"الحوار الوطني" بمصر.. خطوة نحو جمهورية ثالثة بلا إسلام سياسي

"الحوار الوطني" بمصر.. خطوة نحو جمهورية ثالثة بلا إسلام سياسي


06/07/2022

لم تمر هذا العام الذكرى الـ9 للإطاحة بالإخوان المسلمين مرور الكرام على الجماعة، المصنفة إرهابية في بعض الدول، فقد تلقت ضربة موجعة جديدة دفعتها خارج حدود "الجمهورية الثالثة"؛ إذ أعلن نقيب الصحفيين المصريين ضياء رشوان، المنسق العام للحوار الوطني في مصر، صراحة وبشكل لا لبس فيه، أنّه لا مكان للجماعة في الجمهورية الجديدة لأول مرة منذ تأسيس جمهورية مصر العربية في 1953.

وفي مؤتمر صحفي متلفز، قال رشوان: إنّ "المستثنى من حضور الحوار الوطني بإجماع أعضاء المجلس هو كلّ من مارس عنفاً أو حرّض عليه أو شارك فيه أو هدد به، وخاصة جماعة الإخوان في مقدمة من فعل ذلك، وهي مستبعدة من الحوار بحسب قرار المجلس، ولا يمكن للقتلة أن يكون لهم مكان في ساحة الحوار."

تصريحات رشوان حسمت الجدل الذي أثير على مدار الأسابيع القليلة الماضية حول إمكانية التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين، ولا سيّما في ضوء سعي جبهتي الجماعة الرئيسيتين في إسطنبول بقيادة محمود حسين، وفي لندن بقيادة إبراهيم منير، للتواصل مع دول عربية وأجنبية وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في ضوء الزيارة الوشيكة للمنطقة للرئيس الأمريكي جو بايدن، المعروف بدعمه للإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي التي دمرت سوريا، بإيعاز من هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد باراك أوباما، وفقاً لتسريب نشرته ويكيليكس، ضمن ما عُرف اصطلاحاً بـ"ثورات الربيع العربي" والتي كان الهدف منها تصعيد الإخوان المسلمين إلى الحكم في عدد من الدول العربية.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد كلّف، أواخر نيسان (أبريل) الماضي، إدارة المؤتمر الوطني للشباب بالتنسيق مع مختلف التيارات السياسية، الحزبية والشبابية، لإدارة حوار سياسي حول أولويات العمل الوطني خلال المرحلة الراهنة، غير أنّ السلطات المصرية تقول عادة إنّها تستثني من أيّ حوار سياسي كلّ من تورط بالإرهاب وحمل السلاح في وجه الدولة، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين المدرجة على قوائم الإرهاب المصرية.

 فئات أخرى

في حين أعلن رشوان صراحة استبعاد الإخوان من حضور الحوار الوطني، أشار إلى استبعاد فئة أخرى وهي "كلّ من لم يقبل شرعية الحكم بالبلاد وهو دستور 2014"، وهي الصفات نفسها التي تنطبق على الإخوان المسلمين كذلك وأنصارهم الذين لم يعترفوا بدستور ما بعد الإخوان.

أعلن نقيب الصحفيين المصريين ضياء رشوان، المنسق العام للحوار الوطني في مصر أنّه لا مكان للجماعة في الجمهورية الجديدة

وشدد منسق عام الحوار الوطني على أنّه "من يرفض شرعية الدستور، فهو انقلابي ويريد قلب نظام الحكم، فالحوار هو حوار، وليس قتالاً، والذي يقاتل ليس له مكان في الحوار."

الإسلام السياسي بالجملة

لم يستثنِ الحوار الوطني هاتين الفئتين فقط، فقد اتسعت الدائرة لتشمل كلّ تيارات الإسلام السياسي، وكلّ من يحاول زج الدين في السياسة.

 

رشوان: المستثنى من حضور الحوار الوطني هو كلّ من مارس عنفاً أو حرّض عليه أو شارك فيه، وخاصة الإخوان

 

ومن الواضح أنّ الحوار الوطني يسعى كذلك للتصدي للأحزاب ذات المرجعية الدينية، التي لطالما استغلت المساجد، واستباحت عقول البسطاء من الشعب المصري، لتحقيق مكاسب سياسية تنعم هي وحدها بها وتترك الشعب في جحيم الاختلاف والشقاق على أسس دينية، فقد أكد جودة عبدالخالق، وزير التضامن الاجتماعي السابق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، خلال المؤتمر، أنّ المستبعد من الحوار الوطني ليس الإخوان المسلمين فقط، وإنّما هناك أطراف أخرى تقوم بزج الدين في السياسة، وهم من يجب أن يتم استبعادهم فوراً من الحوار الوطني، مشيراً إلى أنّ "السياسة شأن المصريين جميعاً، بينما الدين شأن كلّ فرد بمفرده".

مسار مغلق

حديث منسق عام الحوار الوطني عن الدستور كان تمهيداً لحسم الجدل حول مناقشة مواد دستور 2014، فقد شدد رشوان على أنّ الدستور المصري "مسار مغلق لن نقترب منه".

 وتابع رشوان: "هناك مسار مغلق، ولن يتم الاقتراب منه؛ لأنّه أساس الشرعية، ودستور مصر ليس مطروحاً في أيّ مرحلة أو توقيت في هذا الحوار للنقاش حوله"، موضحاً: "الدستور تقوم عليه شرعية الحكم، وهي شرعية الدولة بعد الإطاحة بحكم الإخوان، وبالتالي فالدستور محترم من الجميع، وعليه إجماع بعدم المساس به، ولا يوجد على جدول أعمال الحوار شيء يتعلق بالدستور، فيما عدا إعمال الأحكام التي أتت به".

ولا تعترف جماعة الإخوان المسلمين بثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 التي أطاحت بالرئيس الإخواني محمد مرسي بعد عام واحد من تولّيه السلطة، كما لا تعترف بقرارات 3 تموز (يوليو) التي كانت تعبيراً وانعكاساً للإرادة الشعبية والجماهير التي خرجت في 30 حزيران (يونيو)، وبالتالي فهي لا تعترف بدستور 2014، ولم تتخلّ يوماً عن محاولاتها للإطاحة بنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

لا تعترف جماعة الإخوان المسلمين بثورة 30 حزيران (يونيو) 2013

وخلال المؤتمر الصحفي أكد محمد سلماوي الأديب والكاتب الصحفي أنّه "لا مرجعية أخرى لهذا الحوار غير الدستور... وهو دستور 2014 الذي نطقت كلّ مادة من مواده بخصائص المواد الديمقراطية الحديثة"، لافتاً إلى أنّ "محور القوى الناعمة يتعلق بهوية هذا الوطن، ويستمد من تاريخه الممتد ورؤيته في المستقبل، لنتعامل مع كافة مشكلاتنا."

وشدد سلماوي على أهمية التركيز على محور القوى الناعمة الذي يتضمن الثقافة والفنون والآداب والتعليم، وكلّ هذا الفكر الذي يصنع للمجتمع سياقاً لمعالجة المشاكل اليومية في مختلف المجالات، داعياً إلى منح فرصة لجلسات استماع بعض الأفراد العاديين، تُطرح ربما بالتوازي مع جلسات مجلس الأمناء لنستمدّ منهم أفكارهم وآمالهم.

 أبواب مواربة

قبل نحو أسبوع من انطلاق الجلسة الأولى للحوار الوطني أمس، وضع المعارض الناصري حمدين صباحي، مؤسس حزب الكرامة والتيار الشعبي، عدة شروط أمام جماعة الإخوان للانضمام إلى الحوار الوطني، وعلى رأسها الاعتراف بشرعية الرئيس السيسي، وثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وقرارات 3 تموز (يوليو) 2013 ودستور 2014.

ونقل موقع "صدى البلد" المصري عن صباحي قوله: "على الإخوان الاعتراف بدستور 2014 والاعتراف بشرعية السلطة التي يطلبون الحوار في ظلها".

 

تصريحات رشوان حسمت الجدل الذي أُثير على مدار الأسابيع القليلة الماضية حول إمكانية التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين

 

تصريحات صباحي، التي سبقت انعقاد أولى جلسات الحوار الوطني أمس، تركت الباب موارباً أمام احتمالية مشاركة الإخوان في حالة اعترفوا بشرعية الرئيس السيسي والدستور المصري وثورة 30 حزيران (يونيو) وقرارات 3 تموز (يوليو)، غير أنّه حتى ذلك الباب أغلقه رشوان بالكامل، مؤكداً أنّ كل من تورط في العنف بالممارسة والتحريض أو المشاركة والتهديد و"خاصة جماعة الإخوان الإرهابية"، لن يشارك في الحوار، وبالتالي، فإنّ رصيد الجماعة من العنف والإرهاب كافٍ وكفيل لإزاحتها إلى الأبد عن المشهد السياسي المصري، ولا سيّما بعدما تلطخت صورتها ويدها بدماء المصريين من المدنيين والعسكريين.

 لا أرضية للحوار

قبل أيام من انطلاق الجلسة الأولى للحوار الوطني، قال الرئيس السيسي خلال افتتاح أحد المشروعات التنموية الأحد الماضي: إنّ الإخوان رفضوا الحوار في بادئ الأمر، واختاروا "القتال"، في إشارة إلى طرحه مبادرة للحوار مع الإخوان قبل 3 تموز (يوليو) 2013، ورفض الجماعة الإنصات لهذه المبادرة متحصنين حول "مؤيديهم".

وتابع السيسي: "أطلقنا الحوار الوطني لمشاركة القوى السياسية والمفكرين والمثقفين باستثناء فصيل واحد فقط"، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين. وأوضح: "هذا سببه أنّ آخر ما قمت به في 3 تموز (يوليو) هو أنّني طرحت عليهم تصوراً يمكن من خلاله أن نتجاوز أزمتنا عبر إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بعد أن خرج الشعب إلى الشارع لإعطائه (الشعب) حقه بالتعبير عن رأيه... (وقلت لهم): أنتم تقولون إنّ لديكم مؤيدين وهذه مؤامرة، فلنكتشف المؤامرة، ولنُجرِ انتخابات رئاسية مبكرة، فإذا فزتم (تستمرون)، ولكن إذا لم ينتخبوكم، فسوف تكونون جزءاً من العملية السياسية في مصر"، على حدّ تعبيره.

الرئيس السيسي: الإخوان رفضوا الحوار في بادئ الأمر واختاروا القتال

وتابع السيسي: "لم يحصل ذلك، وقالوا: لا بل نقاتل...، وبما أنّهم قاتلوا، فالأرضية المشتركة من الحوار والنقاش غير موجودة؛ لأنّني أتحدث عن الحوار، وهم يتحدثون عن القتل، هذا أوّلاً، وثانياً: لو اتبعوا طريقتهم وانتصروا، فإنّهم لم يكونوا ليقبلوا بالحوار معي، وكانوا سيقولون: أنا انتصرت عليك بالقتال والقتل، ولن أحاورك".

مساحات مشتركة

بعيداً عن استحالة عودة الإخوان إلى المشهد السياسي المصري، فقد ركز الحوار الوطني كذلك على عدد من القضايا المهمّة، وفي مقدمتها حرية الإعلام، والإفراج عن المحبوسين في قضايا رأي، ففي حين أيد الكاتب الصحفي عبد العظيم حمّاد، أحد ممثلي الحركة المدنية، استبعاد الإخوان وأيّ جماعة لم تعترف بدستور 2014 ولجأت إلى العنف من الحوار، شدد على أنّ الحركة المدنية تؤكد أنّه "لا يجب أن يبدأ الحوار إلا بالإفراج عن المحبوسين في قضايا الرأي."

 

عبد الخالق: المستبعد من الحوار الوطني ليس الإخوان فقط، وإنّما هناك أطراف أخرى تقوم بزج الدين في السياسة

 

وأكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية على أهمية الوصول إلى "خريطة طريق" لمصر خلال الفترة القادمة، خاصة فيما يخص الأزمة الاقتصادية، وأيضاً الوصول إلى مخرجات حول إطلاق سراح مجموعة من المحبوسين على ذمة النيابة، وتحقيق أكبر قدر من الحريات لوسائل الإعلام المختلفة، وشددت الكاتبة الصحفية فاطمة السيد أحمد على أهمية التركيز على حرية الإعلام، أمّا النائبة البرلمانية أميرة صابر، ممثلة الشباب على طاولة الحوار الوطني، فقد قالت: "أتمنى من الشباب متابعي جلسات الحوار الاستمرار في المشاركة وإرسال المقترحات...، فنحن هنا موجودون لإيجاد مساحات مشتركة بيننا، وأتوقع أن تكون نتائج ومخرجات هذا الحوار مُرضية".

مواضيع ذات صلة:

"الإخوان" والقضاء ... صدام أم توظيف؟

منسق "الحوار الوطني" المصري يحسم قضية التصالح مع الإخوان... ماذا قال؟

"الإخوان المسلمون"... حركة اجتماعيّة أم تيّار ديني؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية