
تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وجماعة الإخوان المسلمين خلال السنوات الأخيرة من خلاف سياسي وفكري إلى صراع يرتبط مباشرة بملفات الأمن القومي الأمريكي ومكافحة الإرهاب وإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا. فالإدارة الأمريكية، خصوصاً خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، باتت تنظر إلى الجماعة باعتبارها شبكة عابرة للحدود تمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة التموضع داخل الأزمات والصراعات، مستفيدة من الجمع بين العمل السياسي والخيري والدعوي والتنظيمي في الوقت نفسه.
وتعكس استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية لعام 2026 هذا التحول بوضوح، إذ لم تعد واشنطن تتعامل مع الإخوان باعتبارهم مجرد حركة سياسية ذات مرجعية دينية، بل بوصفهم البيئة الفكرية والتنظيمية التي خرجت من رحمها غالبية التنظيمات الإسلامية المتشددة المعاصرة، بما في ذلك القاعدة وداعش وحماس وعدد من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط وأفريقيا. ووفق المقاربة الأمريكية الجديدة، فإنّ الخطر لا يكمن فقط في التنظيمات المسلحة، بل أيضاً في البنية الفكرية والتنظيمية التي تسمح بإنتاج التطرف وإعادة تدويره داخل بيئات سياسية واجتماعية مختلفة.
وترى واشنطن أنّ الجماعة نجحت لعقود في بناء شبكات نفوذ معقدة عبر المؤسسات الخيرية والإعلامية والتعليمية والدعوية، مع قدرة لافتة على تغيير خطابها وفق طبيعة البيئة السياسية المحيطة بها. ففي بعض الدول تقدم نفسها كحركة إصلاحية معتدلة، بينما تتحول في بيئات أخرى إلى حاضنة سياسية أو لوجستية أو فكرية لجماعات أكثر تشدداً، وهو ما تعتبره المؤسسات الأمريكية نموذجاً للانتهازية السياسية والتنظيمية التي تسمح للجماعة بالحفاظ على نفوذها مهما تبدلت الظروف.
استراتيجية أمريكية جديدة لتفكيك شبكات الإخوان
رغم حدة الخطاب الأمريكي تجاه الجماعة فإنّ إدارة ترامب لم تتجه نحو تصنيف شامل للتنظيم الدولي للإخوان، بل تبنت مقاربة انتقائية تقوم على استهداف الفروع التي ترى أنّ ارتباطها بالعنف أو بالتنظيمات المسلحة أكثر وضوحاً. وقد بدأ هذا المسار عبر أمر تنفيذي صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طلب من وزارتي الخارجية والخزانة دراسة تصنيف فروع محددة من الجماعة بدلاً من إدراج التنظيم العالمي بأكمله دفعة واحدة.
وفي كانون الثاني/يناير 2026 صنفت الولايات المتحدة "الجماعة الإسلامية" في لبنان، المرتبطة بالإخوان، منظمة إرهابية أجنبية (FTO) وكياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص (SDGT)، استناداً إلى اتهامات تتعلق بالمشاركة في هجمات ضد إسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وإعادة تنشيط جناحها العسكري "قوات الفجر"، إضافة إلى التنسيق مع حماس وحزب الله.
وقد صنفت وزارة الخزانة الأمريكية الفرعين المصري والأردني أنّهما "كيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص"، متهمة إيّاهما بتسهيل التمويل والتجنيد لصالح حماس، حتى وإن لم تُتهم هذه الفروع بالمشاركة المباشرة في عمليات عسكرية.
ويكشف هذا التدرج عن تحول في طريقة بناء الملف الأمريكي ضد الجماعة، إذ لم تعد واشنطن تعتمد على فكرة "التنظيم الموحد"، بل على تفكيك الإخوان إلى شبكات وفروع محلية يجري التعامل معها وفق معيار العلاقة بالعنف أو الدعم اللوجستي أو المالي للتنظيمات المسلحة.
وتنظر الولايات المتحدة إلى البنية الاقتصادية والإعلامية والخيرية للإخوان باعتبارها أحد أخطر عناصر قوتهم، إذ تسمح هذه الشبكات للجماعة بإعادة التموضع بسرعة بمجرد تعرضها للضغط أو الحظر، عبر واجهات قانونية واجتماعية يصعب استهدافها مباشرة.
السودان... بوابة التصعيد الأمريكي ضد الإخوان
يمثل السودان أحد أبرز الأمثلة على التصعيد الأمريكي الأخير تجاه الجماعة، بعدما صنفت واشنطن في آذار/مارس 2026 "الحركة الإسلامية السودانية" كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص، تمهيداً لإدراجها لاحقاً ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وجاء القرار الأمريكي في ظل اتهامات للحركة الإسلامية السودانية بالمشاركة المباشرة في الحرب الجارية داخل البلاد، عبر دعم "لواء البراء بن مالك"، الذي تعتبره واشنطن جناحاً مسلحاً مرتبطاً بالإخوان. ووفق وزارة الخارجية الأمريكية، دفعت الحركة الإسلامية بأكثر من 20 ألف مقاتل إلى الحرب، تلقى كثير منهم تدريبات ودعماً من الحرس الثوري الإيراني.
وترى الولايات المتحدة أنّ الحرب السودانية وفرت بيئة مثالية لإعادة تموضع الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والجيش، خصوصاً بعد سنوات من تراجع نفوذهم عقب سقوط نظام عمر البشير عام 2019. وتعتبر واشنطن أنّ إعادة فتح قنوات الاتصال بين الخرطوم وطهران أعادت السودان تدريجياً إلى دائرة النفوذ الإيراني، بما يشمل التعاون في مجالات التسليح والطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي.
وتربط دوائر أمريكية بين نشاط الإخوان في السودان وبين محاولات إيران توسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، عبر بناء شبكات عسكرية ولوجستية داخل السودان. وتتهم واشنطن الحركة الإسلامية السودانية بالاستفادة من الفوضى والحرب لإعادة بناء نفوذها داخل الجيش والأجهزة الأمنية، تحت عناوين "المقاومة الشعبية" و"الدفاع عن الدولة".
ويمثل هذا الملف بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية نموذجاً لما تعتبره "الشبكات الهجينة"، أي الكيانات التي تمزج بين النشاط العقائدي والعمل العسكري والاقتصادي، وتستفيد من انهيار الدولة والحروب لتوسيع نفوذها العابر للحدود.
الإخوان بين البراغماتية السياسية وشبكات النفوذ
تعتبر المؤسسات الأمريكية أنّ أحد أخطر جوانب الإخوان يتمثل في قدرتهم على التكيف مع المتغيرات السياسية بصورة براغماتية شديدة. ففي بعض السياقات يتحالفون مع السلطة، وفي سياقات أخرى يتبنون خطاب المعارضة والثورة، بينما تنتقل بعض الفروع من العمل السياسي إلى دعم الجماعات المسلحة بحسب طبيعة الصراع المحلي.
وتتهم واشنطن الجماعة باستغلال العمل الخيري والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية لبناء قواعد نفوذ طويلة المدى داخل المجتمعات، خصوصاً في البيئات الهشة التي تعاني من الفقر والانهيار المؤسسي. وترى أنّ هذه الشبكات تمنح الإخوان قدرة على البقاء وإعادة إنتاج حضورهم حتى بعد الحظر أو الضغوط الأمنية.
وفي هذا السياق يبرز البُعد المالي باعتباره أحد أهم ساحات المواجهة. فتصنيف "المنظمة الإرهابية الأجنبية" يتيح ملاحقة أيّ دعم مادي أو مالي قانونياً، ويلزم البنوك والمؤسسات المالية بتجميد الأصول والإبلاغ عن التحويلات المشبوهة. أمّا تصنيف "الإرهابي العالمي المصنف بشكل خاص"، فيسمح بفرض عقوبات مالية أوسع تشمل الكيانات المرتبطة بالأشخاص أو المؤسسات المدرجة على القوائم الأمريكية.
وتدرك واشنطن أنّ التأثير الأكبر لهذه العقوبات قد لا يكون سياسياً بقدر ما هو اقتصادي ومالي، إذ تميل البنوك العالمية إلى تجنب أيّ تعامل مع الكيانات المرتبطة بقوائم الإرهاب الأمريكية، حتى في الحالات التي لا يصدر فيها حكم قضائي مباشر.
ورغم ذلك، لا تخلو المقاربة الأمريكية من تعقيدات كبيرة، فبعض فروع الإخوان شاركت في الانتخابات والبرلمانات وتحالفت مع حكومات محلية، وهو ما يثير جدلاً داخل الأوساط الغربية حول الحدود الفاصلة بين الإسلام السياسي والعمل الإرهابي. غير أنّ الإدارة الأمريكية الحالية تبدو أكثر اقتناعاً بأنّ خطر الجماعة لا يرتبط فقط بالعنف المباشر، بل بالبنية الفكرية والتنظيمية التي تسمح بإنتاج شبكات قادرة على التغلغل داخل المجتمعات واستغلال الأزمات والتحالف مع قوى إقليمية متصارعة عند الحاجة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة والإخوان أقرب إلى "حرب باردة" متعددة الأدوات، تتداخل فيها العقوبات المالية والتصنيفات الأمنية والملاحقات القانونية مع الصراع على النفوذ السياسي والإعلامي والديني، في معركة مفتوحة تعكس إدراك واشنطن المتزايد بأنّ الجماعات العقائدية المرنة والقادرة على إعادة التموضع قد تشكل تهديداً طويل الأمد أكثر تعقيداً من التنظيمات المسلحة التقليدية.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)