التصعيد بين حزب الله وإسرائيل: السياقات والدلالات

التصعيد بين حزب الله وإسرائيل: السياقات والدلالات

مشاهدة

03/08/2020

 شهد الأسبوع الماضي تصعيداً معلناً بين إسرائيل وحزب الله في الجنوب اللبناني، وتحديداً في محيط مزارع شبعا، ولأسباب مرتبطة بتحول الصراع بما فيه العسكري بين الجانبين إلى ما بات يُعرف بالحروب "الغامضة" في المنطقة، فإنّ أحداً لا يملك رواية حقيقية تستطيع أن تصمد، سواء من قبل الجانب الإسرائيلي أو من جانب حزب الله، الذي نفى كلّ ما أوردته وكالات الأنباء، نافياً أن تكون قطاعاته العسكرية أطلقت أيّ مقذوفات على الجيش الإسرائيلي أو أن تكون إحدى مجموعاته العسكرية المقاتلة حاولت التسلل إلى الجولان، وأنّ الحزب ملتزم بقواعد الاشتباك المقرّة بين الجانبين.

دور حزب الله في سوريا والعراق أفقدت الحزب مساحات واسعة من شعبيته التي حققها عام 2006

على أيّ حال، ربما تكون الرواية الإسرائيلية أكثر دقة من رواية حزب الله، الذي يلتزم بالمناهج والمبادئ الإعلامية للمدرسة الإيرانية، بمعنى أنّ عملاً قد يكون تمّ بالفعل، أو كان يخطط لتنفيذه من مناطق مزارع شبعا اللبنانية، وتمّ إحباطه في اللحظات الأخيرة، خاصّة أنّ تلك العملية المفترضة جاءت بعد عملية للجيش والاستخبارات الإسرائيلية بقتل أحد كوادر حزب الله اللبناني قرب دمشق، وما أعقبه من تهديدات من حزب الله بردٍّ حاسم على إسرائيل، علماً أنّ تسريبات الردّ من قبل حزب الله كان معروفاً أنّها للاستهلاك المحلي فقط، إذ لا يردّ حزب الله بالعادة على مقتل أيّ من كوادره إلا إذا كان قيادياً بمستوى عماد مغنية، كما أنّ الضربات التي يتلقاها الحزب على طول وعرض مناطق انتشاره في سوريا لم تشكل دافعاً قوياً يوجب الردّ على إسرائيل، لأنّ ردّ حزب الله مرتبط بتعليمات وحسابات إيرانية دقيقة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتأهّب لمواجهة عسكرية محتملة مع حزب الله

 الحادثة والهواجس التي رافقتها من احتمالات نشوب حرب بين إسرائيل وحزب الله وإمكانية تكرار وقوع هكذا أعمال، "تحرّش من إسرائيل أو من حزب الله"، تبقى واردة، وتفتح الباب أمام دراسة احتمالات التصعيد ووقوع حرب شاملة، إذ تدلّ مؤشرات كثيرة على أنّ وقوع حرب شاملة بين الجانبين، على غرار حرب تموز عام 2006، غير واردة في المدى المنظور.

 فعلى صعيد حزب الله، فإنّ الحقيقة المؤكدة هي أنّ قراراً بشنّ حرب ضدّ إسرائيل ليس قرار الحزب، بل هو قرار تتخذه القيادة الإيرانية ولا علاقة للحزب به، وكلّ الحروب التي خاضها الحزب ضدّ إسرائيل كانت بتوجيه وتعليمات إيرانية، ولم تكن من أجل فلسطين ولا الأمّة العربية ولا الإسلامية، وتدلّ سياقات تطوّر الصراع بين أمريكا وإيران على أنّ القيادة الإيرانية، وبعيداً عمّا يصدره إعلام الثورة الإيرانية، فإنها تتجه للتفاوض والحوار مع واشنطن، وليس مواجهتها، بدلالة عدم القدرة على الردّ على التفجيرات الأخيرة التي طالت منشآت وقواعد للحرس الثوري الإيراني داخل إيران.

اقرأ أيضاً: مآلات التحرش الأمريكي الإسرائيلي بإيران وحزب الله

  كما أنّ الثورة التي يشهدها لبنان حالياً، والتي تشمل معاقل حزب الله، لا تساعد في تشكيل رأي عام داخل لبنان يؤيد الحزب، كما أنّ دور الحزب في سوريا والعراق وتورّطه في عمليات قتل على أسس طائفية ومذهبية أفقدت الحزب مساحات واسعة من شعبيته التي حققها عام 2006.

تدلّ مؤشرات كثيرة على أنّ وقوع حرب شاملة بين الجانبين على غرار حرب 2006، غير واردة في المدى المنظور

 أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فإنّ الارتباك الداخلي في إسرائيل في أعقاب تشكيل حكومة تناوب بعد انتخابات متكررة في إسرائيل، والضغوط التي يتعرّض لها نتنياهو على خلفية قضايا فساد، وما يوصف بفشله في إدارة أزمة كورونا، بالإضافة إلى كون قرار الحرب ليس بيد نتنياهو وحده، إذ إنّ القول الفصل في الحرب هو للمستويين العسكري والأمني، كما أنّ هناك قناعات إسرائيلية بأنّ مستقبل الصراع مع حزب الله سيبقى محكوماً بمستقبل الصراع مع إيران، كلّ ذلك يشير إلى أنّ احتمالات شنّ إسرائيل حرباً ضدّ حزب الله في المدى المنظور غير واردة، خاصّة أنّ إيران، ومعها حزب الله، تتلقى الضربات الإسرائيلية المتوالية في سوريا دون أن تقدم على أيّ ردٍّ، حتى بوجود قاسم سليماني "قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني"، الذي يبدو، وفقاً لكثير من المؤشرات، أنّ غيابه أظهر حالة الضعف التي يعيشها الحرس الثوري داخل إيران، وفي إدارة وكلاء إيران ومن بينهم حزب الله اللبناني.

اقرأ أيضاً: لبنان: إسقاط ورقة التوت المسيحية عن سلاح حزب الله

 ورغم هذه المقاربة التي تستبعد وقوع حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله في المدى المنظور، إلّا أنّ احتمالات وقوع اشتباكات محسوبة ومدروسة ومتفق على حدودها بين الجانبين عبر طرف ثالث تبقى واردة، وستخضع لمصالح شخصية لقيادة حزب الله وقيادة الحكومة الإسرائيلية، قياساً على أحداث سابقة كان واضحاً أنه تمّ الاتفاق خلالها على أعداد الصواريخ والقذائف ومواقع سقوطها، إلى درجة بناء الأهداف لتسهيل عمليات القصف من قبل كلّ طرف لصالح الطرف الآخر، وهي الطريقة الإيرانية التي تمّ استخدامها مع الجيش الأمريكي، بعد مقتل سليماني في بداية هذا العام بالعراق.

الصفحة الرئيسية