الدبلوماسية المصرية تعود من غزة

الدبلوماسية المصرية تعود من غزة

مشاهدة

22/05/2021

جويس كرم

طوال 11 يوما من البطش والتدمير وسفك الدماء بين إسرائيل وحماس، كانت مصر تتحرك وبهدوء وتأني على المسارات الثنائية والإقليمية والدولية، لمنع كارثة إنسانية في قطاع غزة، في جهود أثمرت هدنة بين الأطراف. 

اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في الساعات الأخيرة من ليل الخميس هو بالدرجة الأولى اتفاق برعاية وجهود مصرية هي الأكبر دبلوماسيا للقاهرة منذ تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014. 

فبين حرب 2014 وحرب 2021، هناك فوارق شاسعة في أداء الدبلوماسية المصرية. إذ بدل حرب السبعة أسابيع يومها، اقتصرت المعارك هذه المرة على أسبوع ونصف. وبدل الاجتياح البري لإسرائيل الذي أدى إلى قتل أكثر من ألفي فلسطيني، تفادت غزة كارثة إنسانية بهذا الحجم اليوم. 

الدبلوماسية المصرية كانت حاضرة قبل الغليان، محذرة مع الأردن العواصم الغربية منذ شهور من مغبة تجاهل ما يجري في القدس والشيخ جراح. واشنطن المنشغلة بتحديات داخلية وخارجية وتخشى مواجهة مع بنيامين نتانياهو، تجاهلت التحذيرات في بداية أبريل إلى حين اشتعال أزمة الأقصى. من ذلك الوقت، ومصر والأردن تعملان على إطفاء الحريق الذي امتد لحدودهما. 

الدور المصري في المفاوضات تجلى في فتح قنوات استثنائية أمنية وسياسية من موسى أبو مرزوق إلى إيمانويل ماكرون. جسور مصر مع كافة الأطراف سهلت عودة دورها الاستخباراتي والسياسي، الذي كان حاضراً في عهد مبارك. واستكملته هذه المرة إضافة أوجه اقتصادية، بتخصيص 500 مليون دولار لجهود إعادة الإعمار في غزة. 

إقليميا، مصر استفادت من تراجع ملحوظ في دور تركيا في غزة الداخل. فخلافاً للمواجهات السابقة، غابت أنقرة بالكامل عن الجهود الدبلوماسية هذه المرة، ولم تتلق حتى اتصالاً واحداً من باريس أو واشنطن، فيما حليفها إسماعيل هنية الجالس في الدوحة، لم يكن ممسكا هو الآخر بقرار الحرب والسلم. 

حتى إيران، وعدا عن تغريدات جواد ظريف والذبذبات عبر الحدود السورية واللبنانية، لم يكن لها حضور فعلي في إطالة الحرب أو إيقافها. 

مصر وظفت علاقاتها واستخباراتها لإبرام اتفاق، وأيضا لحصد نقاط دبلوماسية هامة تعزز موقع السيسي اليوم. فبعد اتصالات ولقاءات مع ماكرون وطرح مسودة قرار فرنسية-مصرية-أردنية في مجلس الأمن، اتصل بايدن بالسيسي يوم الخميس، في أول مكالمة بين الرجلين منذ تولي بايدن الرئاسة في يناير. 

اتصال بايدن-السيسي كان تأخر من الطرف الأميركي بسبب قضايا حقوق الإنسان، والعلاقة المصرية-الروسية وانعطاف بايدن عن مسار ترامب.

وجاءت حرب غزة لتقلب كل هذه المعادلات. فأمن إسرائيل هو خط أحمر أميركيا، ومنع اندلاع حرب طويلة هو أولوية لإدارة بايدن أكبر من تحفظاتها على رصيد السيسي في حقوق الإنسان.

واشنطن ترى أيضا فرصة سياسية اليوم للعمل على إحراز تقدم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدل انتظار الانفجار المقبل. من هنا سيتجه وزير الخارجية أنتوني بلينكن في زيارة أولى لإسرائيل وفلسطين الأسبوع المقبل. 
وهذا يعني الحاجة المتبادلة بين واشنطن والقاهرة لترتيب البيت الفلسطيني، والدفع بالمفاوضات في حال وصلنا إلى ذلك.  الخطوة الأولى اليوم هي إرساء التهدئة، إطلاق جهود إعادة الإعمار في مؤتمر قد تستضيفه مصر ومصالحة البيت الفلسطيني. 

دبلوماسية مصر أنهت مسلسل الرعب في غزة، وأعطت السيسي والقاهرة زخماً دوليا. البناء عليه بالدفع بقطار المفاوضات فيه مصلحة مشتركة للجميع لتفادي اشتعال جولة خامسة بين حماس وإسرائيل في السنوات المقبلة.

عن "الحرة"

الصفحة الرئيسية