الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة... شواهد تكذب الدعاية الصهيونية

فلسطين

الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة... شواهد تكذب الدعاية الصهيونية

مشاهدة

18/10/2018

"ما كان لبيروت أن تصبح عاصمة الثقافة العربية إلا بعد سقوط مدينة حيفا" هذا ما قاله الباحث اللبناني، سمير قصير، عن حيفا في كتابه "تاريخ بيروت".
وها هو المؤرخ الفلسطيني، هشام شرابي، يصف الحياة الثقافية في مدينة يافا، في كتابه "يافا؛ عطر مدينة"، حيث يقول: "كان هناك عدد من النوادي الرياضية، كانت النوادي تقيم المحاضرات والندوات، وبعضها يقدّم الروايات التمثيلية، وكانت يافا مركز الصحافة في فلسطين".
الكم الكبير من أسماء المؤلفين والأدباء وفرق المسرح والصحف وعدد المدارس...، قبل العام 1948، ليس في يافا فحسب؛ بل في فلسطين، يدحض الدعاية الصهيونية، التي تزعم أنّ فلسطين كانت "أرضاً خربة، لم تعمّر إلا على أيديهم".
فما هي أبرز ملامح ومظاهر النهضة الثقافية الفلسطينية؟ وكيف كان الازدهار والنشاط الثقافي قبل النكبة التي مر عليها سبعون عاماً؟

تبلور وتصاعد الحراك الثقافي
تعود  بدايات النهضة الثقافية في فلسطين إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد تأسّست بفعل عوامل كثيرة؛ من تزايد عدد الإرساليات والمدارس التي رسّخت لها وأقامتها، إلى دخول المطابع، ثم تأسيس الجمعيات والنوادي والحركات السياسية، التي كانت تتطور على وقع تطوّر الأحداث السياسية في البلاد، إضافة إلى التحوّلات على المستوى الحضاري؛ من دخول الكهرباء إلى الطُرُق والمواصلات، وإقامة الموانئ الحديثة، كلّ ذلك كان له الأثر في إعادة صياغة بنية المجتمع وتطوّر المدن وتبلور هوية الشعب وقضاياه، ليتبلور الحراك الثقافي الفلسطيني منذ ذلك الحين ويتصاعد.

اقرأ أيضاً: كيف اختلفت زها حديد عن سائر روّاد العمارة؟

يافا في القرن التاسع عشر

مركز الصحافة الفلسطينية
ترتبط الصحافة بحياة الناس اليومية، وبقضاياهم الراهنة، لذلك يرتبط ازدهار الصحافة بازدهار النشاط الثقافي؛ فهي الدافع الأوّل لدعم وتشجيع ونشر أنماط الكتابة الحديثة، وفي طليعتها فنّ المقالة، التي ساهمت في دعم حركة التحديث الفكري والأدبي.

اقرأ أيضاً: " 4 نساء من مصر".. تحوّلات السياسة والمجتمع عبر نصف قرن
تدفع المقالة إلى تجديد الموضوعات، فتحتّم على الكُتّاب تناول القضايا الراهنة ذات الارتباط بحياة الناس، وهو ما كان مفتقداً في الكتابة التقليدية، وفي فلسطين، لكنّ الصراع على الاستقلال والمواجهة مع سلطة الانتداب والحركة الصهيونيّة أدّى إلى زيادة الوعي السياسي، ونشوء الأحزاب، وعقد المؤتمرات، وإقامة الجمعيات، فتسبّب بدفعة كبيرة في حركة صدور الصحف والمجلات، التي يذكر كامل السوافيري، في كتابه "الأدب العربي المعاصر في فلسطين"، أنّ "عددها وصل إلى 22 مجلة و57 صحيفة، خلال فترة الانتداب"، وقد استقطبت الصحف الفلسطينية الشعراء والأدباء والمثقفين، الذين بادروا للكتابة ونشر المساهمات فيها، فكانت من أهم الوسائل التي ساعدت في تحقيق النهضة الثقافية في فلسطين.

استقطبت الصحف الفلسطينية الشعراء والأدباء والمثقفين، الذين بادروا للكتابة فيها فكانت أهم الوسائل في تحقيق النهضة الثقافية

تعدّ يافا مركز الصحافة الفلسطينية، تليها القدس وحيفا، ومن أشهر أسماء الصحف التي كانت تصدر في ذلك العهد: الكرمل، والدفاع، والشعب، واللواء، والعرب، وصوت الشعب، والميزان، والجهاد، وفلسطين، أما أشهر المجلات فكان منها: النفائس العصرية، والأصمعي، والدستور، والحرية، والرأي العام، والمنتدى، والمستقبل، والفجر.
يضاف إلى ذلك، الصحف والمجلات المصرية، التي كانت تصل إلى المدن الفلسطينية في ذات اليوم الذي تصدر فيه، كالأهرام، والبلاغ، والمصري، ومن المجلات: الهلال، والمقتطف، والرسالة، والهلال، والسياسة، والثقافة، التي تأثر بها المثقفون في فلسطين، فكان لها الدور الكبير في نشر الأفكار والاتجاهات الحديثة التي كانت مصر الرائدة فيها على مستوى الشرق.

أسس خليل بيدس مجلة النفائس العصرية في القدس عام 1908

ازدهار حركة الترجمة
تعدّ الترجمة من أهم محركات ومظاهر النهضة الثقافية في فلسطين قبل النكبة، وقد كان لازدهار حركة الترجمة لكتب الفكر والأدب الحديث أثراً كبيراً في الثقافة الفلسطينية، وبرزت أسماء فلسطينية عديدة في هذا الميدان، ما تزال إسهاماتهم مؤثرة إلى اليوم على مستوى المكتبة العربية؛ بدايةً من خليل بيدس (1874 -1949)، رائد الترجمة عن الروسية، الذي درس في المدرسة الأرثوذكسية الروسية في الناصرة، وأتقن اللغة الروسية، وبادر لترجمة عيون الأدب الروسي مباشرة عن اللغة الروسية، فترجم أعمال تولستوي، وبوشكين. أما عادل زعيتر (1895 - 1957)، فكان يتقن التركية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، وكانت معظم ترجماته عن الفرنسية، تلتها الألمانية، ومن أشهر الكتب التي ترجمها: كتاب "روح الشرائع" لمونتسكيو، و"العقد الاجتماعي" لروسو، و"حضارة العرب" لغوستاف لوبون، و"حياة محمد" للكاتب الأمريكي واشنطن إيرفينغ. وأثناء دراسته في الكلية العربية في القدس، قام إحسان عباس بترجمة كتاب "الدولة الأموية" للمستشرق الألماني فلهاوزن، عام 1938، وفي مطلع الأربعينيات أنهى ترجمة ودراسة لكتاب "الشعر" لأرسطو.

اقرأ أيضاً: تعرف على قصة حياة "شيخ النُقّاد والمحققين العرب".. إحسان عباس
كما برز اسم عنبرة سلام الخالدي (1897 - 1986)، كأوّل مترجمة، مع ترجمتها "إلياذة هوميروس"، ومن الأسماء التي برزت ضمن هذه الحركة أيضاً: عجاج نويهض، المؤرخ والكاتب اللبناني، الذي انتقل إلى القدس ليعيش فيها خمساً وعشرين عاماً، حتى عام 1948، ومن أشهر ما ترجمه كتاب "حاضر العالم الإسلامي" للمؤرخ الأمريكي "لوثروب ستودّارد".

من اليمين: خليل بيدس وعادل زعيتر

نشاط أدبي واسع
وشهدت فلسطين في ذلك العهد حركة ونشاطاً أدبياً واسعاً، شمل مختلف أجناس الأدب وفنونه، بما في ذلك دراسات النقد الأدبي والأدب المقارن؛ فبرز في هذا الميدان، الأديب والتربوي المقدسي، خليل السكاكيني (1878-1953)، الذي حمل لواء الاتجاه إلى التجديد في الأسلوب والموضوع، والتطوّر مع روح العصر ومقتضيات الزمن، وقد أثار السكاكيني قضايا نقدية عديدة مثل: تحديد طبيعة الأديب، والكاتب، والشاعر، وقضية الشعر وأنواعه، والكلام وأنواعه، والأسلوب، وغيرها من قضايا النقد. أما في مجال الأدب المقارن وتاريخ الأدب، فقد ظهر كتاب مهم من تأليف روحي الخالدي (1864 - 1913)، وهو كتاب "علم تاريخ الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوجو".

القصة والرواية
خليل بيدس؛ رائد القصّة الحديثة في فلسطين، ويُعزى له فضل كتابة أوّل رواية فلسطينية معروفة، وهي رواية "الوارث"، التي طبعت في القدس عام 1920، كما كتب بيدس قصصاً قصيرة، ونشر أول مجموعة منها بعنوان "آفاق الفكر" في القاهرة، عام 1924، وبادر بيدس، عام 1908، إلى إصدار مجلة "النفائس العصرية" الأسبوعية، التي كانت أول مجلة أدبية متخصصة.
في حين ألّف المفكر والكاتب، عزة دروزة، المولود في نابلس، روايات قومية تمجّد العروبة، وتعبّر عن المطامح القومية والرغبة في النهوض، فكانت أبرز أعماله الروائية؛ رواية "وفود النعمان على كسرى أنوشروان"، المنشورة عام 1911، و"السمسار وصاحب الأرض"، المنشورة عام 1913، وقد كتبهما في فترة مبكرة من حياته.

خليل بيدس؛ رائد القصّة الحديثة في فلسطين، ويُعزى له فضل كتابة أوّل رواية فلسطينية معروفة، وهي رواية "الوارث"

أما الرواية الفلسطينية الأشهر والأبرز في هذا العهد، فكانت من للأديب "إسحاق موسى الحسيني"، وهي بعنوان: "مذكرات دجاجة"، المنشورة عام 1943، وقد حازت هذه الرواية، التي كتب مقدمتها طه حسين، على شهرة واسعة في العالم العربي بعد صدورها، وأعيد طبعها عدة مرات.
وترى سلمى الجيّوسي، في موسوعتها "الأدب الفلسطيني المعاصر"، أنّه "لربما كانت هذه الرواية أول عمل قصصي معاصر يستفيد استفادة مباشرة من التراث الأدبي العربي، فهي قصة ترميزية على غرار كليلة ودمنة لابن المقفّع، حيث تروي الأحداث على لسان الحيوانات، والحيوان في المذكّرات دجاجة، تُظهر قدراً كبيراً من الحكمة والميل لعمل الخير والقدرة على الحكم الصائب بشأن القضايا الأخلاقية والوجودية".

الحركة الشعرية.. تحرر وتجديد 
لم تكن فلسطين بمعزل عن حركة التحديث والتجديد الشعري العربية، فقد برز عدد من الشعراء الذين عمدوا للتحرر من القيود والزخارف اللفظية، والمحسنات البديعية، واتجهوا نحو التجديد في المضمون، والتعبير عن الأحداث.
وكان في طليعة روّاد حركة الشعر الحديث في فلسطين، إبراهيم طوقان، شاعر فلسطين، بزغ اسمه منذ كان طالباً في الجامعة الأمريكية ببيروت، في الفترة بين 1924 و1929، واشتهر بسبب قصيدته "الثلاثاء الحمراء" (1930)؛ التي نظمها إثر إعدام أبطال ثورة النبي موسى في سجن عكا.

اقرأ أيضاً: حمد الجاسر: أول طالب سعودي في كلية الآداب بالقاهرة
كما برز الشاعر عبد الرحيم محمود (1913-1948)، وقصيدته المشهورة "الشهيد"، التي كان مطلعها: "سأحمل روحي على راحتي.. وألقي بها في مهاوي الردى"، وقد كتبها مع اندلاع أحداث ثورة 1936، التي كان منخرطاً في صفوفها، كما برزت في هذه الفترة أسماء أخرى؛ مثل عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، الذي اتسّم شعره بوضوح المعنى، والنغمة الأخاذة، واللغة المتينة، والخيال المبتكر.

شاعر فلسطين.. إبراهيم طوقان

السياسة والتاريخ.. أسماء عديدة
أسماء فلسطينية كثيرة سطعت في سماء الكتابات السياسية والتاريخية؛ مثل روحي الخالدي، ونجيب نصّار، وهما من طلائع الأسماء التي برزت في هذا المجال؛ فقد ألّف الخالدي كتاب "أسباب الانقلاب العثماني"، عام 1908، وكتب نصّار "الصهيونية" عام 1911.

يمتدّ النشاط المسرحي الملحوظ في مدينة حيفا إلى العشرينيات من خلال تأسيس "جمعية التمثيل الأدبي" ثم جمعية "الرابطة الأدبية"

كما برز مبكراً اسم المؤرخ الفلسطيني "بندلي الجوزي" (1871 - 1942) في مجال التاريخ وتاريخ الأفكار، وقد تعرض الجوزي للاضطهاد من قبل السلطات العثمانية، فاضطر للاستقرار في روسيا، وعمل أستاذاً مساعداً لمادة الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة قازان، بين عامَي 1911 و1917، ثم انتقل بعد ذلك إلى كلية الآداب والتاريخ، وحاضر في تاريخ شعوب الشرق الأدنى حتى عام 1920، ليصبح بين عامَي 1930 و1933 رئيساً للقسم العربي من فرع أكاديمية العلوم في أذربيجان، ومن أشهر ما كتب: "من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام"، الصادر عام 1928، ورسالة الدكتوراه "المعتزلة؛ البحث الكلامي التاريخي في الإسلام"، التي أعدّها عام 1899.
ومن طلائع المؤرخين كذلك؛ أكرم زعيتر (1909- 1996)، ومن كتبه "تاريخنا"، المنشور عام 1935، و"التاريخ الحديث"، المنشور عام 1940، واشتهر زعيتر أيضاً بكتاب "رسالة في الاتحاد" الذي كتبه بالاشتراك مع منظّر القومية ساطع الحصري.
وبرز من المؤرخين الفلسطينيين قبل النكبة أيضاً؛ عارف العارف، المقدسيّ الذي تخصص في كتابة تاريخ جنوب فلسطين، فنشر -عام 1941- كتابه "تاريخ بئر السبع وقبائلها"، كما كتب "تاريخ غزة"، و"الموجز في تاريخ عسقلان". وبرز اسم نقولا زيادة، بكتاب "العالم القديم"، الصادر في جزأين، عام 1942 في يافا، وكتاب "رواد الشرق العربي في العصور الوسطى" عام 1943 في القاهرة، و"وثبة العرب" عام 1945 في القدس. وفي نهاية هذا العهد، عام 1947، نشر مصطفى الدباغ موسوعته التاريخية-الجغرافية القيّمة "بلادنا فلسطين".

السينما.. دور العرض وبدايات الصناعة
انتشرت دور السينما في معظم مدن فلسطين، وكانت تعرض الأفلام العربية والعالمية، وفي يافا تجمعت دور السينما في شارع جمال باشا، وكان من أشهر أسماء دور العرض: سينما الحمرا، وسينما الرشيد، وسينما نبيل، وسينما الفاروق، وسينما الشرق، وسينما أبوللو. أما في صناعة السينما، فكان إبراهيم حسن سرحان أول فلسطيني ينتج فيلماً، وذلك في عام 1935، حين قام بتصوير فيلم مدته 20 دقيقة عن زيارة الملك عبد العزيز آل سعود لفلسطين، وتنقّله بين اللد ويافا.

اقرأ أيضاً: تيسير السبول: سار مع الوهم وانتحر بعد هزيمة العروبة
وصنع إبراهيم فيلماً روائياً بعنوان "أحلام تحققت"، وفيلماً وثائقياً عن عضو الهيئة العربية العليا، أحمد حلمي عبد الباقي، ثمّ أسّس "ستوديو فلسطين"، وقام بإنتاج فيلم روائي بعنوان "عاصفة في بيت"، وبعض الأفلام الإعلانية القصيرة، قبل أن يتوقف الاستديو عن العمل بعد نكبة 1948.
أما الرائد الثاني للسينما الفلسطينية؛ هو أحمد الكيلاني، الذي درس الإخراج والتصوير السينمائي في القاهرة، وتخرّج عام 1945، ثم عاد إلى فلسطين ليؤسس مع شركاء "الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية"، التي أنتجت، عام 1946، أوّل فيلم روائي فلسطيني، وهو "حلم ليلة"، من إخراج صلاح الدين بدرخان، وقد عُرض في القدس ويافا وعمّان.

اقرأ أيضاً: مَن كان يقود الفلسطينيين في مواجهة الانتداب الإنجليزي؟
ومن الأسماء الفلسطينية الرائدة في صناعة السينما، نذكر: محمد الكيالي، الذي سافر إلى إيطاليا لدراسة السينما، وبعد عودته تعاون مع مكتب الجامعة العربية، الذي كلفه بإخراج فيلم عن القضية الفلسطينية، لكنّه لم ينجز بسبب نكبة 1948.

إبراهيم حسن سرحان.. أول صانع أفلام فلسطيني

المسرح.. كُتّاب وفرق تمثيل
شهدت الحركة المسرحية الفلسطينية نشاطاً واسعاً قبل النكبة؛ فظهرت أسماء عديدة من الكتّاب المسرحيين، مثل: جميل البحري، وبرهان العبوشي، ومحمد حسن علاء الدين، ومحيي الدين الحاج عيسى، وعزيز ضومط. كما تأسست جمعيات تمثيلية كثيرة؛ كجمعية التمثيل الأدبي، وجمعية "الفنون والتمثيل" في القدس، التي قامت بتمثيل رواية عنترة بن شداد، وفرقة جمعية "الشبّان المسلمين" في يافا، التي مثلت رواية "دموع اليائسة"، وفرقة "النادي الساليسي"، التي قامت بتمثيل رواية "كسرى والعرب"، ورواية "انتقام الكاهن"، وقد لاقتا نجاحاً كبيراً، أما فرقة "نادي الشبيبة" في بيت لحم، فقد مثّلت رواية "عواطف الزوج" الاجتماعية، كذلك أدّت فرقة "نادي الشبيبة الأرثوذكسية" في غزة رواية "حمدان"، و"غانية الأندلس"، وفي عام 1919 مثلت الفرقة رواية "قاتل أخيه" لمؤلفها جميل بحيري، ومثّلت فرقة "النادي العربي" بالقدس رواية "مجدولين" على مسرح بستان الانشراح.

اقرأ أيضاً: الطباعة في الأردن وفلسطين.. استجابة نخبوية للإصلاح
ويمتدّ النشاط المسرحي الملحوظ في مدينة حيفا إلى العشرينيات؛ من خلال تأسيس "جمعية التمثيل الأدبي"، ثم جمعية "الرابطة الأدبية"، اللتين طلبتا، مع جمعيات أخرى، إلى الأديب جميل البحري بطلب وضع مسرحيات يجري إخراجها مسرحياً، لتعرض أمام الجمهور في المسارح؛ كمسرح "الكوليزيوم" في شارع اللنبي، ومسرح "الأمين"، أو في حدائق المنتزهات؛ كمتنزه "الانشراح"، ومتنزه "كراكن".
ولم يقتصر النشاط المسرحي على الإنتاج المحلي، وإنما حضرت إلى حيفا فرق مسرحية كثيرة، في مقدمتها: فرقة "رمسيس" المصرية، برئاسة عميد المسرح العربي الفنان يوسف وهبي.

جميل البحري.. رائد الكتابة المسرحية في فلسطين

يجتمع كل ما ذكر، ليظهر لنا غزارة الأسماء في مختلف ميادين الثقافة، ومدى الازدهار والنشاط الذي كانت عليه الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة، الذي كان مرتبطاً بنشاط وحيوية المجتمع الفلسطيني في شتى المناحي، قبل أن تقع كارثة 1948، التي حاول الصهاينة إثرها طمس تاريخ البلاد، وتغييب ثقافة المجتمع ونكرانها، واقتصاص معالمها وشواهدها، لكنّ الفلسطينيين تنبّهوا لضرورة التشبث بثقافتهم في وجه المحتل المغتصب، بل وإحياء تلك الثقافة بريّ جذورها الممتدة في الأرض رغم اقتلاع الفروع، وإن كان أكثرهم قد فعل ذلك من بلاد الشتات والمنفى، لتبقى القضية الفلسطينية حية حاضرة في وجدان الأجيال القادمة التي تحلم بالعودة والتحرر من نير الاحتلال.

الصفحة الرئيسية