السينما السورية: كيف واجه الفن سطوة السياسة؟

السينما السورية: كيف واجه الفن سطوة السياسة؟

مشاهدة

15/10/2018

تلعب السينما أحياناً أدواراً تتجاوز التسلية وطرح الأسئلة، لعلّ أكثرها أهمية تحليل الواقع واستشراف المستقبل، وتبدو هذه المهمة شديدة التعقيد في دول الحكم الشمولي في سبيل التغلب على مقص الرقيب، وهو ما شهدته سوريا منذ حقبة السبعينيات مع تجارب "مختلفة" عن السائد، من خلال مخرجين متميزين، أمثال؛ عبد اللطيف عبد الحميد، وعمر أميرلاي، الذين بقيت أعمالهم تدور في فلك المواطن السوري، وإن من خلال هوية فرضت عليهم غالباً، لكن التحايل الفني مكّنهم أحياناً من تجاوز عوائق السياسة. ما عقّد مهمة السينما في نظر صانعيها، وجعل قدرتها على التعبير بجرأة، عملية محفوفة بالخيال والجنون والخوف أيضاً.

الهروب إلى التاريخ
تدور معظم المواضيع المبكرة للسينما السورية، حول التحرر من نير العثمانيين، ثم الفرنسيين، وما بين هاتين المرحلتين من هجراتٍ داخلية وخارجية، وتبدّل في أحوال الناس الفقراء الذين أنهكوا وهم يلاحقون أحلامهم، التي ضاعت بعد سقوط الوحدة بين مصر وسوريا، كما أنها أول سينما عربية جعلت فلسطين في مرمى أحداثها منذ انطلاقتها بعد إنشاء المؤسسة العامة للسينما في العام 1963.

تدور معظم المواضيع المبكرة للسينما السورية حول التحرر كما كانت فلسطين حاضرة منذ البداية في الأفلام

فيلم "رجال تحت الشمس"، وكذلك "السكين"، تم إنتاجهما في العامين 1970 و1971 على التوالي، الأول عن رواية الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، والثاني مأخوذ عن قصة "ما تبقى لكم" لكنفاني أيضاً.
وفي كتابه "تاريخ السينما السورية"، يقول الكاتب السوري "جان ألكسان"، إنّ الفيلمين حاولا "العمل دون مباشرة أو خطابية فنية ولا مشهدية" وهو ما سوف يميز السينما السورية بمعظم أعمالها لاحقاً.

اقرأ أيضاً: 14 فيلماً جسدت صورة الإرهابي في السينما المصرية.. تعرّف عليها 


ويعرض ألكسان، في كتابه، أهم أفلام السبعينيات، مثل "اليازرلي" و"يوميات قرية سورية" و"السيد التقدمي"، وتتضمن هذه الأفلام معالجاتٍ للحياة الريفية في سوريا ومعضلاتها من فقرٍ وتخلف وغيره، إضافةً إلى الصراع الاجتماعي من خلال مواجهات بين الإقطاع والفلاحين، يتخللها صعود بعض الريفيين إلى المدن وتحولهم إلى عمالٍ أو برجوازيين صغار يصطادون الفرص.

فيلم "القلعة الخامسة" اختبأ وراء الحقبة الزمنية من أجل تقديم نقدٍ شديد للقمع السياسي في المدينة

لكن البداية الحقيقية لاصطدام السينما بالواقع؛ سياسياً واجتماعياً، كانت مع فيلم "القلعة الخامسة"، الذي أُنتج العام 1978، وركز على مجتمع المدينة السورية عامة، ومعاناة التقدميين فيه من القمع السياسي لأي محاولة تحرر.
ورغم أنّ الفيلم تذرع بمعالجته للواقع السوري بعد جلاء الاحتلال الفرنسي من سوريا العام 1946، غير أنه يعمل بوضوح على نقد وضع سوريا في السبعينيات، وبقيت عبارة الممثل الرئيسي في الفيلم، عبد الفتاح مزين، عن ضرورة "مواجهة الطغاة جميعاً وإلا فإن الإنسان لا يمكن له احتمال وجوده في الحياة" مؤثرةً في تجارب سينمائية لاحقة.
من فيلم القلعة الخامسة: 

 

 

وبالانتقال إلى الثمانينيات يتجه فيلم "أحلام المدينة"، وهو من إخراج محمد ملص في العام 1983، للحديث عن العنف الفردي والفروقات الاجتماعية والفكرية في المجتمع السوري عقب الوحدة مع مصر العام 1963، ويحاول إلغاء النظرة السحرية للوحدة، في ظل مجتمعٍ سوري تجمعه هوية عامة مفروضة (سياسياً) دون مراعاة عوامل الانسجام والوحدة الداخلية قبل كل شيء.

اقرأ أيضاً: واقع الحشيش وصور الحشاشين في السينما المصرية .. أشهر الأفلام

السينما السورية، بعد سلسلة أفلامٍ ركزت على فلسطين من ناحية، وعلى التحرر الوطني والمشاكل الاجتماعية بعد الاستقلال من جهةٍ أخرى، أخذت تركز أخيراً على سرد "الواقع الاجتماعي والسياسي" من خلال الفرد والمكان، وهو ما نجح فيه المخرج عبد اللطيف عبدالحميد، في فيلمه "صعود المطر" العام 1995، حيث يختصر واقعياً، يأس الإنسان الذي أصبح مثقفاً أو واعياً بتعقيدات العالم من حوله، وتبدو هزيمته شخصية من خلال ظروفه الصعبة، ومحلية أو وطنية بسبب القمع والفساد، وعالمية؛ لأن هزيمته العسكرية والسياسية سببها هذا العالم بنظره.
من فيلم أحلام المدينة: 

 

 

ورغم وجود أفلامٍ رمزيةٍ أحياناً، وجريئة أحياناً أخرى، ساهمت المؤسسة العامة للسينما في سوريا بإنتاجها، غير أنّ بعض التجارب الفردية والمستقلة، سوف تقترب أكثر من فكرة ذلك الخطأ المحتمل  في سوريا، الذي لا يريد أحد الإشارة إليه فنياً.

عطش رغم الطوفان
يتضح أنّ السينما السورية فككت السياسي ووضعته كحجر زاوية في مسيرتها الطويلة، غير أنّ المخرج السوري الراحل عمر أميرلاي (1944 – 2011)، قدم تجربة مميزة ومختلفة.
أميرلاي، أنتج العام 1970 فيلماً تسجيلياً عن بناء سد الفرات، وحاول من خلاله رصد ما سوف يقدمه هذا السد من خيراتٍ للأرض المحيطة به، موثقاً كذلك أحد أول وأهم إنجازات ما سمي حينه بـ "الحركة التصحيحية"، التي دشنت سلطة حزب البعث والرئيس السوري حينذاك؛ حافظ الأسد.
أميرلاي، عاد بعد مرور  35 عاماً على فيلمه الأول، ليرى أن كاميرته لم تقم بتسجيل شيء سوى الوهم، فأنتج فيلماً تسجيلياً آخر، هو "طوفان في بلاد البعث".

طوفان في بلاد البعث: 

 

 

بجرأة وجمالية، يقوم أميرلاي هذه المرة بالعودة إلى قرية "الماشي"، الواقعة على ضفة الفرات وقرب السد، ويترك الكاميرا لتتجول، حتى يصل إلى رجلٍ يدعى "ذياب الماشي"، وهو مختار تلك القرية، وعضو في مجلس الشعب السوري منذ العام 1954، ولا يزال.

ويصف الرجل نفسه بأنه أقدم سياسي حيٍ منذ القرن الماضي، ويتركه أميرالاي على سجيته، مركزاً على وجهه المجعد، ليسرد الرجل أفضال الرئيس والسد، وما منحه للقرية والناس من عطايا منذ "التصحيح"، ثم يقول إنه ليس متعلماً، لكنه يبقى طوال الحديث مادحاً للرئيس، الذي تكشف الكاميرا أنه بنى سداً بين الناس والواقع.

يتنبّأ المخرج أميرلاي من خلال الكاميرا بطوفان قادم يكشف عن خطأ لم يرد أحد رؤيته أو تصحيحه في سوريا

التصدع في السد، يبدأ من رجلٍ آخر، لا يذكر اسمه، تراقب الكاميرا وجهه وهو يتحدث عن بيوتٍ اختفت تحت الماء بسبب عيوب سد الفرات العظيم، ثم يطلق أميرلاي سراح الكاميرا، لتتجول في القرية الفقيرة، بين الشوارع والأطفال، وفي مدرستهم؛ حيث لا يوجد أثر للتطور الزراعي والاقتصادي الذي وعدت به الحركة التصحيحية، وتبقى المشاهد خاوية، إلا من هتافات الأطفال الصباحية في المدرسة، لحزب البعث وشعاراته، ولأهمية القائد وإنجازاته.
المكان في الفيلم، يراوح بين المدرسة، وماء نهر الفرات، بانتظار الطوفان، الذي استشرفه أميرلاي مبكراً؛ إذ ثمة خطأ لم يتصحح كما يرى المخرج، ثمة فشلٍ يتم الهتاف لأجله وتمجيده، ولن تنكشف حقيقته، إلا حين يتفجر الطوفان.

اقرأ أيضاً: "وحوش بلا وطن".. السياحة في متحف الحرب

بعد أحداث "الربيع العربي"، والحرب السورية الضارية ضد نظام بشار الأسد، أخذت السينما السورية مناحي مختلفة، وراوحت أفلام عديدة أنتجت داخل سوريا وخارجها، بين توصيف الخراب، أو مديحه، أو توجيه الاتهام لطرفٍ ما من أطراف الحرب.
وخلال تاريخها، حصدت السينما السورية جوائز محلية وعالمية، وتنوعت إنتاجاتها، التي ظل معظمها في إطارٍ سياسي اجتماعي، غير أنّ أميرلاي شكل حالة مهمة؛ لأنّه أشار مبكراً إلى الصدع الذي أخذ بالتوسع في جسد البلاد، إلى أن تفجر كل شيء خلال الأعوام الأخيرة، وبدأت السينما بعد العام 2012، تجمع الشظايا، محاولة تكوين صورة ما عن سوريا، وعن الطوفان الذي اقتحم البلاد، وربما جرف معه أسطورة "البعث".

الصفحة الرئيسية