دوماً تولي منصب القضاء الشرعي، ومن المعروف أنّ رئاسة محكمة التمييز الجعفرية، قد عرضت على الشيخ حسين مغنية، في العشرينيات من القرن الماضي، لكنّه رفضها، ولذا لا نلاحظ أيّ اهتمام بالقضاء، بشكل كبير، من جانب علماء ومراجع الشيعة.

اقرأ أيضاً: الثورة اللبنانية والتنانين الأربعة
وفي كلّ الأحوال؛ نحن بصدد جهاز قضائي لم يتم تطوير أجهزته وقوانينه، فضلاً عن القيم التي يحكم بها؛ إذ تنبغي إعادة النظر بالمنظومة التي يحتكم إليها في المجمل، رغم أنّ تنظيم القضاء الشرعي، صدر منذ أكثر من نصف قرن، وتحديداً في العام 1962، إلا أنّ الشيعة لم يشعروا قبلها بأيّ خلل أو ضعف.

واضح أنّ البيئة العامة التي كان يعتمد عليها الحزب قد تغير مزاجها، فالانحدار مستمر منذ أكثر من عشرة أعوام

وأخيراً، يمكن القول إنّ تأسيس محكمة شرعية ضمن المجلس الشيعي هو أمر في غير مكانه، وهناك حالات تفلت عديدة في الإطار نفسه؛ حيث صار لدينا مكتب شرعي في مؤسسة السيد فضل الله، ومكتب شرعي للشيخ النابلسي في صيدا، وهذا أمر يعكس فوضى وانفلاتاً شديدين.
وفي تقديري؛ يجب تطوير أنظمة محاكمنا الشرعية، كما يجب إغلاق المحاكم الخاصة، والإبقاء على محكمة الدولة الرسمية، خاصة بعد أن تراكمت حالات تعسف وظلم كبيرين تعرضت لهما المرأة، فيما يتعلق بحقوقها بعد الطلاق، وحرمانها القسري من رؤية الأطفال، وفي ظلّ غياب الثقافة الشرعية ليست هناك ضمانات للمرأة لحفظ حقوقها، كمثل أن تكون وكيلة نفسها في أثناء عملية الطلاق، على سبيل المثال.

هل تقبل بقانون مدني للأحوال الشخصية بدلاً من المحاكم الشرعية وقوانينها باعتبارها ضمن الميراث السياسي لحكم الطائفة وهيمنتها المذهبية على أفراده؟

أنا لا أقبل بالنظام المدني فحسب؛ بل كنت من دعاة قيام هذا النظام، على أن يكون إلزامياً وموحداً لكل اللبنانيين، كما أشرت سابقاً، بل أكثر من ذلك؛ فقد أكون العالم الديني المسلم الوحيد في لبنان الذي طالب بالنظام المدني الإلزامي، وقد بتّ ألحظ وجود صدى في الوسط الديني الإسلامي، آخذاً بالنمو شيئاً فشيئاً، ولو أنّه ما يزال في طوره البدائي؛ حيث إنّ شؤون الأحوال الشخصية هي من التنظيمات الاجتماعية التي لنا أن نجتهد في تعديلها وتطويرها بما يتلاءم مع مصلحة البشر، ونظامنا الراهن، الذي يطلق عليه أنّه نظام ديني، بينما هو في حقيقته أبعد ما يكون عن فهم روحية الدين، نتيجة تعقيداته.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. هل يوثر في تشكيل الحكومة اللبنانية؟
في حين أننا نرى أنّ النظام المدني أكثر انسجاماً مع روحية الفكر الإسلامي؛ لذا فإننا لا نترك مناسبة إلا وندعو فيها لإلغاء هذه المحاكم من أساسها.
كما لا يخفى على أحد أنّ الذهنية السائدة في مجتمعاتنا هي ذهنية ذكورية بامتياز، وتأثيرات هذه الذهنية لا يسلم منها بعض رجال الدين، إذا لم يكونوا أكثر ذكورية أحياناً من سواهم! وهذا ما يؤدي لهذه الحساسية الراهنة لدى الجمعيات النسوية، مثلاً، التي في رأينا تقوم بدور جليل، ولا شكّ في أنهنّ سيصلن إلى مبتغاهن، وفي تقديري، سنشهد حركة إصلاحية جراء الانتفاضة الشعبية الحالية بلبنان.

بين 7 أيار عام 2008 و2019، في الأولى احتلّ حزب الله بيروت واقتحم مقرات حزب المستقبل وغطى تمثال رفيق الحريري بأعلام الحزب، ثم محاولاته الأخيرة لبعث تلك المشاهد من خلال الاعتداءات المتكررة والمنفلتة على المتظاهرين لإرهاب المتظاهرين؛ ما هو الثابت والمتحول في المشهدَين، مع الوضع في الاعتبارين السياقَين التاريخي والإقليمي في اللحظتين؟

هذه مساوئ متوقعة من الأحزاب العسكرية التي تحاول العمل السياسي في المجتمعات الديمقراطية؛ فتنطلق من قوتها العسكرية لتفرض نفسها سياسياً، وهذا ما حصل بالفعل، والفارق بين المشهدَين أنّه في السابق كان يمكن إعادة ترتيب الأمور، فقد كان وضع الطبقة الحاكمة مقبولاً إلى حدّ ما، أما اليوم فالانهيار يصيبها بالصميم، وهي آيلة للسقوط، والشعب لم يعد يتحمل الفساد والابتزال السياسي، وفي هذا الجوّ المشحون بالعداء والسلبية، جاء الاعتداء على المتظاهرين السلميين، الذين ينتفضون بشكل حضاري.

اقرأ أيضاً: العراق هدف أمريكا وإيران
وإذا كان ٧ أيار موجهاً ضدّ فريق سياسي واحد؛ فإن مواجهة المتظاهرين اليوم تشكل تحدياً للشعب اللبناني بأكمله، ولن يلتئم هذا الجرح الوطني في المدى المنظور.
ناهيك عن تبدل المعطيات الخارجية، التي لم تعد لصالحهم إطلاقاً، انطلاقاً من وضع إيران الذي لا تحسد عليه، مروراً بأزمة سوريا التي ترخي بظلالها على هذا المحور، وليس انتهاء بتفاقم الأزمات المحلية اللبنانية؛ وكلّ هذا مرشح ليترجم على أرض الواقع في القريب العاجل.
برأيك؛ ما سيناريوهات الاحتجاجات ومآلاتها في بغداد وبيروت في ظلّ الأوضاع الإقليمية المعقدة؟ وهل سيتقلص نفوذ طهران أم ستراجع ذاتها؟
من الصعوبة بمكان تحديد إجابة، فما تزال الأحداث بالشارع تجعلنا نتفاجأ بمآلات ونتائج جمة، لكن من الواضح أنّ مشهد العنف سيتفاقم، والأطراف جميعها لا تتراجع عن مواقعها، وبمعزل عن تقييم التظاهرات، وعن الحديث عن إمكانية نجاحها، لكنها حققت الكثير من الأهداف، وساهمت في فضح مفاسد السلطة، سواء في العراق أو في لبنان، وهذا ما سيؤدي لتغيير على مستوى الطبقة الحاكمة.

الصفحة الرئيسية