التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟

التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟

مشاهدة

09/02/2020

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد الخشت في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي،
أنّ التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية، والسؤال ماذا حدث قبل وبعد تلك الحملة يا فضيلة الإمام؟

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
نقول إنّ التراث تخلق في ضوء علاقة الوحي بحركة الاجتماع الإسلامي مع التراكم التاريخي الزمني، كما الفقه الإسلامي الذي جاء كنتاج تخلق الأحكام وفقاً لتطور حركة الاجتماع ليقدم لنا التشريعات الحاكمة للمجتمع في ظل تطور ظروفه التاريخية، وقد ظل هذه الأمر متبعاً حتى حلول الضعف في الدولة العثمانية، واحتكاكها بتطورات الحداثة الأوروبية، وتسارع مسار الحداثة مما أعَجز التراث الإسلامي على أن يظل حاكماً علي حركة الاجتماع، لعجز الفقه عن مسايرتها، وهو ما أدى إلى تراجع وانحسار دور الفقه في السيطرة على المجال العام الاجتماعي، وحدث تراجع تدريجي لأصحاب السلطة الروحية في السيطرة على حركة المجتمع، فدعونا نرى كيف حدث هذا؟

قبل الحملة الفرنسية بقرن كانت الحياة الدينية في الدولة العثمانية راكدة وخلت من أي اجتهادات حقيقية

ونفرد القول في هذه المسألة فنوضح أنّه قبل الحملة الفرنسية بقرن كانت الحياة الدينية في الدولة العثمانية حياة راكدة تقوم على الشروح والتلخيصات لمتون الكتب الدينية القديمة، وخلت من أي اجتهادات حقيقية لعلماء الدين، وقد وقفت سلطة شيخ الإسلام، رأس السلطة الدينية في الدولة العثمانية، عائقاً ضد قبول المستحدثات الجديدة التي فرضها الاحتكاك بأوروبا، فعجز اليهود العام 1494 عن إدخال المطبعة لأنّ شيخ الإسلام أفتى بتحريمها بدعوى أنّها سوف تؤدي إلى تحريف القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وأدّت هذه الفتوى إلى تأخير دخول طباعة التوراة في المطبعة حتى العام 1559، حين سمح سليمان القانوني لهم بطباعة التوراة بالعربية بترجمة سعديا الفيومي المصري؛ أي كان ذلك الفقه يعيق تطور حركة الاجتماع.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
وحين هُزمت الدولة العثمانية على حدود فيينا العام 1699، وفقدت بعدها الكثير من أراضيها، وكشفت الهزيمة عن ضعف الدولة، هنا رغب السياسيون في تحديثها، والخروج بها من حالة الضعف، فأرسلت السلطة العثمانية سفراء لها في أوروبا للاطلاع على سبل التقدم والتحديث، وهنا بدأ التحديث يفرض نفسه، فسافر محمد جلبي أفندي إلى باريس وسعى لإدخال الطباعة في الدولة العثمانية. وحاول إقناع المسؤولين بها.

تأخر دخول المطبعة إلى الدولة العثمانية أكثر من مئتي عام لأنّ شيخ الإسلام أفتى بتحريمها

ثم كتب الدبلوماسي والمثقف المعروف إبراهيم متفرقة رسالته عن (وسيلة الطباعة) العام 1726، ورفعها إلى الصدر الأعظم وشيخ الإسلام حول ضرورة إدخال فن الطباعة، ولم يصدر الفرمان بافتتاح المطبعة إلا بعد موافقة شيخ الإسلام بعدم طباعة الكتب الدينية بكل فروعها، وعين شخصاً بغرض الرقابة على منشورات المطبعة، وطُبعت الكتب الخاصة بالعلوم الدنيوية وتأخر طبع العلوم الدينية؛ كالفقه والتفسير والحديث، فترة من الزمن؛ لأنّها ظلت محرمة بعضاً من الوقت، وحاولت السلطة الروحية، ممثَّلة بشيخ الإسلام، أن تعيق دخول الحداثة إلى الدولة العثمانية باستمرار ولكن كانت حركة الاجتماع المتطور أسرع فكانت تنتصر دوماً.
وجاءت الصدمة الكبرى مع الحملة الفرنسية العام 1798 بعلومها الحديثة والتقنيات، وأسست المجمع العلمي، ومدارس الليسية، وغيرها من المستحدثات التي كان علماء الأزهر مندهشين مما رأوه منها، وهو ما لفت نظر الشيخ حسن العطار خاصة، فكيف سارت العلاقة بين الحداثي والتقليدي، بين الديني والدنيوي، والديني والمدني؟

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
في العام 1807 أصدر السلطان العثماني قانون التجارة العثماني، وينص على أنّه يجب تطبيق القانون الفرنسي فيما ليس فيه رأي الفقه الإسلامي، وكلما اتسعت دائرة التحديث كانت مقدرة الفقه على المسايرة تضعف وتتآكل في حكم حركة الاجتماع؛ لأنّ دينامية الاجتماعي كانت أسرع من سكونية الديني.

بدأت المواجهة الشرسة على الأرض بين التقليد والتحديث مع حكم الأسرة العلوية لمصر

وبدأت المواجهة الشرسة على الأرض بين التقليد والتحديث، والديني والمدني، والروحي والزمني مع حكم الأسرة العلوية لمصر التي رغبت -على يد مؤسسها محمد علي- في تأسيس دولة حديثة، فوجد محمد علي أنّ الأزهر برجاله في حالة جمود وعدم وعي بالحركة فلم يمسه بإصلاح بسبب الجمود الذي كان يعيش فيه، فأسّس لتعليم مدني حديث يواكب حركة التحديث، وأرسل البعثات للخارج، واستقدم العلماء والفنيين من الغرب، ليخلق بذلك بنية تحديثية عصرية موازية في مقابل بنية تقليدية جامدة، ليحرّر المدني من جمود الديني، ويحرّر سلطته الزمنية من تصلّب الروحي.
ولم يتمرد محمد علي كلية على التراث فلم يلغ أحكام أهل الذمة في معاملة الكتابيين حتى جاء ابنه سعيد وألغى هذه الأحكام في الفقه التقليدي، وأدمج المسيحيين في الجيش المصري، وحين تعرضوا للاضطهاد في الجيش تراجع عن قراره ليأتي الخديوي إسماعيل ليطبّق القرار دون تراجع عنه ليُوارى الفقه التقليدي حول أحكام الذمة، ويتم تأسيس عقد جديد للمواطنة  الحديثة.

اقرأ أيضاً: لماذا أثار الشعراوي أزمة بين الإسلاميين والعلمانيين؟
واستمرت المواجهة بين المدني والديني، وبين الزمني والروحي فألغى الخديوي إسماعيل الرّق العام 1873 فثار أصحاب السلطة الروحية ضد القرار وعلى رأسهم شيخ الأزهر فعزله من منصبه، فكانت السلطة الزمنية من القوة في تطبيقها لإجراءات التحديث ولو كانت ضد إرادة السلطة الروحية، فحين أُلغي الرق في مصر كان لاحقاً على إلغاء سويسرا للرق العام 1864، وأمريكا العام 1865، وبالمقابل تأخرت دول عربية في اتخاذ هذا القرار إلى ما بعد منتصف القرن العشرين!

شهد القرن التاسع عشر ازدواجية في القضاء والتعليم بسبب عجز الفقه الديني عن مسايرة التطور الاجتماعي

 ونتيجة لعجز التعليم الديني بالأزهر حتى في تخصصه الديني واللغوي، كلّف الخديوي اسماعيل علي باشا مبارك بتأسيس مدرسة (دار العلوم) ليرسي تعليماً حديثاً للغة العربية والعلوم الإسلامية يتوافق مع التطور الحادث الذي أتت به الحداثة، وذلك نتيجة للطرق البالية التي كان يدرس بها الأزهر العلوم اللغوية والشرعية، فثمة فجوة واضحة بين رغبة إسماعيل في الإصلاح والتحديث وواقع الأزهر الجامد، ليعيد بذلك المدني تطوير الديني بما يوافق مساره.
 واستمر التحديث في حركة الاجتماع في مواجهة مع الجمود الديني، فحين عوّل إسماعيل على الأزهر في تحديث القضاء حين زادت الضغوط الأوروبية عليه، إزاء القضايا التي تتعلق بالأجانب في مصر، طلب من علماء الأزهر أن يزودوه بتصورات حديثة للقوانين حتى لا يضطر إلى الأخذ بالقوانين الأوروبية فلم يسعفه الأزهريون في ذلك، واضطر الخديوي اسماعيل أن يؤسس للمحاكم المختلطة العام 1875، فأسسها نوبار باشا وذلك ليتقاضى أمامها رعايا الدول الأوروبية؛ لأنّ المعاهدات الدولية تمنع محاكمة المواطنين الأوروبيين أمام القضاء المحلي المصري؛ لأنّه قضاء شرعي، ليصبح لدينا ازدواجية في القضاء والتعليم معاً، ازدواجية عنوانها المدني يجاوز الديني، والحداثي يجاوز التقليدي، بسبب عجز الفقه الديني عن مسايرة التطور الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن للفكر الديني أن يكون طريقاً للإصلاح والتغيير؟
 ثم قامت الأسرة العلوية بإنشاء مدرسة القضاء الشرعي العام 1907 لتخريج قضاة شرعيين حتى يتحقق الإصلاح المنشود لقضاة المحاكم الشرعية حتى يساير تطور الاجتماع، وقد تعلم في هذه المدرسة أعلام ومجدّدون من أمثال؛ أحمد أمين وأمين الخولي، فكانت السلطة تبحث عن البدائل خارج دائرة الأزهر لعجز التعليم فيه، وعجز التراث الذي يحمله عن مسايرة حركة تطور الاجتماع .

كانت السلطة تبحث عن البدائل خارج دائرة الأزهر لعجزه عن مسايرة حركة تطور المجتمع

 وأدرك الإمام محمد عبده هذا الواقع المر فيقول: "إنّ الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور أو وقائع لم يرد لها ذكر في كتب الفقه القديم فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إنّ هذا أمر لا يستطاع، إنّه جمود ومَوات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذي لا يجارى واقع حياتهم"، وبذا وعى الإمام أهمية الاجتهاد حتى يجاري الفقه واقع التطور الذي يعيشه المسلمون، وكانت فتاواه الكثيرة حول تقييد تعدد الزواج، وتقييد الطلاق، وإباحة التصوير والتماثيل، والتعامل مع البنوك، وغيرها من الفتاوى التجديدية التي كانت تسعى إلى مسايرة الفقه الديني لحركة الاجتماع المتطور.
 وحوصر التوجه التجديدي داخل أروقة الأزهر، وظلت العديد من الاجتهادات لعبد المتعال الصعيدي حول الحدود والطلاق وغيرها مخطوطات حبيسة الأدراج، حيث أفتى الشيخ الصعيدي -في كتابه المخطوط (في ميدان التجديد)- أنّ الطلاق لا يقع في حالة المزاح، والسكر، والغضب، والشرط، وأنّ الطلاق لا يقع ثلاثةً بجملة واحدة، وأفتى أيضاً بأنّ الطلاق لا بد أن يقع بعقد كتابي كما هو الحال في عقد الزواج، وحين طالب رئيس مصر مؤخراً بذلك حفاظاً على تماسك الأسرة يقف الأزهر موقفاً رجعياً مرتكناً إلى الفقه القديم رافضاً تقديم فتوى لمساعدة السلطة الزمنية في الحفاظ على تماسك الأسرة كأساس للحفاظ على تماسك المجتمع المصري.

اقرأ أيضاً: عندما تخلى أساتذة الجامعات عن دورهم
من الضروري أن تساير السلطة الروحية طبيعة المشكلات المجتمعية بصحوة فقهية جديدة، ولا تعتمد على الفقه القديم الذي لم يعاصر مثل تلك المشكلات المستجدة، ولا ينبغي أن يقف علماء الأزهر كحرّاس للتراث القديم، وأن يحكّموه في مشكلاتنا الاجتماعية، وألا يظلوا عاجزين عن تقديم فقه جديد، نقول لهم لو كنتم عاجزين ارجعوا لتراث المجددين في تاريخكم ففيه الكثير مما يغني لنا الآن.

الصفحة الرئيسية