
في العيادة الافتراضية التي لا تغلق أبوابها أبداً، يجلس طبيب أمام الكاميرا كما لو كان يجلس أمام مريض، لكنه في الحقيقة يخاطب الملايين، فلا سماعة طبية بين يديه، بل هاتف ذكي، لا سرير فحص، بل إضاءة مدروسة وخلفية أنيقة، ولا وصفة طبية موقعة، بل عبارة قصيرة، حاسمة، مثيرة، تلخص جسد الإنسان المعقد في جملة واحدة قابلة للمشاركة.
هذا الطبيب لا يعالج مريضاً بعينه، إنه يخاطب جمهوراً، وجمهوره هذا ليس حالاً سريرية، بل سوق، سوق يبيع فيها الخوف كما يبيع الأمل، ويوظف فيها النص الديني كما يوظف المصطلح العلمي، ويحول فيها المرض من معاناة إنسانية إلى محتوى قابل للاستهلاك السريع.
لعقود طويلة، كانت السلطة الطبية تبنى في أروقة الجامعات والمستشفيات، عبر أعوام من التدريب والتخصص والمراجعة العلمية الصارمة، أما اليوم فتبنى هذه السلطة أحياناً داخل أستوديو تسجيل، بـ 30 ثانية من الفيديو، وخوارزمية لا تفرق بين الحقيقة والادعاء، بل تكافئ من يشاهد أكثر بغض النظر، عما يُصدق أقل.
هكذا ولد نموذج "الطبيب الشعبوي"، ذلك الكائن الهجين بين الطبابة والنجومية، بين المعرفة والتسويق، بين رسالة الشفاء وصناعة الربح، يرتدي المعطف الأبيض كزي درامي أكثر منه رمزاً لمسؤولية مهنية، ويستدعي القرآن والحديث النبوي لا لفهم أعمق للجسد، بل لشرعنة وصفة تجارية.
يستثمر في قلق الناس من التنحيف، وفي هوسهم بالشباب الدائم، وفي خوفهم من السموم الغامضة التي تسكن أجسادهم بحسب ادعاءاته، ليبيع لهم الحل في عبوة، أو دورة تدريبية، أو تطبيق هاتفي، أو عيادة تجميل باهظة.
تناقش "اندبندنت عربية" هذه الظاهرة في عدد من الدول العربية عبر هذا التحقيق المشترك، وتسأل من هو هذا الطبيب؟ كيف صنع شهرته؟ أي المواضيع يستثمر فيها أكثر؟ وهل ثمة رقابة تحاسبه؟
لكن السؤال الأعمق الذي نحاول الإجابة عنه ليس فقط "من هو الطبيب الشعبوي"؟ بل "لماذا صدّقه الناس؟"، فالظاهرة لا تفهم من طرف واحد، إنها نتاج تراجع الثقة بالمؤسسات الصحية الرسمية، وتراكم خيبات المرضى مع نظام طبي مرهق ومكلف وبطيء، في مقابل وعد سريع ودافئ، وقريب من اللغة اليومية للناس، حتى لو كان هذا الوعد كاذباً.
الطب الرعواني في تونس: إقبال متزايد على رغم المنع
يعرف الطب الشعبوي في تونس بالطب "الرعواني"، أو "الدواء العربي"، أي الطب الذي لا يخضع إلى منطق علمي صحيح، وكبقية المجتمعات العربية، يشكل الطب الشعبوي إرثاً ثقافياً وتاريخياً، وينتشر خاصة في المناطق الريفية، والأحياء الشعبوية في المدن، وأسهم تطور الوسائل التكنولوجية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، في التعريف بالفاعلين في هذا المجال.
ويخلط هذا النوع من الطب بين الأعشاب والعسل وزيت الزيتون، وقراءة القرآن والأحاديث النبوية، والأغاني الصوفية، والقيام ببعض الصلوات أثناء أو قبل عملية التداوي، ويعتمد بعض ممتهني هذا الطب السحر والشعوذة، ويستهدف "الطب الرعواني" الأشخاص الذين استنفذوا كل الحلول الطبية العلمية، فيلجأون في آخر المطاف إلى هذا الصنف من العلاج أملا في إنقاذ حياتهم.
الأعشاب والردم
ينقسم الطب الشعبوي في تونس إلى أقسام عدة، منها التداوي بالأعشاب مثل استخدام النعناع لعسر الهضم والحلبة لعلاج الحمى، أو استخدام الحجامة، وهي تقنية طبية قديمة، تقوم على تخليص الجسم من الدم الفاسد المتراكم لمعالجة حالات الإرهاق وآلام الظهر،
وعلى رغم انتشار محال العلاج بالحجامة في مختلف جهات الجمهورية، فإن وزارة الصحة لا توفر تكويناً أكاديمياً ولا تعترف بهذا الاختصاص،
وكذلك تنتشر في الجنوب التونسي ظاهرة الردم أو الدفن في الرمال لعلاج أمراض البرد وآلام المفاصل، وهو موروث شعبوي يحافظ عليه أهالي الجنوب إلى اليوم ويعملون على تسويقه كمنتج سياحي طبي شعبوي، وكذلك توجد علاجات روحية ذات طابع ديني على غرار الرقية الشرعية لطرد الأرواح الشريرة أو فك السحر، أو تنظيم حفلات صوفية مثل "الحضرة" في مقامات الأولياء والزوايا.
زيت القضوم لعلاج الربو
يبقى التداوي بالأعشاب موضوع جدل في تونس، بين شق يمثله متخصصون في التداوي بالأعشاب، وهو تكوين علمي في اختصاص التغذية والتنحيف وبين الطب الرعواني الشعبوي الذي يمثله من يمتهن تحضير العقاقير والمستخلصات من النباتات، ويقدمها كعلاج لعدد من الامراض، والحاج محمد واحد من هؤلاء الذين امتهنوا إعداد المستحضرات وبيع الحشائش في سوق البلاط بالعاصمة، المتخصص في بيع الأعشاب الطبيعية وإعداد العقاقير المستخلصة من النباتات الطبية، ويقول "إن كل نبتة طبيعية لها فوائد على غرار نبتة 'التْڤفِتْ' التي تستخدم لاستخراج للسموم، أو نبتة الهندباء أو السيكوريا البرية التي تعالج أمراض الكبد، و'الذرْوْ' الذي يستخرج منه زيت القضوم لعلاج الربو وأمراض المعدة".
ويرى الحاج محمد أن "الأعشاب لا تضر لأنها طبيعية، داعياً إلى احترام المقادير عند العلاج، ويشير إلى أنه يقوم بتحضير عقاقير عدة لعلاج الصدفية والصفرة والبواسير، وهي أدوية ناجعة"، لافتاً إلى أن "غالبية التونسيين يطلبون علاجاً للإنجاب والضعف الجنسي".
مآثر وإنجازات
بين الوهم والحقيقة، تُروى عن الطب الرعواني في تونس سرديات غريبة ومآثر عدة، إذ يذكر بعضهم ممن تقطعت بهم سبل الشفاء، أن المعالج الروحاني نجح في إنقاذ حياتهم، وجلال واحد من الذين عالجوا لدى متخصص روحاني لستة أشهر، وبعد جلسات وعقاقير طبيعية عدة مخلوطة بالعسل الطبيعي الأصلي، يدعي أنه شفي تماماً من حالات الأرق والتأزم النفسي، بعد أن واجه أزمة مالية خانقة أدت إلى إفلاس مؤسسته.
يقول "عالجت في مركز طبي خاص، ومن ثم توجهت إلى مستشفى الأعصاب بالعاصمة، حيث أقمت لمدة أسبوعين من دون جدوى، وجدت ضالتي في طبيب روحاني نجح في تخليصي من أزمتي وها أنا اليوم أستعيد عافيتي بشكل تدريجي"، وحال جلال تشبه عديد الحالات من التونسيين الذين يرتادون الروحانيين ومحلات الطب الشعبوي بعد أن سئموا تناول الأدوية والإقامة في المستشفيات.
أزمة تواصل مع المريض
يرى الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية الأمين البوعزيزي أن "الطب الرعواني" يعتمد بصورة كلية على التواصل، وممتهن هذا المجال يحذق جداً فن التواصل الإجتماعي، وله قدرة كبيرة على كسب ثقة المريض"،
مضيفاً أن "منسوب الإقبال على هذا النوع من العلاج يكشف أزمة الطب الحديث، الذي بات يتعامل مع المريض بجفاء، بينما يحتاج المريض إلى تواصل إنساني، نظراً إلى حجم الضغوط والآلام النفسية التي يعانيها".
ويتابع المتخصص في الأنثروبولوجيا أنه وعلى رغم تطوره "لم ينجح العلم في توفير نوع من الطمأنينة والأمان النفسي للإنسان، لذلك يذهب الناس للبحث عن الأمان عند الروحانيين والمشعوذين"، ليخلص البوعزيزي أن "وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لممتهني الطب الرعواني هامشاً كبيراً للتواصل والتفاعل مع من يرتادهم، وفتحت لهم نافذة على العالم الخارجي"،
ممارسة غير قانونية للطب
في المقابل، تؤكد "العمادة الوطنية للأطباء" في تونس أن "ممارسة مهنة الطب تخضع للقانون، ولا يحق لأي إنسان أن يمارس مهنة الطب في تونس، إلا إذا كان طبيباً حاصلاً على شهادة الدكتوراه من إحدى كليات الطب، وأن يكون بالضرورة مسجلاً في العمادة الوطنية للأطباء، مما يسمح له بممارسة مهنة الطب في البلاد".
وأكدت الدكتورة مها بن معلم حشيشة، عن عمادة الأطباء في تصريح خاص أن "أي شخص تخول له نفسه أن يشخص أمراضاً، أو يصف أدوية، أو مكملات غذائية، ويوهم المريض بأنه يشخص مرضه وسيعالجه، فإنه يقع تحت ما يسمى الممارسة غير القانونية للطب"،
وتذكر حشيشة أن "الأدوية التي يصفها الأطباء هي نتيجة أعوام من الدراسة والتجارب والتقييم، قبل استخدامه بطريقة آمنة وصحية".
طب شعبوي سوري قوامه مؤثرون على مواقع التواصل
اليوم وفي كثير من الأحوال، باتت تبنى شهرة الطبيب على أسلوب شعبوي يعتمد على الشهرة والمتابعين، حتى لو لم يكن من بين الأمهر، وقد هاجر خيرة أخصائيي سوريا نتيجة الحرب، ومن بقي فقد كبر عمراً، فصارت الساحة ملكاً لأولئك الأصغر عمراً، والذين تشرح الظروف أنهم ينجحون بالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من تخصصاتهم عينها.
وكثير من الأطباء يعدون بعلاجات سريعة وفورية مهما كانت القضية الصحية معقدة، وهو ما وضع بعضهم في مشكلات، وكان ذلك أولى نتائج التراجع الفادح في مراقبة المحتوى الرقمي من قبل وزارة الصحة، ويقول الطبيب حسن شحود إن "معظم زملائنا تحولوا إلى صانعي محتوى وليس أطباء بالمعنى التقليدي، وهذا لا يفقد بعضهم قدراته، لكنه يجعلهم بحد ذاتهم مادة استهلاكية ترويجية، تقوم على مخاطبة الجمهور بما يريده لا بالأدلة العلمية".
صناعة الشهرة
خلال الأعوام القليلة الماضية حصلت في سوريا ثورة ارتبطت بصعود مئات صانعات المحتوى، وصار اعتماد العيادات والمراكز الصحية والمستشفيات قائماً عليهن بنسبة لا يمكن المرور فوقها، وغاب بالضرورة الاعتماد على السجل المهني، فصارت منصات التواصل الاجتماعي هي المعيار، و"المشكلة ليست فقط في صانعات المحتوى غير الخبيرات، بل في أن الأطباء أنفسهم أصبحوا صانعي محتوى أيضاً"، وتقول الطبيبة نوارة شريف إن "الأمر أصبح تجارة ولم يعد طباً، فجولة بسيطة على 'انستغرام' مثلاً ستصاب بالصدمة من كمية المحتوى الطبي الزائف، وهذا الكلام في العرف الشعبوي يصنع شعبوية كبرى للطبيب، لكنه يسقطه سريعاً في امتحان دقة المعلومة الطبية، لكن ولأنه طبيب سيمتلك عشرات المبررات لعدم تحقيق المرجو".
أكثر المواضيع ربحاً
أكثر قطاعات التربح في سوريا هي مواضيع التنحيف، والمكملات الغذائية والفيتامين وأدوية المناعة وسوء التغذية وزيادة النشاط البدني، لكن الأهم والطاغي والذي لا يرقى لمنافسته اختصاص هو الطب التجميلي، وهو الأكثر ربحية بصورة مطلقة من دون منازع، والذي يتنوع بين الحقن وإجراءات الشد والتنحيف والعناية بالبشرة، إضافة إلى ليزر إزالة الشعر وهو مربح جداً أيضاً.
وفي هذا الصدد، يشير طبيب الجلدية أكرم جمعة إلى أن "قطاع التجميل تحديداً لا يمكن أن يخسر، ولا يمكن لطبيب في أي اختصاص منافسته ربحياً، فيكون العمل مربحاً وفق نسب مئوية كبرى، وفي سوريا في العقد الماضي صار اختصاص الجلدية يتطلب بعد دراسة الطب معدلاً يقارب النسبة المئوية".
بدورها تبيّن طبيبة الجلدية منى فهمي أن "أطباء الجلدية عرفوا أن تخصصهم وحدهم غير كاف، لذا صار كل طبيب من دون استثناء يعمل في التجميل ويحقق الأرباح، حتى إن الصيادلة وأطباء الأذن والأنف والأسنان واختصاصات أخرى صارت تنفذ الإجراءات التجميلية المربحة".
وتكمل "كان لدي طبيبة متمرنة قبل أن تفتتح عيادتها قبل عام، فوجئت أخيراً أنها تصنع محتوى غريب جداً وتحقق مشاهدات غير طبيعية، ومحتواها كله دوناً عن كل الإجراءات الجلدية يركز على الفحولة وتضييق المهبل وحقن تحفيز النشوة، وخلاف ذلك من أشياء لا أريد ذكرها، وفهمت أن الإقبال لديها وصل مستويات قياسية، لكن اختصاصنا لا يجب أن يكون سلعة إباحية، وهنا أسأل أين الوزارة وأين الرقابة وشرف المهنة"؟
هل توجد رقابة؟
في سوريا، ثمة قوانين وقرارات صارمة تحدد معايير مهنة الطب، لكن أول خرق لها كان التغاضي التام عن السماح للاختصاصيين من غير الأطباء بتنفيذ عمليات الحقن التجميلي، والذي يحمل خطورة التشوه للمريض إذا ما التقت الحقنة بالعصب في موضع الحقن، وثانيها الطب الشعبوي، وثالثها الغياب التام للرقابة على محتوى وسائل التواصل، مما جعل صانعات المحتوى يسيطرن على السوق، فيرفعن طبيباً أو مركزاً ويسقطن آخراً.
تتحدث سلمى، وهو اسم مستعار لصانعة محتوى معروفة في حمص، إلى "اندبندنت عربية" قائلة "نحن عملنا ترويجي ونتقاضى أجوراً مرتفعة، وقد وقعت عقداً مع مركز بـ 600 دولار شهرياً، والمطلوب مني ثلاث فيديوهات تسويقية شهرياً، و10 قصص على 'انستغرام'، وبالنهاية ليس دوري ما يحصل بعد الإعلان، فأنا أقوم بعملي وهم بعملهم، وفي حال وقوع مشكلة فالطبيب يتحمل المسؤولية".
وخارج سوق الميديا فإن نقابة الأطباء صارمة جداً حيال الأخطاء الطبية المرفقة بشكاوى نظامية، وقد تصل تلك الشكاوى إلى القضاء، وتتراوح نتيجة إثبات الخرق الطبي على الطبيب ما بين تنبيهه أو تغريمه أو إيقافه عن العمل موقتاً، وقد يصل الأمر لسحب الشهادة في المخالفات الكبرى جداً.
ماذا يقول المتخصصون؟
يؤكد طبيب الصدرية سعيد خوري أن الزمن فاته بعد أن بلغ من العمر 65 سنة، معتقداً أن هذا الزمن لم يعد زمنهم وقد فاتهم القطار، و"هذا زمن الشعبوية المبنية على الأوهام والاستغلال، وكان لدينا طبيب كرس أموالاً طائلة لا تعقل في الترويج لأعوام لنفسه حتى سمي بطبيب المشاهير، وكان كل ذلك ليدخل مجلس الشعب في عهد الأسد، واليوم الشعبوية تتفوق على الخبرة ببساطة".
كذلك الأمر بالنسبة إلى الطبيبة المخبرية مها صبري التي فقدت بريقها أمام سطوة لعنة الشهرة الزائفة كما تسميها، "زملاء كثر يبيعون الوهم، والناس تشتري بثقة، هي تجارة بين بائع ومشتري، وبالنسبة إلى قسم أبقراط ومواثيق الشرف المهني، فقط حلت مكانهم مواثيق مارك وتطبيقات التواصل".
ومن منظور علم الاجتماع، تطرح الأستاذة الجامعية نهلة بيطار مثالاً تلخص فيه الأمر بقولها إن "شركة نوكيا العالمية لم تقصر في شيء، وهي فقط لم تستطع مواكبة العصر، وهذا ما حصل في الأعوام الأخيرة لدينا، فالناس تصدق أقوالهم لأنها تريد حلولاً سريعة، ولا يناسبها طبيب يقول 'لخفض وزنك عليك الالتزام بالرياضة' إضافة إلى التركيز الطبي لأشهر، فهم يريدون حلولاً فورية، والقصة كلها في الدعاية، وهذه الدعاية في النهاية ستنفجر لتبتلع صناعها، ومن ثم تعيد ترتيب الأمور بهدوء".
الشعبوية الطبية في السعودية بين الأدلة العلمية ووعود الشفاء السريع
في دقائق معدودة، قد يغير مقطع متداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي قراراً علاجياً، أو يدفع شخصاً إلى تجربة وصفة لم تثبت فاعليتها علمياً، وبين نصيحة طبية تستند إلى الأدلة العلمية، وأخرى تعد بالشفاء السريع والحلول السهلة، تتسع ظاهرة ما بات يعرف بـ "الشعبوية الطبية"، التي تتحول فيها النصيحة الصحية إلى صناعة قائمة بذاتها، يحصد محتواها ملايين المشاهدات، ويصنع نجوماً من أصحاب الخطاب الطبي المبسط والجذاب، إذ تتنافس فيها الوعود بعلاج الأمراض، وإنقاص الوزن، وتصحيح الهرمونات، و"تنظيف الجسم من السموم"، فتختلط المعلومات الموثقة بالادعاءات غير المثبتة، ويتحول الطب، في بعض الأحيان، إلى سلعة تسويقية في وقت تواصل فيه الجهات التنظيمية جهودها، للحد من الممارسات المخالفة وتعزيز حماية المستهلك الصحي.
وعود علاجية
"تستهدف 'الشعبوية الطبية' تقديم المعلومات الصحية بطريقة تركز على التأثير في الجمهور، أكثر من نقل الحقائق العلمية، وذلك عبر إطلاق وعود علاجية مبالغ فيها، أو إثارة الخوف من العلاجات المعتمدة، أو الترويج لحلول سريعة من دون الاستناد إلى الأدلة العلمية، ويتحول المحتوى من توعية إلى تضليل عندما يعتمد على التجارب الشخصية، بدلاً من الدراسات العلمية، أو يعمم نتائج فردية على جميع المرضى، أو يتجاهل الفروق بين الحالات المرضية، أو يقدم معلومات تتعارض مع الإرشادات الطبية المعتمدة".
هكذا تعرف استشارية علاج الأمراض المزمنة بشاير الصوينع ظاهرة "الشعبوية الطبية"، موضحة أن الاعتماد على المعلومات الطبية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ازداد خلال الأعوام الأخيرة، إذ يحضر كثير من المرضى إلى العيادات وهم يحملون قناعات مسبقة حول أدوية أو علاجات شاهدوها على المنصات الرقمية، وعلى رغم أن ذلك يعكس اهتماماً أكبر بالصحة، فإن المشكلة تكمن في افتقار جزء من هذا المحتوى إلى الدقة العلمية، وعدم مراعاته اختلاف الحالات المرضية، كاشفة عن أنها صادفت مرضى أوقفوا العلاج الموصوف أو أخروا البدء به بعد مشاهدة محتوى يروج لمنتجات أو أنظمة غذائية بوصفها بديلاً عن الدواء، واستخدم آخرون مكملات وأعشاباً ومنتجات للتنحيف من دون إشراف طبي، مما أدى إلى اضطرابات صحية، وتداخلات دوائية، ومضاعفات قد تصل إلى جلطات القلب أو الدماغ، وتشدد على أن الأمراض المزمنة تحتاج إلى متابعة مستمرة وخطة علاجية فردية، ولا يمكن تعميم تجربة شخص واحد على جميع المرضى.
بيئة خصبة للتسويق
وترى الصوينع أن أكثر المواضيع استغلالاً تجارياً هي علاجات السمنة، والمكملات الغذائية، والفيتامينات، وبعض الهرمونات ومنتجات الـ "ديتوكس"، نظراً إلى الإقبال الكبير عليها والبحث عن نتائج سريعة، مما يجعلها بيئة خصبة للتسويق المبالغ فيه والادعاءات غير المثبتة، وتؤكد أن توافر المكملات من دون وصفة لا يعني أنها آمنة، إذ قد تتداخل مع الأدوية أو تؤثر في نتائج الفحوص، ولذلك ينبغي أن يكون استخدامها مبنياً على حاجة طبية مثبتة، لا على الدعاية أو الاعتقاد بأنها مفيدة للجميع.
وتختم الصوينع بالتأكيد أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أداة فعالة لنشر الوعي الصحي، إذا استخدمت بمسؤولية، لكن لا يمكن أن تحل محل التقييم الطبي، لأن العلاج يعتمد على تشخيص كل مريض وحاله الصحية، وليس على مقطع متداول أو تجربة شخصية.
وفي السياق، تضيف أستاذة علم الاجتماع بقسم الدراسات الاجتماعية عبير بن سفران أن المعلومات الطبية المضللة لا تقتصر آثارها على صحة الأفراد، بل تمتد إلى المجتمع، إذ تكمن المشكلة في أن هذه المعلومات تنتشر بسرعة كبيرة عبر وسائل التواصل، خصوصاً إذا كانت مصحوبة بقصة نجاح أو تجربة شخصية، ومع كثرة تداول هذه الرسائل، يترسخ لدى بعض الناس اعتقاد بأن كل ما هو طبيعي آمن ولا يسبب ضرراً، فيلجأون إلى الخلطات الشعبوية من دون استشارة متخصص، ويقتنعون بها أكثر من التوصيات الطبية، وتشير إلى أنها على المستوى الشخصي ليست ضد الطب الشعبوي، "بقدر إيماني بأهمية الطب الحديث، وأرى أن لكل منهما دوره عندما يمارس وفق ضوابط علمية، فكثير من الأدوية الحديثة تعود أصولها لمركبات طبيعية، جرى تطويرها واختبارها وتحديد جرعاتها علمياً، لذلك فالمسألة ليست في كون العلاج طبيعياً أو دوائياً، وإنما في طريقة استخدامه".
من يصنع الخبير اليوم؟
ترى أستاذة علم الاجتماع أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل مفهوم الخبير لدى الجمهور، فبعدما كانت الخبرة ترتبط بالشهادة العلمية أو الانتماء إلى مؤسسة أكاديمية أو صحية، أصبح كثير من الناس اليوم يربطونها بمن يحضر باستمرار على المنصات الرقمية، ويتحدث بلغة بسيطة، ويتفاعل مع جمهوره، وتستشهد بأفكار عالم الاجتماع ميشيل فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، موضحة أن من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة ونشرها يمتلك أيضاً القدرة على التأثير، مضيفة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت شريكاً في إنتاج المعرفة، إذ لم تعد المعرفة حكراً على المؤسسات العلمية، بل بات صناع المحتوى والمؤثرون يشاركون في تشكيل الوعي الصحي لدى الجمهور، وتؤكد أن ذلك لا يعني رفض الناس للخبراء، وإنما يعكس ظهور شكلاً جديداً من أشكال إنتاج المعرفة وتداولها.
خوارزميات وسائل التواصل
وتشير عبير بن سفران إلى أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الحلول السريعة والنتائج الفورية، لذلك تجذبه الرسائل التي تعده بعلاج سريع أو وصفة سهلة، ومن جهة أخرى يقدم المؤثرون المعلومة بلغة بسيطة ومختصرة، في حين تبدو المعلومات الطبية أكثر تعقيداً، وكذلك يبني المؤثر علاقة ثقة مع جمهوره من خلال التفاعل المستمر ومشاركة التجارب، فيشعر المتابعون أنه أقرب إليهم وأكثر فهماً لحاجاتهم، وأن التجارب الشخصية وقصص النجاح غالباً ما تكون أكثر تأثيراً من الدراسات والإحصاءات العلمية، لأنها تبدو أكثر صدقاً وواقعية وقرباً من حياة الناس، لافتة إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تعزز انتشار المحتوى المثير والمختصر الذي يحقق تفاعلاً أكبر، بينما لا يحظى المحتوى العلمي المطول بالانتشار نفسه، وتوجد دراسة أجرتها "جامعة شيكاغو" عام 2024، حللت عدداً كبيراً من مقاطع الفيديو الطبية على "تيك توك"، ووجدت أن نحو نصف المحتوى الذي جرت مراجعته حوى معلومات غير دقيقة أو مضللة، وكان معظم هذا المحتوى صادراً عن مؤثرين غير متخصصين، في حين كان المحتوى الذي يقدمه المتخصصون أكثر دقة، لكنه أقل جذباً وتفاعلاً.
وتوضح أستاذة علم الاجتماع أن هذه الرسائل لا تقدم عادة على أنها مجرد معلومة، بل تغلف بقصص نجاح مؤثرة، أو بخطاب عاطفي، أو بادعاءات توحي بالإعجاز أو العلاج الخارق، مما يمنحها قوة إقناع أكبر لدى الجمهور، إذ يتأثر كثيرون بالقصة أو الوعد أكثر من تأثرهم بالدليل العلمي، وكذلك فإن سرعة انتشار هذه الرسائل لا تعني صحتها بالضرورة، وإنما تعكس طبيعة المنصات الرقمية، ونوعية المحتوى الأكثر قدرة على جذب انتباه الجمهور وإثارة تفاعله.
الخرافات علاجات بديلة في العراق
خلال جائحة كورونا، وعندما كان أساس الوقاية من المرض التباعد الاجتماعي، حارب الدكتور العراقي حامد اللامي بصورة عجيبة هذا الفيروس من طريق جمع المرضى في مكان واحد، داعياً إلى نزع الكمامات وعدم أخذ العلاج الذي وُصف لهم، وقد رفض اللامي عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، بروتوكولات العلاج واللقاح التي أقرتها وزارة الصحة بالتنسيق مع "منظمة الصحة العالمية"، ومع أن مواقفه قوبلت بمعارضة شديدة من السلطات الطبية والدولية، لكنه استمر في التأكيد على أفكاره حول علاج كورونا واللقاحات، وقدم اللامي طروحات مثيرة للجدل حول الفيروس، معلناً إمكانه معالجة الفيروس من دون الحاجة إلى الأدوية الكيماوية أو اللقاحات، واستخدم في فيديوهاته أساليب علاجية بديلة، مثل الخلطات العشبية والعقاقير التي كان يعدها بنفسه، مؤكداً أنها أكثر أماناً وفعالية من اللقاحات التي كانت توصي بها "منظمة الصحة العالمية" ووزارة الصحة.
وعلى رغم انتقاداته اللاذعة للقاحات والإجراءات الرسمية المتعلقة بكورونا، إلا أن اللامي حظي بمتابعة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كان لديه جمهور واسع من المتابعين، وكانت مقاطع الفيديو الخاصة به تحصد ملايين المشاهدات، مما جعله من الشخصيات التي تثير كثيراً من النقاشات في الساحة العراقية، وتسبب هذا الموقف في حدوث خلافات كبيرة بينه وبين السلطات الصحية ونقابة الأطباء، ففصل من النقابة ومنع من ممارسة مهنة الطب نتيجة مواقفه المتشددة ضد اللقاحات.
وبقى اللامي مصراً على آرائه وأصدر عام 2023 كتابه "قصتي مع كورونا"، الذي كان بمنزلة محاولة لشرح موقفه الشخصي تجاه كورونا ولقاحاته، وفي الكتاب أكد أن الفيروس مصنع وأنه استطاع علاج المرض باستخدام طرق علاجية مختلفة غير معترف بها من المنظمات الصحية العالمية، ووجد بعضهم أن الكتاب يمثل دليلًا على الجوانب السلبية التي تسببت في تراجع الثقة في السلطات الصحية، بينما عد آخرون الكتاب خروجاً عن التقاليد الطبية.
الطبيب الذي يمتلك سراً
لا يقتصر تصاعد حدة الآراء التي تتضارب مع التعليمات الطبيبة المستندة إلى أسس وحقائق علمية خلال تفشي الوباء والأزمات الصحية، بل إنها أصبحت ظاهرة تشمل كل التخصصات، ويكفي للشخص أن يمتلك قناة على "يوتيوب" ويروج لنصائح طبيبة أو منتجات غير معروفة تخص التجميل أو التنحيف أو علاج الأمراض المزمنة.
ويوضح الدكتور عبدالأمير الخفاجي أن الطبيب الشعبوي يتميز بقدرته على الوصول إلى جمهوره بلغة مباشرة، ويقدم نفسه بطريقة جذابة عبر المنصات المختلفة، ويستخدم عبارات قصيرة وجذابة تنتشر بين الناس بسرعة أكبر من الشرح الطبي المتوازن، ويكيف أسلوب حديثه بما يتوافق مع خوارزميات المنصات، مما يزيد ظهوره ويحقق تفاعلًا أكبر.
ويرى الخفاجي أن هذا الطبيب يلامس مخاوف المرضى واهتمامهم بالحلول السريعة، فيبدو أقرب إليهم من الخطاب الطبي التقليدي، وأحياناً يقدم نفسه على أنه يمتلك سراً أو معلومة صادمة، مما يثير الفضول ويزيد المتابعة، فالناس يميلون عادة إلى المحتوى السريع والبسيط، وهذا أحد أسباب شهرته، في حين أن المعلومات الطبية الدقيقة تحتاج إلى وقت لشرحها.
طب الأعشاب
"أعتمد تقريباً على نحو تام على المواد العشبية"، هذا ما تذكره سمية ناصر التي عاصرت مرض والدتها بسرطان الثدي، وتقول "شاهدت كيف عانت والدتي كثرة الأدوية، فهي مواد تبقى لها أضرار على صحة الجسم"، وحولت ناصر حياتها بعد تجربة والدتها إلى الاعتماد على المواد العشبية التي تعتقد أن ضررها أقل بكثير من الأدوية التي توصف في العيادات.
وفي السياق يوضح وليد أحمد، وهو صاحب محل عطارة، أن هناك تقبلاً واضحاً إلى اللجوء للأعشاب، ويقول "لدي قناعة أن هذه الأعشاب أفضل بكثير من الأدوية، فأنا لا ألجأ إلى الأطباء إلا في الحالات المستعصية"، موضحاً أن أكثر ما يقبل علية الناس حالياً من المواد العشبية خلطات التنحيف والعناية بالبشرة.
طبيب الأسرة
"خبيرة تجميل أجرت عملية شفط دهون لفتاة في العقد الثاني من العمر، داخل منزلها، مما تسبب بوفاتها خلال وجودها في منزل تتوفر فيه مستلزمات جراحية مع جهاز مخصص لشفط الدهون".
خبر يتكرر كثيراً عن عمليات لا يجريها أطباء بل أصحاب مراكز تجميل، إذ أدت كثرة الإعلانات عن سهولة عملية التجميل في أماكن غير مرخصة إلى لجوء الناس إليها، بل إن بعض المراكز قدمت عروضاً للزبائن، وعلى نحو متواصل تشن السلطات الصحية حملات تفتيش على مراكز التجميل والعيادات الطبية التي تعمل من دون ترخيص رسمي، أو على نحو مخالف للضوابط الطبية، لكن ذلك لم يمنع استمرار تسجيل ضحايا من المراجعين لتلك العيادات والمراكز.
الطبيب الشعبوي في المغرب... مؤثر تجاري
يقدم الطبيب الشعبوي في كثير من الأحيان نفسه منقذاً للمرضى ومبتكراً للحلول السريعة الناجعة لمشكلات الناس الصحية، من خلال استعمال لغة عاطفية ودينية، تكون قريبة من جمهور مواقع التواصل الاجتماعي، مروجاً لأدوية ومنتجات ووصفات لعلاج "أمراض العصر"، ويتدثر هذا الطبيب الشعبوي تارة برداء الفقيه العالم بالدين، مدغدغاً عواطف وفطرة الناس، وتارة يلبس جبة الواعظ الأمين، وأخرى يعتمر قبعة الطبيب النفسي العارف ببواطن النفس البشرية، لتسهيل الترويج لوصفات التجميل، أو لأدوية تعالج السمنة أو مشكلات العظام أو حتى السرطان.
اصطياد الضحايا
يتناسل في المغرب بصورة لافتة هذا النوع من الأطباء الذين يتصدرون منصات مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل تقديم وصفات وعلاجات من المفترض أن تكون من مهمات الطبيب حصرياً، مستغلين سذاجة الزبائن الذين يسارعون إلى قبول وتقبل هؤلاء الأطباء، فمن "الأطباء الشعبويين" من يقدمون وصفات علاجية قائمة على الشعوذة والدجل والسحر، لكنها مغلفة بغير قليل من الدين، من أجل اصطياد ضحاياهم من المرضى الذين يبحثون عن حلول سحرية سريعة لآفاتهم وأعطابهم الجسدية والروحية.
ويتصدر كثير من الرقاة والمعالجين الروحيين هذه التجارة القائمة على الدجل والخرافة، والتي تعرف ازدهاراً لافتاً في المجتمع المغربي، حتى أضحى لها نجوم معروفون بالاسم والصورة في مواقع التواصل الاجتماعي، راكموا الثروات المالية باستغلال ضعف وقلة حيلة زبائنهم من المرضى.
يقول الباحث المغربي إدريس الكنبوري إن ظاهرة الرقية أو العلاج الروحي تحولت إلى تجارة بسبب عوامل عدة، ومنها أولاً أن هناك نوعاً من التدين المغشوش الذي يجعل الإنسان غير واثق من نفسه، مما يجعله لقمة سائغة للرقاة المتاجرين، إذ يمكن للإنسان أن يمارس الرقية بنفسه دون الحاجة إلى معالج أو دجال، والسبب الثاني هو تزايد المشكلات في المجتمع وبخاصة في الحياة الزوجة أو المهنية وانتشار التوتر النفسي، مما يدفع بعضهم إلى البحث عن علاج لدى الرقاة الذين يجدون سوقا رائجة، وأما السبب الثالث، تبعاً للكنبوري، فهناك جهل لدى كثر بالطب النفسي الذي يمكنه أن يقدم علاجاً لكثير من هذه الحالات بأقل كلفة، ووفق وصفات طبية، فكثير من المعالجين يستغلون هؤلاء الأشخاص ويفرضون عليهم مبالغ ضخمة، مستغلين الضعف النفسي لهم.
التساهل والتصدي
من جانبه سجل المعالج النفسي محمد قجدار تحول تقديم وصفات علاجية غير مرخصة من قبل "أطباء الانترنت" إلى حصص من الابتزاز النفسي والمالي للزبائن، باعتبار أنه لا توجد ضوابط لهذا النوع من "التجارة بالدجل والشعوذة والعلاجات الروحية"، مما يسهل الإيقاع بالضحايا، وانتقد المتحدث ما وصفه بتساهل المجتمع والسلطات المعنية مع هذا النوع من "المعالجين والأطباء الشعبويين" الذين يجدون في مواقع التواصل الاجتماعي فرصة لعرض منتجاتهم وعلاجاتهم من دون حسيب ولا رقيب، بعيداً من الرقابة والمساءلة، وتحاول السلطات المغربية من جهتها محاربة الشعوذة والدجل المرتبط بالمجال الصحي، وممارسات الرقية غير القانونية، من خلال مقاربة تجمع بين الزجر القانوني، والتنظيم الصحي، والرقابة الأمنية، إضافة إلى التوعية الدينية والتذكير بأخطار اللجوء إلى العلاجات غير العلمية.
ويستند التصدي لهذه الممارسات إلى مقتضيات القانون الجنائي وعدد من النصوص المنظمة للمهن الصحية، إذ يجرم انتحال صفة طبيب أو ممارس صحي، ويمنع مزاولة أي عمل طبي أو علاجي من دون الترخيص القانوني اللازم، بما في ذلك تشخيص الأمراض أو وصف الأدوية أو تقديم علاجات تدخل ضمن اختصاص مهنيي الصحة.
ويقول الطبيب والباحث في السياسات الصحية بالمغرب، الطيب حمضي، إن مدونة أخلاقيات مهنة الطبيب تمنع تقديم نصائح أو وصفات للجمهور، بناء على قناعات شخصية أو تجارب فردية غير معتمدة، وأن أية نصيحة أو علاج يقدم للمرضى أو للعموم يجب أن يكون مبنياً على أبحاث ودراسات علمية طبية موثوقة ومعتمدة، موضحاً أنه "بخصوص الإعلانات الكثيرة المنتشرة على 'فيسبوك' و'إنستغرام' والتي تروج لبعض الأدوية والمستحضرات، فغالباً ما تقف وراءها فئتان، الأولى مساعدو الصيادلة، إذ يجري تصوير هذه الإعلانات من داخل الصيدليات أو بمساعدة عاملين فيها، والثانية أشخاص لا علاقة لهم بالقطاع الصحي، يعمدون إلى إعداد خلفيات تشبه الصيدليات لخداع المشاهد، والهدف الأساس حصد التفاعلات والمشاهدات وتحقيق الأرباح المادية.
وزرة التاجر
يخضع الأطباء المزاولون لمهنة الطب في المغرب لـ "الهيئة الوطنية للأطباء"، و"مدونة أخلاقيات مهنة الطب" التي تمنع كلياً تحويل الممارسة الطبية إلى نشاط تجاري مباشر أو غير مباشر، عبر ترويج منتجات أو وصفات أو فيتامينات أو مكملات غذائية، ويورد الفصل (26) من "مدونة أخلاقيات مهنة الطب في المغرب" أنه "عندما يُحدث الطبيب موقعاً إلكترونياً أو فضاء رقمياً مهنياً على شبكات التواصل الاجتماعي، فيجب أن يخبر 'مجلس الأطباء'، لكن لا يمكن أن تشكل المواقع والفضاءات المذكورة وسيلة للإشهار أو استمالة المرضى".
يقول الطبيب زهير جباري، إن "مدونة أخلاقيات مهنة الطب في المغرب" تمنع استعمال مواقع التواصل الاجتماعي للإشهار الطبي أو الترويج التجاري للأدوية، أو للوصفات الصحية، خصوصاً في الأمراض التي باتت تعرف بأمراض العصر، مثل السمنة ومشكلات المفاصل والزهايمر.
وبحسب جباري فإنه من غير المقبول أن يخلع الطبيب وزرته البيضاء ليرتدي وزرة التاجر، وأن يتخلى عن "قسم أبقراط" ليستغل اسمه ومهنته كطبيب، أو يستخدم نصوصاً دينية لدغدغة عواطف الجمهور المحافظ، بهدف تحقيق مكاسب معينة، شارحاً أن هذه المكاسب قد تكون آنية وقد تكون آجلة، وقد تكون مادية صرفة من خلال الترويج لأدوية أو وصفات أو مكملات غذائية، وقد تكون للبحث عن نقرات ومتابعات أكبر في مواقع التواصل، وقد تكون مكاسب معنية من خلال الترويج لاسمه وإشهار عيادته بطريقة قد لا تبدو مباشرة، لكنها عين القصيد.
وشدد جباري على أنه يمكن للطبيب أن يستخدم مواقع التواصل لتقديم محتوى علمي وتحسيسي وتوعوي، فهذا الأمر ليس فيه أدنى إشكال، لكن أن يستغل سذاجة كثير من المرضى وحاجتهم إلى العلاج، ويروج أن هذا المنتج أو هذه الوصفة هي الأفضل والأسرع في الاستشفاء، فهذا ما تمنعه صراحة مدونة أخلاقيات المهنة".
موريتانيون ضحية منتحلي صفة الطبيب
تزخر حكايات الموريتانيين اليومية بأوجاع أصابت أجسادهم وأرواحهم بفعل تعرضهم لخداع من قبل أشخاص يستغلون شهرتهم في أوساط عريضة من الجمهور لمد حبائل تصطاد مرضى يبحثون عن علاج لأمراض عز علاجها، فقادهم البحث عن أمل الشفاء إلى شرك منتحلي صفات طبية لا علاقة لهم بها.
وتضج هواتف الموريتانيين بإعلانات تدور في غالبيتها حول التنحيف ومشتقاته، والمكملات الغذائية والهرمونات وإزالة السموم وكل تلك المغريات بحياة صحية يعِدُ بها في الغالب " اختصاصيون" غير مسجلين في سلك الأطباء الموريتانيين.
ونادراً ما تُسحب منهم رخص ممارسة مهنهم أو تُغلق "مراكزهم"، وعلى رغم ذلك لا تزال الأصوات ترفع ضد ممارساتهم حين تتسبب وصفة مكتوبة في إزهاق حياة مواطن.
التعلق بقشة
تلقي الأمية بظلالها الكثيفة على توجهات المواطن الموريتاني، فثلث الشعب يعاني أمّية تجعل من السهل خداعه، بخاصة حين تباغته الدعائية المغلفة بلبوس علمي وتقتلع يقينياته حول الصحة والمرض.
ويرى المهتم بقضايا التخلف الاجتماعي البخاري سيدي أن "الموريتانيين بطبعهم البدوي البسيط يسهل خداعهم، خصوصاً أنهم حديثو عهد بالمدينة، كما أن الجهل في تفشي الظواهر المرتبطة بالخداع لم تتجذر في الذاكرة الجمعية".
ويضيف أن "مسؤولية الجهات المختصة في البلاد تقتضي مراقبة المحتوى الدعائي وإخضاعه للمعايير العلمية، كما أن أصحاب المهنة المعنيين بتوجيه الجمهور من أطباء وعمال صحة عمومية يجب عليهم التبليغ عن منتحلي الصفة الذين يضرون المواطنين في أغلى ما يملكون الصحة والمال".
أدت حادثة سحب ترخيص مزاولة عمل لموريتاني كان يفتتح عيادة وينشط على وسائل التواصل الاجتماعي في مجال التغذية إلى طرح السؤال مجدداً حول من يحق له أن يقدم العلاج للمواطنين.
يقول الأستاذ بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان في نواكشوط عبدي سالم الشيخ التراد إن "الطبيب هو الشخص الذي نال تكويناً أكاديمياً في الطب، وتخرج في كلية أو مدرسة معترف بها وحصل على المؤهل الذي يخوّله ممارسة مهنة الطب بعد أداء القسم المهني".
ويضيف أنه "بسبب غياب كلية للطب في موريتانيا لأعوام طويلة بعد الاستقلال، شاع استخدام لقب الطبيب للإشارة إلى كل من يعمل في المجال الصحي، سواء كان ممرضاً أو قابلة أو صيدلانياً أو جراح أسنان، ولا تنقص هذه الحال من أهمية هذه المهن، فلكل منها دور أساس ومحوري في رعاية المرضى وحماية صحة المجتمع ولكل مهنة مؤهلاتها العلمية واختصاصها ورسالتها الإنسانية، غير أن احترام المهن الصحية يقتضي أيضاً احترام المسميات المهنية وعدم الخلط بينها، فإطلاق لقب الطبيب على غير حامله يطمس الحدود بين الاختصاصات ويفتح الباب أمام منتحلي الصفة".
تقويض ثقة المجتمع
لا تترك الأربعينية أم المؤمنين فرصة من دون أن تسرد ما وصفته بمأساتها مع منتحل صفة تابعت معه لإنقاص وزنها قبل أن تتعرض لوضع صحي غير مألوف، بحسب ما صرحت به.
وتوضح أن بداية مأساتها حدثت حين صادفها منشور دعائي على إحدى صفحات منصة على الـ"سوشيال ميديا" يدعي فيه شخص قدرته على تنحيف نوعي لمن يعانون زيادة الوزن.
وتسرد أم المؤمنين كيف وقعت ضحية لوصفات يحضرها المعني على ما يبدو من الإنترنت، مما سبب لها مشكلات حساسية مفرطة من بعض العناصر الغذائية والتي تتعالج منها في مصحة خارجية. وعن تعاملها مع حال الخداع التي كادت أن تقضي على حياتها، تقول الضحية إن العلاقات التقليدية بين قبيلتها وقبيلة "المخادع" حالت دون لجوئها إلى القضاء.
ويؤكد البخاري أن تداخل عقليات المجتمع التقليدية التي تأسست قبل قيام الدولة الوطنية تحول في كثير من الأحيان دون الكشف عن هذه السلوكيات الخطرة التي تضرب المجتمع في مقتل.
ويطالب الأستاذ في كلية الطب "الهيئات المهنية للأطباء العمل على حماية لقب الطبيب من الانتحال، والتوعية بأهمية التمييز بين مختلف المهن الصحية حفاظاً على حقوق المرضى وصوناً لهيبة المهنة واحتراماً للقوانين المنظمة لممارسة العمل الصحي".
ولا تخفي أم المؤمنين انعدام ثقتها بكل ما يروج له من منتجات أو خدمات صحية في صفحات التواصل الاجتماعي بسبب ما تعرضت له على يد منتحل صفة، كاد أن يقضي على حياتها بعدما كلفها كثيراً من المال والجهد.
الطب الشعبوي في مصر... وهم وتضليل
عرف الطب الشعبوي في مصر منذ أقدم العصور، ولكنه في السنوات الأخيرة تغير مفهومه وأصبح مصاحباً لبيع الوهم والتضليل والتجارة بآلام الناس، والأمثلة كثيرة عن ظهور من يدعي شفاء الأمراض وعلاج حالات مستعصية يتنوعون بين مدعين للطب، وأطباء بالفعل اتجهوا للترويج لأفكار وعلاجات تعتمد مواد معينة أو تتجنب الأدوية التقليدية ليتغير مفهوم الطبيب الشعبي في المجتمع بصورة كبيرة.
توضح أستاذة مناهج علم الاجتماع بجامعة عين شمس عزة فتحي أنه "لا بد أن نفرق بين العلاج بالأعشاب بصورة علمية، وهو معروف وله نتائج من قديم الأزل، وبين ما يحدث حالياً من وجود مدعين للطب والعلاج بهذه المركبات، الطبيب الشعبي كان غالباً ما يرتبط بالعطارة والأعشاب ولكن حالياً إلى جانب هؤلاء أصبح هناك تواجد لأطباء يروجون لأنفسهم بأنهم معالجين بالأعشاب، والأزمة الأكبر أنه يظهر مدعين لا ينتمون للطب بأية صورة ويحصلون على شهرة كبيرة".
وتضيف "أسباب الإقبال عليهم متعددة ومن بينها الارتفاع الكبير في أسعار كشوف الأطباء، إلى جانب وجود سوق كبيرة غير رسمية للأدوية وارتفاع أسعار بعضها بصورة كبيرة ووجود أدوية ناقصة من السوق، فيتجه الناس لهؤلاء الأشخاص الذين يزعمون أن لديهم منتجات قادرة على شفاء كثير من الأمراض".
كيف يحققون الانتشار؟
يظهر كل فترة في مصر أشخاص يدعون لنوع غير مألوف من العلاج أو باعتماد مادة معينة أو نظام غذائي، وأحياناً تلاحق الدولة هؤلاء الأشخاص بإغلاق مراكزهم أو منابرهم والقبض عليهم حال وجود إدانة.
ولكن بعضهم تتصاعد شهرته ويصل إلى قطاعات ضخمة من الجماهير التي تعتقد، فيما يروج له مثلما حدث مع أكثر من نموذج في مصر من بينهم الصيدلي أحمد أبو النصر الذي روج للعلاج بالكركمين مدعياً قدرته الفائقة على شفاء كثير من الأمراض مثل السكر والكبد والمفاصل وحتى الأورام وألقى القبض عليه أوائل عام 2022.
وهناك أيضاً الدكتور جودة عواد الذي تبنى أنظمة تدعم العلاج بالأعشاب وأغلقت السلطات مركزه الطبي ودانته، إضافة إلى الضجة التي أثارها الطبيب ضياء العوضي بالدعوة إلى الابتعاد من الأدوية واعتماد نظامه الغذائي الذي عرف بالطيبات وانتشر بصورة كبيرة في العالم العربي.
عن كيفية تحقيق الشهرة والانتشار والتأثير في هذا القدر من الجماهير العريضة، يوضح محمود فؤاد مدير المركز المصري للحق في الدواء أن "الشهرة تأتي بطرق مختلفة، بداية من الإعلانات على بعض القنوات الفضائية ولاحقاً الظاهرة الأخطر بشراء الهواء في بعض البرامج التلفزيونية والظهور المتكرر، إضافة إلى الانتشار الكبير الذي أتاحته لهم وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة فأصبح هناك أباطرة لهذا المجال وبعض الناس وخصوصاً البسطاء تجد صدقية كبيرة في كل من يظهر على شاشات التلفزيون".
ويقول "هناك فئات بعينها يستهدفهم هؤلاء الناس مثل السيدات خصوصاً في ما يتعلق بالنحافة والتنحيف والترويج لأدوية معينة مثل الأوزمبك والمنجارو الذين هما أساساً أدوية لعلاج السكر، وتكون الخطورة أكبر في حالة المراهقات اللاتي يكون لديهن هوس بالرشاقة، فئة أخرى يستهدفها هؤلاء الأشخاص بشدة هم كبار السن بالترويج لوصفات وأدوية تعالج العظام والمفاصل، ويلقون تجاوباً كبيراً بالفعل ويحققون أرباحاً سواء ببيع المنتجات التي روجوا لها أم في الإقبال على المراكز الطبية".
لماذا يصدقهم الناس؟
بعض الأطباء انطلاقاً من الاهتمام بمواجهة هذا التضليل، عمل على نشر الوعي وتحليل هذه الظواهر بصورة علمية منظمة، ومن بينهم استشاري المسالك البولية والذكورة والعقم ماجد فياض.
ويقول "مع اجتياح جائحة كوفيد، تبنت منظمة الصحة العالمية رسمياً مفهوم الإنفوديميا بمعنى سيل جارف من المعلومات المضللة تمتزج فيه الحقيقة بالوهم حتى أنه يصعب التفريق بينهما، فالدجل الطبي ظاهرة عالمية، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة المؤسسات على عزله واحتوائه قبل أن يتحول إلى رأي عام".
ويضيف "ففي كثير من الدول المتقدمة، حين تنتشر معلومة طبية خاطئة تتدخل مؤسسات قوية للتصحيح السريع، قبل أن يتحول الخطأ إلى يقين جماهيري، أما في مصر فغالباً ما يأتي التصحيح متأخراً وأقل جاذبية من الرسالة المضللة نفسها، فتكتسب الإشاعة أفضلية زمنية تجعلها أكثر رسوخاً وأوسع أثراً من الحقيقة ذاتها".
ويتابع "يصدق بعض الناس الدجل الطبي لأسباب متعددة من بينها أن الإنسان في لحظات المرض والخوف، لا يبحث دائماً عن الحقيقة، بل عن الإجابة الأكثر طمأنة فتنتشر الخرافة لأنها تمنح ما يعجز العلم أحياناً عن منحه وهو اليقين السريع، والتضليل الطبي مربح فهناك سوق كاملة مبنية على بيع الأمل والحلول السحرية".
ويرى الدكتور أنه في "أحيان كثيرة لا يكون معيار القبول الجماهيري قائماً على العلم وحده، بل على القدرة على التأثير والإبهار، فالجمهور يميل بطبيعته إلى الشخصيات ذات الكاريزما العالية والحضور فالبيئة الرقمية لا تكافئ صحة المعلومة بقدر ما تكافئ قدرتها على جذب الانتباه فالمحتوى الأكثر إثارة وصدامية هو الأقدر على الانتشار وتزداد خطورة التضليل الطبي حين يغلف برداء ديني لأن المعلومة هنا لا تقدم باعتبارها اجتهاداً قابلاً للنقاش، بل باعتبارها جزءاً من يقين أعلى يصعب مساءلته".
ويشدد أن "دور نقابة الأطباء موجود ولكنه لا ينبغي أن يقتصر على المساءلة والتأديب المهني، بل أن تصبح فاعلة في إنتاج المحتوى الطبي الموجه للجمهور".
وفي ما يتعلق بالشق القانوني يوضح "تبدأ المواجهة بإنفاذ قانوني واضح يفرض عقوبات رادعة على انتحال الصفة الطبية، وتقديم التشخيص أو وصف العلاج من دون ترخيص، والترويج لادعاءات علاجية غير مدعومة علمياً، أو تحقيق مكاسب مادية من نشر معلومات طبية مضللة، مع وجود ضرورة لإنشاء هيئة وطنية للتحقق الطبي تتبع وزارة الصحة والسكان، وتعمل كذراع علمي سريع الاستجابة لما تداول من ادعاءات ومعلومات صحية مضللة. تقوم هذه الهيئة على منهجية شبيهة بالتحقق من الحقائق، لكن بتخصص طبي دقيق، بحيث تصدر خلال وقت قصير بيانات مبسطة وواضحة للجمهور".
اندبندنت

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA_2_1.jpg.webp?itok=HqsfSaYM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%B2_45.jpg.webp?itok=7nqjLcvI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/3_164_1_0_4.jpg.webp?itok=AI3p1mP7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%88%D8%B4%D8%A7%D8%AA%20%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A_1.jpg.webp?itok=-L_Tx1Qt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1_1.jpg.webp?itok=8AyN_q77)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84_1_0.jpg.webp?itok=bf6oyglv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_0.jpg.webp?itok=bQLf8_1Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_0.jpg.webp?itok=ELQ3hgoe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8173.jpg.webp?itok=jaWGpYH-)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FBHf7y2Qdzov3SheKVLb0Ou3HHCM0sHgnMDVXmVIkRlTPW4TTaKzqZmhUc4IssIO8-jXAcGPeKmkk8M1cRfhqoYBFSBRGaxMY5pvsc5XOij16OvWR5cP-9lzuzW_vu3ciZ3qurHsHce6TPVrCzaaiLtfk9dvZhkDNgFoDfh0Hg151o2OLmiUu76dm9ScSTw6.jpg.webp?itok=aASdgbyC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_0.jpg.webp?itok=jR1Rtx0V)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_0.jpg.webp?itok=YTFJdfkl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0.jpg.webp?itok=R32ikT93)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GRmdKTfqqEzQRZ6pRJ-izH1XVWj2S32g7-mcjYo3ft6YYJLW77_7taf_AW-0tVSxUi0hRgtg4-TCaWbXrHvJSq8ALiFw26Cx33jwHdKfpw68A7IbfpoDJWEo21N_8cAkAdEnb7M9dk1dQORGryBoNcYkcjY4Fst75914ILGe4Y8OWWN_D2j-2anFKEDi6k9r.jpg.webp?itok=jMDUxeZY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=jXRYrX11)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/MENA-Q2-2015-1000x8001-1-780x470.jpg.webp?itok=GIKMaso_)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/55_9.png.webp?itok=gQ-7AvcP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)