التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟

التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
7104
عدد القراءات

2020-02-09

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد الخشت في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي،
أنّ التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية، والسؤال ماذا حدث قبل وبعد تلك الحملة يا فضيلة الإمام؟

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
نقول إنّ التراث تخلق في ضوء علاقة الوحي بحركة الاجتماع الإسلامي مع التراكم التاريخي الزمني، كما الفقه الإسلامي الذي جاء كنتاج تخلق الأحكام وفقاً لتطور حركة الاجتماع ليقدم لنا التشريعات الحاكمة للمجتمع في ظل تطور ظروفه التاريخية، وقد ظل هذه الأمر متبعاً حتى حلول الضعف في الدولة العثمانية، واحتكاكها بتطورات الحداثة الأوروبية، وتسارع مسار الحداثة مما أعَجز التراث الإسلامي على أن يظل حاكماً علي حركة الاجتماع، لعجز الفقه عن مسايرتها، وهو ما أدى إلى تراجع وانحسار دور الفقه في السيطرة على المجال العام الاجتماعي، وحدث تراجع تدريجي لأصحاب السلطة الروحية في السيطرة على حركة المجتمع، فدعونا نرى كيف حدث هذا؟

قبل الحملة الفرنسية بقرن كانت الحياة الدينية في الدولة العثمانية راكدة وخلت من أي اجتهادات حقيقية

ونفرد القول في هذه المسألة فنوضح أنّه قبل الحملة الفرنسية بقرن كانت الحياة الدينية في الدولة العثمانية حياة راكدة تقوم على الشروح والتلخيصات لمتون الكتب الدينية القديمة، وخلت من أي اجتهادات حقيقية لعلماء الدين، وقد وقفت سلطة شيخ الإسلام، رأس السلطة الدينية في الدولة العثمانية، عائقاً ضد قبول المستحدثات الجديدة التي فرضها الاحتكاك بأوروبا، فعجز اليهود العام 1494 عن إدخال المطبعة لأنّ شيخ الإسلام أفتى بتحريمها بدعوى أنّها سوف تؤدي إلى تحريف القرآن الكريم والعلوم الشرعية، وأدّت هذه الفتوى إلى تأخير دخول طباعة التوراة في المطبعة حتى العام 1559، حين سمح سليمان القانوني لهم بطباعة التوراة بالعربية بترجمة سعديا الفيومي المصري؛ أي كان ذلك الفقه يعيق تطور حركة الاجتماع.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
وحين هُزمت الدولة العثمانية على حدود فيينا العام 1699، وفقدت بعدها الكثير من أراضيها، وكشفت الهزيمة عن ضعف الدولة، هنا رغب السياسيون في تحديثها، والخروج بها من حالة الضعف، فأرسلت السلطة العثمانية سفراء لها في أوروبا للاطلاع على سبل التقدم والتحديث، وهنا بدأ التحديث يفرض نفسه، فسافر محمد جلبي أفندي إلى باريس وسعى لإدخال الطباعة في الدولة العثمانية. وحاول إقناع المسؤولين بها.

تأخر دخول المطبعة إلى الدولة العثمانية أكثر من مئتي عام لأنّ شيخ الإسلام أفتى بتحريمها

ثم كتب الدبلوماسي والمثقف المعروف إبراهيم متفرقة رسالته عن (وسيلة الطباعة) العام 1726، ورفعها إلى الصدر الأعظم وشيخ الإسلام حول ضرورة إدخال فن الطباعة، ولم يصدر الفرمان بافتتاح المطبعة إلا بعد موافقة شيخ الإسلام بعدم طباعة الكتب الدينية بكل فروعها، وعين شخصاً بغرض الرقابة على منشورات المطبعة، وطُبعت الكتب الخاصة بالعلوم الدنيوية وتأخر طبع العلوم الدينية؛ كالفقه والتفسير والحديث، فترة من الزمن؛ لأنّها ظلت محرمة بعضاً من الوقت، وحاولت السلطة الروحية، ممثَّلة بشيخ الإسلام، أن تعيق دخول الحداثة إلى الدولة العثمانية باستمرار ولكن كانت حركة الاجتماع المتطور أسرع فكانت تنتصر دوماً.
وجاءت الصدمة الكبرى مع الحملة الفرنسية العام 1798 بعلومها الحديثة والتقنيات، وأسست المجمع العلمي، ومدارس الليسية، وغيرها من المستحدثات التي كان علماء الأزهر مندهشين مما رأوه منها، وهو ما لفت نظر الشيخ حسن العطار خاصة، فكيف سارت العلاقة بين الحداثي والتقليدي، بين الديني والدنيوي، والديني والمدني؟

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
في العام 1807 أصدر السلطان العثماني قانون التجارة العثماني، وينص على أنّه يجب تطبيق القانون الفرنسي فيما ليس فيه رأي الفقه الإسلامي، وكلما اتسعت دائرة التحديث كانت مقدرة الفقه على المسايرة تضعف وتتآكل في حكم حركة الاجتماع؛ لأنّ دينامية الاجتماعي كانت أسرع من سكونية الديني.

بدأت المواجهة الشرسة على الأرض بين التقليد والتحديث مع حكم الأسرة العلوية لمصر

وبدأت المواجهة الشرسة على الأرض بين التقليد والتحديث، والديني والمدني، والروحي والزمني مع حكم الأسرة العلوية لمصر التي رغبت -على يد مؤسسها محمد علي- في تأسيس دولة حديثة، فوجد محمد علي أنّ الأزهر برجاله في حالة جمود وعدم وعي بالحركة فلم يمسه بإصلاح بسبب الجمود الذي كان يعيش فيه، فأسّس لتعليم مدني حديث يواكب حركة التحديث، وأرسل البعثات للخارج، واستقدم العلماء والفنيين من الغرب، ليخلق بذلك بنية تحديثية عصرية موازية في مقابل بنية تقليدية جامدة، ليحرّر المدني من جمود الديني، ويحرّر سلطته الزمنية من تصلّب الروحي.
ولم يتمرد محمد علي كلية على التراث فلم يلغ أحكام أهل الذمة في معاملة الكتابيين حتى جاء ابنه سعيد وألغى هذه الأحكام في الفقه التقليدي، وأدمج المسيحيين في الجيش المصري، وحين تعرضوا للاضطهاد في الجيش تراجع عن قراره ليأتي الخديوي إسماعيل ليطبّق القرار دون تراجع عنه ليُوارى الفقه التقليدي حول أحكام الذمة، ويتم تأسيس عقد جديد للمواطنة  الحديثة.

اقرأ أيضاً: لماذا أثار الشعراوي أزمة بين الإسلاميين والعلمانيين؟
واستمرت المواجهة بين المدني والديني، وبين الزمني والروحي فألغى الخديوي إسماعيل الرّق العام 1873 فثار أصحاب السلطة الروحية ضد القرار وعلى رأسهم شيخ الأزهر فعزله من منصبه، فكانت السلطة الزمنية من القوة في تطبيقها لإجراءات التحديث ولو كانت ضد إرادة السلطة الروحية، فحين أُلغي الرق في مصر كان لاحقاً على إلغاء سويسرا للرق العام 1864، وأمريكا العام 1865، وبالمقابل تأخرت دول عربية في اتخاذ هذا القرار إلى ما بعد منتصف القرن العشرين!

شهد القرن التاسع عشر ازدواجية في القضاء والتعليم بسبب عجز الفقه الديني عن مسايرة التطور الاجتماعي

 ونتيجة لعجز التعليم الديني بالأزهر حتى في تخصصه الديني واللغوي، كلّف الخديوي اسماعيل علي باشا مبارك بتأسيس مدرسة (دار العلوم) ليرسي تعليماً حديثاً للغة العربية والعلوم الإسلامية يتوافق مع التطور الحادث الذي أتت به الحداثة، وذلك نتيجة للطرق البالية التي كان يدرس بها الأزهر العلوم اللغوية والشرعية، فثمة فجوة واضحة بين رغبة إسماعيل في الإصلاح والتحديث وواقع الأزهر الجامد، ليعيد بذلك المدني تطوير الديني بما يوافق مساره.
 واستمر التحديث في حركة الاجتماع في مواجهة مع الجمود الديني، فحين عوّل إسماعيل على الأزهر في تحديث القضاء حين زادت الضغوط الأوروبية عليه، إزاء القضايا التي تتعلق بالأجانب في مصر، طلب من علماء الأزهر أن يزودوه بتصورات حديثة للقوانين حتى لا يضطر إلى الأخذ بالقوانين الأوروبية فلم يسعفه الأزهريون في ذلك، واضطر الخديوي اسماعيل أن يؤسس للمحاكم المختلطة العام 1875، فأسسها نوبار باشا وذلك ليتقاضى أمامها رعايا الدول الأوروبية؛ لأنّ المعاهدات الدولية تمنع محاكمة المواطنين الأوروبيين أمام القضاء المحلي المصري؛ لأنّه قضاء شرعي، ليصبح لدينا ازدواجية في القضاء والتعليم معاً، ازدواجية عنوانها المدني يجاوز الديني، والحداثي يجاوز التقليدي، بسبب عجز الفقه الديني عن مسايرة التطور الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن للفكر الديني أن يكون طريقاً للإصلاح والتغيير؟
 ثم قامت الأسرة العلوية بإنشاء مدرسة القضاء الشرعي العام 1907 لتخريج قضاة شرعيين حتى يتحقق الإصلاح المنشود لقضاة المحاكم الشرعية حتى يساير تطور الاجتماع، وقد تعلم في هذه المدرسة أعلام ومجدّدون من أمثال؛ أحمد أمين وأمين الخولي، فكانت السلطة تبحث عن البدائل خارج دائرة الأزهر لعجز التعليم فيه، وعجز التراث الذي يحمله عن مسايرة حركة تطور الاجتماع .

كانت السلطة تبحث عن البدائل خارج دائرة الأزهر لعجزه عن مسايرة حركة تطور المجتمع

 وأدرك الإمام محمد عبده هذا الواقع المر فيقول: "إنّ الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور أو وقائع لم يرد لها ذكر في كتب الفقه القديم فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ إنّ هذا أمر لا يستطاع، إنّه جمود ومَوات يجعل العوام ينصرفون عن دينهم الذي لا يجارى واقع حياتهم"، وبذا وعى الإمام أهمية الاجتهاد حتى يجاري الفقه واقع التطور الذي يعيشه المسلمون، وكانت فتاواه الكثيرة حول تقييد تعدد الزواج، وتقييد الطلاق، وإباحة التصوير والتماثيل، والتعامل مع البنوك، وغيرها من الفتاوى التجديدية التي كانت تسعى إلى مسايرة الفقه الديني لحركة الاجتماع المتطور.
 وحوصر التوجه التجديدي داخل أروقة الأزهر، وظلت العديد من الاجتهادات لعبد المتعال الصعيدي حول الحدود والطلاق وغيرها مخطوطات حبيسة الأدراج، حيث أفتى الشيخ الصعيدي -في كتابه المخطوط (في ميدان التجديد)- أنّ الطلاق لا يقع في حالة المزاح، والسكر، والغضب، والشرط، وأنّ الطلاق لا يقع ثلاثةً بجملة واحدة، وأفتى أيضاً بأنّ الطلاق لا بد أن يقع بعقد كتابي كما هو الحال في عقد الزواج، وحين طالب رئيس مصر مؤخراً بذلك حفاظاً على تماسك الأسرة يقف الأزهر موقفاً رجعياً مرتكناً إلى الفقه القديم رافضاً تقديم فتوى لمساعدة السلطة الزمنية في الحفاظ على تماسك الأسرة كأساس للحفاظ على تماسك المجتمع المصري.

اقرأ أيضاً: عندما تخلى أساتذة الجامعات عن دورهم
من الضروري أن تساير السلطة الروحية طبيعة المشكلات المجتمعية بصحوة فقهية جديدة، ولا تعتمد على الفقه القديم الذي لم يعاصر مثل تلك المشكلات المستجدة، ولا ينبغي أن يقف علماء الأزهر كحرّاس للتراث القديم، وأن يحكّموه في مشكلاتنا الاجتماعية، وألا يظلوا عاجزين عن تقديم فقه جديد، نقول لهم لو كنتم عاجزين ارجعوا لتراث المجددين في تاريخكم ففيه الكثير مما يغني لنا الآن.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف زيّفت الجماعات الإسلامية وعينا بالتراث؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-02-23

لا يُمكن الفصل بين تراث أيّ أمّة وواقعها؛ فالماضي حاضر فينا ومن خلالنا، رضينا أم أبيْنا، غير أنّ الإشكالية في طريقة استدعاء التراث، وما يصحبها من محاولات تفكيك الحاضر وإعادة بنائه من جديد وفق صورة مثالية متخيلة عن الماضي، تكمن في تلك الأفكار التي تسرّبت إلى ثقافتنا من خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"، التي قدّمت الآخر على أنّه الضّال، المغضوب عليه، عدو الله ورسوله، الواجب على المسلمين إنزال الخزي به حتى تُشفى صدور المؤمنين، فاختزلوا سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورة المُحارب الذي يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، محاولين منح مشروعية لأفكارهم الصدامية، متجاهلين الأدوار الاجتماعية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها أثر كبير في نشر قيم التسامح والعدل والحرية، وأنّ المواجهات العسكرية التي خاضها، صلى الله عليه وسلم، فُرضت عليه فرضاً، من قومٍ رفضوا حقّ المسلمين في الاختلاف، وسَعَوا إلى إبادتهم.

من الاستدعاء الخاطئ للتراث في خطاب جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية

ومن الاستدعاء الخاطئ للتراث، في خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"؛ تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية، حيث يرتهن انتشاره باستئصال الآخر واستعادة الأراضي التي حكمها المسلمون زمناً، فتبنّي مثل هذه الفكرة يُدخلنا في صراع ديني لا ينتهي؛ فإن كان للمسلمين، وفق هذا المنطق المغلوط، حقّ تاريخي في إسبانيا تبعاً لتدين أهلها بدين الإسلام في حقبة من الزمن، سيكون لأتباع الديانة البوذية حقّ تاريخيّ في إندونيسيا، أكبر دول المسلمين من حيث تِعداد السكان، استناداً إلى أنّ البوذية ديانتها السابقة على الإسلام.
وأنتج اعتماد الجماعات على الوعاظ في قراءة التاريخ، وعياً زائفاً به، فبدلاً من أن ينظروا بعين الناقد لتراث المؤرخين المسلمين، ساروا على خطاهم متخذين من أسفار العهد القديم والإسرائيليات مصدراً أصيلاً لحكاية التكوين وبداية الخليقة، منذ آدم، عليه السلام، وحتى القرون الأولى للميلاد، وما تخللها من قصص الأنبياء والصالحين والآثمين، بهدف الوعظ، مدفوعين بالفضول لمعرفة تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم، ففتحوا باباً للأسطورة والخُرافة لم يُغلق حتى اليوم، فالهوّة كبيرة بين التاريخ الذي يُقدّمه وعّاظ الجماعات، والتاريخ الذي يكتبه الباحثون والعلماء.

اقرأ أيضاً: الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟
وإذا كان المؤرخون القدامى معذورين، بأنّ لغة العلم في عصرهم لم تعرف الحفريات والوثائق وغيرها من المعطيات العلمية، فلا عذر لوُعّاظ الجماعات اليوم، عندما أغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة؛ من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين، الناطقة بالكثير من الوقائع والأحداث، التي تناقض الرواية التوراتية للتاريخ، مكتفين بترديد ما نقله التراث من روايات العهد القديم دون تمحيص، فالتسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية، لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية.

لا عُذر لوُعّاظ الجماعات اليوم بأن يغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين

ولا تتوقف الجماعات عن الخلط بين تاريخ الإسلام "الوحي"، الذي بدأ وانتهى بحركة جبريل، عليه السلام، بين السماء والأرض، وتاريخ المسلمين الذي هو أحداث وتجارب بشرية تاريخية غير مقدّسة، فإطلاق الجماعات تاريخ الإسلام على تاريخ المسلمين، أكسبه مثالية وقداسة زائفة، تستعلي به على الدرس النقدي، والسياقات والملابسات التي صنعت أحداثه، وفي الوقت الذي استعلت "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين" بتراثنا عن النّقد، نجد تراثيين، من أمثال ابن خلدون، الذي شنّ حملة قوية على ما اكتنف التّراث من حكايات وأخبار وأنساب يُنكرها العقل، فيقول؛ "إلا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عن أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونها منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين كانوا بين العرب يومئذ، بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية، التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء؛ مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنّهم بعد صيتهم وعظمة أقدارهم لما كانوا عليه من المقدمات في الدين والملة فتلقيت بالقبول يومئذ" (1).

التسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية

لقد زيّفت الجماعات وعينا بالتراث عندما رسخّت في ثقافتنا أننا أمام تُراثٍ بوَجْه واحد، فأخفوا عن عمدٍ أوجه متعددة لتراث المسلمين، وقد التفّ القدامى حول ثوابت العقيدة متمثلة في الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وأركان الإسلام متمثلة في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إلا أنّ ذلك لم يمنعْهم من الاختلاف في الفهم والشرح والتأويل، فتنوَّعَ التّراثُ تبعاً لتنوع اجتهادات المسلمين الأوائل، فاختلفوا حول فهم طبيعة الإيمان، بين من يجعله قاصراً على إيمان القلب ومن يجعله متضمناً للعمل، وتنوّعت تصوّراتهم بين من يرى وجوب الفصل بين الذات الإلهية والصفات، وبين من يُوحّد بينهما، فلم يكن لمجال الاجتهاد في التراث سقف يحدّده، حيث قدّم التراث تفسيرات وتأويلات متعددة للقرآن الكريم، بين متأوّلٍ ينطلق من قواعد اللغة والبلاغة لفهم القرآن الكريم، وبين متمسكٍ بالمعنى الحرفي غير مُنكرٍ لما وراءه من معانٍ.
ولا تتوقف الجماعات عن التصنيف المستمر، والثُنائيات التي لا تنتهي؛ فهم حماة التّراث، المختلف معهم حداثيّ متآمر عليهم، مأجور من الغرب، والإسلام في جانبهم، وغيرهم المنحرف عن صحيح الدين، يُرددون دوماً أنّ الحقّ يُعرف بتضحيات أصحابه، وليس باختبار أفكارهم، حيث يرون التّقدم في تطوير عالم الأشياء، ويسكتون عن تطوير عالم الأفكار، وضرورة استرداد الإنسان المُنتج للأفكار.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
إنّ إحداث نهضة حقيقية، يبدأ من تطوير مناهج الدراسات الإنسانية، بما فيها دراسات الفكر الديني، لا الدراسات الطبيعية فحسب، فطريق تحقيق النّمو الحضاري ليس العمران فقط، بل بناء الإنسان، ولا أمل في استعادة الإنسان الذي يبني الحاضر، ونحن ندين بفكرة أنّ كلّ خير في الدنيا انقضى، وأنّ العصور الذهبية في كلّ شيء قد فاتت، وإذا أردنا أن نمضي إلى المستقبل ونعود إلى التاريخ، فنحن بحاجة إلى الوثوق بمنجزات الحاضر الثقافية والعلمية والفنية، لننطلق منها ونطوّرها.


هامش:

(1) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ج١، ص٤٤٠،٤٣٩.

للمشاركة:

من سيربح في حرب الديمقراطية؟

2020-02-20

أثناء حصار لينينغراد، في الحرب العالمية الثانية، كان فلاديميروفيتش يقاتل في الخطوط الأمامية عندما حصل على إجازة لمدة 24 ساعة للعودة إلى بيته. وهو يسير في الشارع شاهد كومة من الجثث، وكان منظراً شائعاً وقتها، فتعرَّف على زوجته وأخذ يصرخ: "هذه زوجتي، هذه زوجتي، أريد زوجتي." سُحبت زوجته من بين الجثث وأخذها إلى البيت وأجرى لها إنعاشاً فاستعادت صحتها وفي عام 1952 أنجبت ماريا إيفانوفنا طفلها فلاديمير بوتين. تُعلق هيلاري كلينتون بأنّ هذه الحادثة أثَّرت على شخصية فلاديمير بوتين إلى درجة أصبح يتصور نفسه المخلِّص وأنّ روسيا جثة يسحبها من تحت ركام التاريخ.

انتقام بوتين
يمكن أن ننظر إلى تدخل بوتين في سوريا من خلال هذا الجانب، لكنه هنا لا ينفخ الروح في الجثث. الحقيقة يمكن فهم تدخل بوتين في سوريا وتحالفه مع الأنظمة الديكتاتورية- إيران، كوريا الشمالية، بشار الأسد وأردوغان- من زاوية أهم وهي عداؤه للديمقراطية. وبوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لدونالد ترامب يأتي على هذا الأساس.

يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة؛ فالديمقراطية تعاني من أزمة

الحرب التي يخوضها بوتين هي حرب على الديمقراطية، والأطراف الديمقراطية لا يمكن أن تجاري بوتين في ميدانه، لأسباب عديدة أهمها أنّ الغرب الديمقراطي نفسه يعاني من تراجع في الديمقراطية. وصعود القوى اليمينية الشعبوية مؤشر على هذا التراجع. فالنظام الديمقراطي، كما يذهب علي الدين هلال في كتابه "الانتقال إلى الديمقراطية"، عالم المعرفة، كانون الأول 2019، "ليس مجرد فاعلين وانتخابات.. بل مدى تمثيل هؤلاء للمصالح الاجتماعية وقدرتهم على تحسين ظروف الحياة لأكبر عدد من الناس". والديمقراطية، كما كتب: "تنهض بجناحين: جناح إجرائي يتعلق بالترتيبات والمؤسسات الانتخابية ونزاهتها، وجناح موضوعي يتصل بنوعية الحكم وجودته ومضمون السياسات العامة وتمكين المجتمع".

أزمة الديمقراطية
يوضح التقرير السنوي لمجلة الإيكونوميست لعام 2016 التَّردي الذي بلغته الديمقراطية في 72 دولة. والنتيجة أنّ الديمقراطية تعاني من أزمة ومن مظاهرها، كما جاء في كتاب هلال: "انخفاض المشاركة في الانتخابات العامة، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور هيبة السياسيين ومكانتهم في المجتمع، وضعف الانتماء الحزبي، وعدم الثقة في المؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأنّ السياسة هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية".

اقرأ أيضاً: هل يمكن لبوتين أن يُضحي بأردوغان؟

ملامح هذه الأزمة كان قد رصدها ديفيد غريبر في كتابه "مشروع الديمقراطية- التاريخ، الأزمة، الحركة"، عالم المعرفة، تشرين الثاني 2014. "حيث لا يُكلف نصف الأمريكيين أنفسهم عناء التصويت على أي نحو". ويذهب في تشخيص أزمة الديمقراطية في أمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا "يعارضون الديمقراطية صراحة" وأن ماديسون وهاميلتون وآدامز "كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها".

بوتين لا يكتفي بدعم الأنظمة الديكتاتورية فحسب وإنما يعمل على زعزعة الأنظمة الديمقراطية، ودعمه لترامب يأتي على هذا الأساس

وعن هذه الأزمة تحدث يورغ سورنسن في كتابه "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد" عالم المعرفة كانون الثاني 2020، قائلاً بأنّ الديمقراطيات الليبرالية تمر اليوم "بدرجة غير مسبوقة من التأزم، على المستويين؛ المحلي والدولي، من حيث الممارسات المرصودة ومن حيث القيم والغايات المنشودة. ويخلص إلى واقع "هشاشة جميع الدول المتخلفة والمتقدمة على حد سواء". وإلى نتيجتين محتملتين حول مستقبل الأنظمة الديمقراطية، الأولى متفائلة والأخرى تحذر من احتمالات انهيارها. وهذه كلها نقاط تسهم في تعزيز كفة مناهضي الديمقراطية.

سياسة التدابير النشطة
يشير مصطلح "التدابير الفعالة" إلى أعمال الحرب السياسية التي تقوم بها أجهزة الأمن السوفييتية سابقاً والروسية حالياً، (OGPU،NKVD ،KGB ، FSB) للتأثير على مجريات الأحداث العالمية. وتتنوع هذه الإجراءات والتدابير بداية من التلاعب بوسائل الإعلام والمعلومات المضللة والدعاية وتزوير الوثائق الرسمية... إلى الأعمال الخاصة التي تنطوي على درجات مختلفة من العنف والاغتيالات.

يذهب ديفيد غريبر في تشخيص أزمة الديمقراطية بأمريكا إلى أنّ رؤساء مثل جورج واشنطن كانوا يعارضون الديمقراطية صراحة

صعود بوتين إلى السلطة تم عبر هذه الرافعة من الإجراءات. ففي أواخر أعوام يلتسين، الذي فقد السيطرة على مفاصل الدولة، كان بوتين مديراً لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وهي الوكالة التي حلت محل الـ KGB. في تلك الفترة، عام 1999، حدثت سلسلة من التفجيرات الإرهابية دفعت بالشعب الروسي إلى البحث عن قائد أو مخلص، وهو ما ساعد بوتين في الفوز بالانتخابات الرئاسية، وتذهب الشواهد والاستنتاجات اللاحقة ونوع المتفجرات المستعملة إلى أنّ التفجيرات قامت بها الاستخبارات.

لكن هذه الإجراءات أو "التدابير الفعالة" ليست حكراً على روسيا فهي تمَارس في مختلف دول العالم "الديمقراطية"، ومنذ زمن أقدم. فعلى سبيل المثال يبحث الصحفي جون بيلجر والمخرج كريس مارتن في الفيلم الوثائقي "الحرب على الديمقراطية" 2007، دور واشنطن في التلاعب الأمريكي في سياسة أمريكا اللاتينية خلال الأعوام الخمسين الماضية. ويكشف الفيلم عن سياسات مماثلة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في العراق وإيران ولبنان.

وجوه متعددة لعقلية واحدة
بعد انتهاء ولاية بوتين الرئاسية الثانية تحايل على الدستور بأن عين ميدفيديف رئيساً وشغَل هو منصب رئيس الوزراء ثم عاد رئيساً بعد انتهاء ولاية ميدفيديف، وبأسلوب مشابه لتحايل أردوغان على الدستور العلماني ليظل في السلطة كرئيس بدلاً عن منصب رئيس الوزراء. أردوغان نسخة أخرى من بوتين، وبشار الأسد أتى إلى الحكم خلفاً لوالده عبر تعديل دستوري مفصل له شخصياً وهكذا أتى كيم خلفاً لوالده في كوريا الشمالية. وأغلب هؤلاء يمقتون الديمقراطية لكنهم مضطرون للتعامل معها كشكل لا كمضمون.

ديفيد غريبر: ماديسون وهاميلتون وآدامز كتبوا صراحة أنّهم يرغبون في إنشاء نظام بوسعه تجنب أخطار الديمقراطية والسيطرة عليها

تحت قيادة بوتين، أحرزت روسيا نتائج سيئة في مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية وشهدت تراجعاً في الديمقراطية. وفقاً لمؤشر فريدَم هاوس للحرية في العالم، سجلت عام 2017 رقماً قياسياً هو الأسوأ منذ عهد الاتحاد السوفيتي: 20/100. ويستشهد الخبراء بسجن المعارضين واغتيالهم، وتقليص حرية الصحافة، وغياب انتخابات حرة ونزيهة. وقد اتهمت منظمات حقوق الإنسان والناشطين بوتين باضطهاد الصحفيين والنشطاء السياسيين، فضلاً عن الأمر بتعذيبهم أو اغتيالهم.

بوتين يمقت الديمقراطية وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتجاوز الدستور ويريد شرعية دستورية تمكّنه من النظر في عيون نظرائه الأوروبيين بلسان حال يقول: أنا أيضاً أتيت عبر انتخابات ديمقراطية! وأردوغان يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، وهكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أمجاد أو أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية- التي تحولت إلى ملكيات دستورية ديمقراطية- بينما ظلت عالقة في أذهان جيل من القادة مدفوعين بالغرور والحقد والطموح إلى استعادة الماضي بمنطق "بيت الطاعة"!

شكل آخر للقوة الناعمة
حرب ترامب على الديمقراطية والحريات الصحفية تُرجح كفة بوتين حتى الآن، فهل سيقوض أمريكا مثلما قوضت هذه الأخيرة الاتحاد السوفييتي، دون أن تطلق رصاصة واحدة؟ وهل سيكون دونالد ترامب المرادف الأمريكي لميخائيل غورباتشوف؟

اقرأ أيضاً: عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

يقدم الفيلم الوثائقي (التدابير النشطة Active Measures )،2018، العديد من الشواهد على تورط روسيا/بوتين في دعم ترامب في الانتخابات الأمريكية ويذهب إلى أنّ هذا الدعم تم منذ وقت مبكر؛ يوم أنقذ بوتين ترامب من الإفلاس ودعمته عبر عمليات غسيل الأموال الهائلة التي يتزعمها بوتين نفسه وتدر عليه مليارات الدولارات إلى الحد الذي جعلته من أغنى رجال العالم. ارتماء ترامب في حضن بوتين وصل إلى حد يصفه البعض بأنّه "دمية بوتين".

اقرأ أيضاً: البوتينية والترامبية في وطن عربي ممزق

ويوصف اختراق روسيا للانتخابات الأمريكية بأنه أكبر عملية اختراق في التاريخ، والأهم أنّ أمريكا والأنظمة الديمقراطية الأخرى لا تملك وسيلة حماية حتى اليوم من أي اختراق قادم. وفي المقابل لا يمكن لأمريكا ولا لأوروبا استعمال هذا السلاح مع روسيا؛ فهي نظام غير ديمقراطي في الأساس.

أردوغان أيضاً يحلم باستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، هكذا تداس الديمقراطية تحت أقدام قادة يحلمون باستعادة أوهام تجاوزتها الملكيات التاريخية

في الفيلم الوثائقي تقول الدكتورة ألينا بولياكوفا، زميلة السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، "يدرك الروس الفرق الهائل في موازين القوة التقليدية بين أمريكا وروسيا، ولكي يعادلوا هذا الميزان يخوضون حرباً من نوع آخر. وإحدى الطرق لفعل ذلك هو استثمار إجراءات أقل كلفة في محاولة لإضعاف المؤسسات الغربية وتقويض الديمقراطيات بدلا من إرسال الدبابات".

الاختراق الروسي للانتخابات الأمريكية هو أيضاً موضوع الفيلم الوثائقي (انتقام بوتين Putin's Revenge) الذي بثته قناة فرونت لاين في 2017، ويبحث الفيلم في سؤالين: لماذا يرى فلاديمير بوتين في أمريكا وهيلاري كلينتون عدوين؟ ولماذا قرر استهداف الانتخابات الأمريكية؟ ويصف الفيلم مدى التدخل الروسي عبر بوابة الانترنت والتدابير الفعالة، ويُظهر مدى تصميم بوتين على تدمير أمريكا وتقويض أهم عنصر فيها وهو الديمقراطية. هي حرب حول الديمقراطية بوسائل تقنية حديثة صنعتها في الأساس آلة الحداثة الغربية. وروسيا بهذا تحارب الغرب بسلاحه. ولأنّ أمريكا لا يمكنها استعمال السلاح نفسه فلا يُستبعد أن تقود حرب الاختراقات التقنية إلى حرب تقليدية، وربما إلى حرب بيولوجية كما يذهب بعض المحللين في سياق الحديث عن فيروس كورونا.

الغزو التقني
الاختراق التقني الذي يتم بإنشاء منصات على وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة بقصد دعم مرشح وتشويه سمعة المرشح المنافس هو شكل من أشكال الإرهاب وهو تهديد لا يقل خطورة عن اختراق الهاكرز للمنظومة الأمنية. ومن منظور المعايير الأمريكية لمصادر التهديد الحقيقية أو المحتملة فإنّ روسيا تمثل مصدر تهديد للقيم الديمقراطية التي تستدعي التدخل العسكري للدفاع عنها. لكن روسيا ليست العراق أو أفغانستان حتى يمكن التدخل في شؤونها عسكرياً بحجة نشر الديمقراطية أو الدفاع عنها، أو حتى لدواعي الدفاع عن النفس إزاء تهديد حقيقي يمكن تسميته بالغزو أو الإرهاب التقني. أمريكا نفسها تخوض مثل هذه المعارك في مناطق مختلفة من العالم بحجة الدفاع عن الديمقراطية. والمفارقة أنّ جميع التدخلات العسكرية والسياسية التي قامت بها أمريكا في مناطق مختلفة من العالم لم تكن للدفاع عن الديمقراطية إلا في الظاهر بينما كانت تخفي أهدافاً أخرى، أما في صراعها مع روسيا فيبدو أنّها لن تستطيع أن تستعمل السلاح الذي طالما أجادت استعماله. وهذا يقودنا إلى انتظار ما ستؤول إليه نتائج الحرب على الديمقراطية.

للمشاركة:

كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

2020-02-19

تم بناء هذا المقال على فرضية تهمُّ الخطاب الديني في المنطقة العربية بالتحديد، وتفيد بأنّ أحداث "الربيع العربي"، التي اندلعت في كانون الثاني (يناير) 2011، ساهمت في إحداث تحولات لدى الفاعلين في الخطاب الديني.
ونقصد بالخطاب الديني في هذا السياق، كُلّ الفاعلين الدينيين؛ سواءً تعلّق الأمر بأداء المؤسسات الدينية التابعة للدولة الوطنية، أو بالمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العامة المرتبطة بالحقل الديني لدول المنطقة، أو الخطاب الديني المُجسّد في الطرق الصوفية؛ أي المشروع الإسلامي الحركي بتفرّعاته الثلاثة؛ الدعوية والسياسية والقتالية، كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش.
التحولات في خطاب المؤسسات الدينية
انطلاقاً من التحولات التي عرفها خطاب المؤسسات الدينية، نستحضر المستجدات التي مرت بها أغلب هذه المؤسسات؛ والتي كان أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث "الربيع المصري"، وتحديداً ما سُميّ بـ "وثائق الأزهر"، حيث أُصدِرت 3 وثائق أساسية؛ "وثيقة مستقبل مصر" يوم 19 حزيران (يونيو) 2011 و"وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي"، يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، و"وثيقة منظومة الحريات الأساسية"، يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2012، هذا بصرف النظر عن السجال الخطابي المباشر الذي جرى مؤخراً بين إمام الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، على هامش الخوض في موضوع تجديد الخطاب الديني؛ إذ يفيد هذا السجال بأنّ الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية لا يزال بعيد المنال، ولن يتم بين ليلة وضحاها.
التحولات في خطاب حركات الإسلام السياسي
مثلّت أحداث "الربيع العربي" فرصة للحركات الإسلامية، وخاصة حركات "الإسلام السياسي"، لاختبار أطروحة "ما بعد الإسلاموية" التي سطرها الباحث الإيراني آصف بيات قبل عام 2011، بالموازاة مع حديث الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي"، وثلاثية؛ "البيان الدعوي"، "الأخطاء الستة للحركات الإسلامية" و"الفطرية"، للباحث والداعية المغربية فريد الأنصاري.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي متواضعاً مقارنة مع الآمال التي عُلّقت عليه قبل أحداث الربيع العربي

وصدرت توقعات هذا الثلاثي؛ الإيراني والفرنسي والمغربي، وتوقعات أخرى بالطبع، قبل أحداث "الربيع العربي"، حيث كان على الباحثين والمتتبعين لأداء المشروع الإسلامي الحركي، انتظار أداء الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي بعد اندلاع الأحداث، وفوز الأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد 2011، لمعاينة المعالم الكبرى لأداء الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي والحكومي، بالصيغة التي عاينوها في عدة نماذج، نذكر منها ما جرى في المغرب وتونس وفرنسا.
واتضح في المغرب، أنّ أداء حزب "العدالة والتنمية" كان متواضعاً، مقارنة بالآمال التي عُلّقت عليه قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، بل ساهمت مواقف الحزب ومعه حركة "التوحيد والإصلاح" الإخوانية، الموالية له في المجال الدعوي، في تسليط الضوء على النسخة المغربية لخطاب العلمانية، التي تؤكد ضرورة إبقاء تدبير الشأن الديني للمؤسسة الملكية، متمثلة في مؤسسة "إمارة المؤمنين"، مع إبعاد الفرقاء الإسلاميين والحداثيين عن المسألة، أو من خلال مساهمتهما النسبية في حدود مُسطرة سلفاً.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً
أمّا في تونس، فقد وصلت تعقيدات الأمر حدّ إعلان قيادات حركة النهضة الإسلامية ضرورة التفكير في إحداث قطيعة نظرية بين العمل الدعوي والعمل السياسي، على أمل ترجمة هذه القطيعة على أرض الواقع لاحقاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الحديث عن الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي عند الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، ليس واقعاً لا يرتفع، وإنما لا يتجاوز في الغالب مقام إعلان نوايا، كما أشرنا إلى ذلك مراراً، وعاينا هذه المعضلة بشكل ميداني وصريح في التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
وفي فرنسا، وبسبب التحولات التي مرّ بها الخطاب الإسلامي الحركي في المنطقة العربية برمّتها، اضطرت القيادات الإسلامية الحركية، والمجسدة في تنظيم حمل اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وهو الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لتغيير الاسم إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، بمقتضى القلاقل السياسية والأمنية والثقافية والدينية التي أصبحت تثيرها الحركات الإسلامية في الساحة الفرنسية.
التيار السلفي والتيار الصوفي
بالموازاة مع التحولات والمراجعات التي ميّزت أداء المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية، عاينا المعطى نفسه مع التيار السلفي والصوفي؛ ففيما يتعلّق بالتيار السلفي، يمكن الوقوف عند دلالات صدور كتاب يحمل عنوان؛ "ما بعد السلفية: قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر"، لأحمد سالم وعمرو بسيوني، والصادر عام 2015، بكل الإيحاءات الدالة لهذا العنوان، حيث عايشنا مباشرة بعد كانون الثاني (يناير) 2011 تحولات في أداء المشروع السلفي بالمنطقة العربية، لم تكن متوقعة قبل هذا التاريخ، أقلها وأبرزها في آن؛ إعلان سلفية الإسكندرية في مصر تأسيس حزب النور والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.

لا يمكن للفاعل الديني أنّ يكون بعيداً أو غير معني بالتحولات والمستجدات المجتمعية التي تهم القيم والهوية والتدين

كما تناولت مجموعة من الأعمال البحثية هذه المسألة، نذكر منها عملين على الخصوص؛ كتاب "السلفيون والربيع العربي" لمحمد أبو رمان، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2013، وكتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين"، لهنري لوزيير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية أسامة عباس وعمر بسيوني، وصدر عن دار النديم ودار روافد، عام 2018.
أمّا فيما يتعلق بالخطاب الصوفي، والذي سلطّت المؤسسات البحثية العربية والغربية الضوء عليه، مباشرة بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، في سياق البحث عن نماذج بديلة للخطاب الديني، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على تجاوز المشاريع الدينية الحركية، التي أساءت إليها ولغيرها من الشعوب، ومثال ذلك ما نعاينه في الساحة الأوروبية في ظل تغذية بعض أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ولم يسلم الخطاب الصوفي من موجة المراجعات أو التحولات، ومن ذلك الحديث عن ظاهرة "ما بعد الطُرقية"؛ أي تبني العمل الصوفي بشكل فردي، بعيداً عن العمل المؤسساتي.

اقرأ أيضاً: بن كيران يلبس عباءة المعارض لدعم حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة
بالنتيجة، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، مرّ بتحولات نظرية؛ بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر، على هامش التفاعل السياسي والأمني والإستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث "الربيع العربي" في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الديني أن يكون بعيداً أو غير معني بهذه التحولات، خاصة مع وجود عدة مستجدات مجتمعية موازية تهم القيم والهوية والتدين، وتفرض على الفاعل الديني الانكباب النظري والميداني، نذكر منها؛ ظواهر الإلحاد ومد العلمنة والحريات الفردية وتسليع الخطاب الديني ومستجدات أخرى قائمة وقادمة.

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" المغربي.. هل حانت نهاية الحزب الإسلامي في الحكم؟
وساهمت ظاهرة "الصراع على الإسلام"، وفق تعبير رضوان السيد في أحد أعماله المرجعية عام 2014، في تعقيد المشهد، حيث إنّها لا زالت مفتوحة ولم تتوقف، لأسباب عدة؛ أهمها إصرار المشروع الإسلامي الحركي على تغذية الصراع، بما يُخول لنا التعامل مع هذه الجزئية الدقيقة، باعتبارها اختباراً حقيقياً وصريحاً لطبيعة ومآل تلك المراجعات، خاصة المراجعات التي يدّعي المشروع الإسلامي الحركي انخراطه بها، على اعتبار أنّ مراجعات المؤسسات الدينية متوقعة ومطلوبة.

لا زال الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية بعيد المنال ولن يتم بين ليلة وضحاها

ولا يخرج خطاب وأداء المؤسسات الدينية، في نهاية المطاف، عن ثلاثية الوعظ والتوجيه والإرشاد، والأمر نفسه مع مراجعات الطرق الصوفية؛ لأنّ هذه الطرق لا تدّعي الوصاية على الدين، وتدافع بالكاد عن جلسات الذكر؛ الفردي والجماعي، مع الابتعاد عن قلاقل العمل السياسي، وتحديداً العمل القتالي، فيما يختلف الأمر عند أغلب الحركات الإسلامية في الساحة، بمقتضى تورّط هذا المشروع في قلاقل لا حصر لها، رغم ترويج خطاب "المراجعات".
من الصعب إحصاء طبيعة التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفاعل الديني العربي، ممّا يفرض على هذا الفاعل، سواء في المؤسسة الدينية أو الطرق الصوفية أو الحركات الإسلامية، الوعي بتلك التحديات أولاً، قبل التفكير في الاشتغال عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض نتائج هذا الاشتغال تتطلب الانخراط في مراجعات حقيقية ونوعية، مع أنّ خطاب العديد من هؤلاء لا زال يعمل بنفس الأفق الإبستيمي (المعرفي) الذي كان سائداً من قبل، كأنّ شيئاً لم يتغير في المنطقة التي تعاني الويلات الإستراتيجية والمفتوحة، وفي مقدمة هؤلاء؛ الفاعل الإسلامي الحركي؛ حيث تزكي ذلك أفعاله وأقواله في الساحة، خاصة رموز المشروع داخل وخارج المنطقة.

للمشاركة:



الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:

كم أنفقت إيران على حروبها في سوريا والعراق واليمن؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أظهرت دراسة أجراها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، تحت عنوان "شبكات التسلل الإيرانية في الشرق الأوسط"؛ أنّ إيران تولي أهمية عسكرية وإستراتيجية لميليشياتها المنتشرة في المنطقة أكثر من اهتمامها ببرامج الصواريخ والنووية.

وقدرت الدراسة إجمالي إنفاق إيران على أنشطة ميليشياتها، في سوريا والعراق واليمن، بحوالي 16 مليار دولار سنوياً، بينما ينفق النظام الإيراني حوالي 700 مليون دولار سنوياً على ميليشيات حزب الله في لبنان.

دراسة تقدر إجمالي إنفاق إيران على ميليشياتها في سوريا والعراق واليمن بـ 16 مليار دولار سنوياً

ووفق مسؤولين إيرانيين؛ فقد أنفقت طهران مبالغ هائلة في سوريا، تصل إلى أكثر من 30 مليار دولار، وفق موقع ومجلة السياسة الخارجية.

وأكد موقع "iranwire" أنّ أحد أهم مجالات نفقات إيران في سوريا هو في مجال تسليم النفط والمنتجات النفطية إلى قوات الأسد، ويتم ذلك في إطار "حدّ ائتماني" فتحته إيران لسوريا، يتراوح بحسب وسائل الإعلام الإيرانية بين 2-3 مليار دولار في العام، مع منح حدّ ائتماني إجمالي يصل إلى 6 مليارات دولار في العام، بما في ذلك الإمدادات الغذائية والطبية، التي حدّدها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بنحو 2.5 مليار دولار في العام.

من جهتها، كشفت المتحدثة باسم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ستافان دي ميستورا، جيسي شاهين، أنّ تقديرات الأمم المتحدة بشأن متوسط الإنفاق الإيراني في سوريا تبلغ 6 مليارات دولار سنوياً.

الأمم المتحدة: إيران أنفقت على مدار 8 أعوام من الحرب السورية 48 مليار دولار

وعلى سبيل المقارنة؛ فإنّ هذا يعني أنّ إيران ساعدت النظام السوري بمبلغ يعادل نصف ميزانية دعم الأسعار الداخلية سنوياً، فإذا أنفقت إيران هذا المبلغ سنوياً على مدار 8 سنوات من الحرب السورية، فإن هذا يعني أنّها أنفقت 48 مليار دولار، أي 4 أضعاف ميزانية الدفاع في إيران السنوية.

يذكر أنّ إيران شهدت احتجاجات كبيرة الفترة الماضية، بسبب غلاء المعيشة والبطالة والفقر، في وقت تستغلّ فيه طهران كلّ قدراتها المالية والعسكرية لحماية رئيس النظام السوري بشار الأسد.

 

للمشاركة:

آخر تطورات الكورونا في إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

وقعت صباح اليوم مواجهات بين محتجين والشرطة في مدينة طالش شمال إيران، احتجاجاً على عدم وجود إجراءات وقائية ضدّ فيروس كورونا، الذي بدأ يتفشى في الأراضي الإيرانية.

هذا وقد أعلنت إيران، السبت، وفاة شخص بفيروس كورونا، ما يرفع العدد الإجمالي للوفيات جراء كورونا في البلاد إلى 5 وعدد الإصابات إلى 28.

مواجهات بين محتجين والشرطة في طالش احتجاجاً على عدم وجود إجراءات وقائية ضدّ الكورونا

هذا وقد قال المتحدث باسم وزارة الصحة، كيانوش جاهانبور، في تصريح عبر التلفزيون الرسمي: "لدينا 10 إصابات إضافية مؤكدة بفيروس (كوفيد 19)"، موضحاً: "للأسف أحد هؤلاء المصابين الجدد تُوفَّى".

ولم يحدّد المتحدث مكان الوفاة، إلا أنّه أوضح أنّ ثمانية من بين المصابين بالفيروس يعالجون في مستشفى بمدينة قم، على بعد 150 كلم نحو جنوب طهران، ومصابين آخرين في العاصمة.

هذا وقد أعلنت مصادر صحفية إيرانية، نقلت عنها صحيفة "إيران إنترناشونال"؛ نقص الكمامات الطبية ذات الفلاتر لتنقية الهواء والمعقمات والكحول في صيدليات طهران".

وفاة 5 حالات بفيروس كورونا المستجد وارتفاع عدد الإصابات إلى 28 في قم وطهران

كما كتبت وكالة الطلبة الإيرانية، أمس: "جميع الصيدليات مكتظة بالأشخاص الذين يبحثون عن الكمامات الطبية والمعقمات والكحول".

يذكر أنّ إيران كانت قد أعلنت، الأربعاء الماضي؛ أنّ أول حالتَي وفاة جراء الفيروس، وهما إيرانيان مسنّان، سُجلتا في قم، وهاتان هما أول حالَتي وفاة جراء المرض في الشرق الأوسط".

ومع ارتفاع عدد الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في البلاد، قررت إيران إغلاق مدارس وجامعات ومراكز تعليمية في مدينتين وسط البلاد، لمنع تفشّي كورونا، وفق ما أعلن التلفزيون الإيراني، أمس.

صيدليات طهران تشهد نقصاً في الكمامات الطبية لتنقية الهواء والمعقمات والكحول

هذا وقد أعلن مساعد رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية، محمد آزاد، أمس، تعليق سفر قوافل زوار المدن المقدسة في العراق.

وفي تصريح أدلى به لوكالة "فارس" للأنباء، أضاف آزاد: "نظراً لوجود حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلاد، فقد تمّ إغلاق الحدود، ولا يمكن إرسال قوافل الزوار عبر الحدود مع العراق، لكنّ العراقيين بإمكانهم العودة إلى بلادهم عبر الحدود البرية".

كما لفت أيضاً إلى "وقف إرسال قوافل الزوار عبر الرحلات الجوية"، مردفاً: "تمّ تعليق سفر قوافل الزوار عبر المجالين الجوي والبري، منذ الأول من أمس وحتى اليوم، وسفر زوار العتبات المقدسة تتم مناقشته حالياً مع المسؤولين العراقيين، وسيتم الإعلان عن القرار النهائي بشأنه بعد غد، الإثنين".

 

للمشاركة:



لماذا كان موقف بنت الشاطئ حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن؟

2020-02-23

لم ينقطع شغف المسلمين بفهم القرآن الكريم وشرحه وتفسيره، ومعه تحولت قبائل العرب الأمية إلى أمة ذات حضارة تدور في فلك هذا النص المعجز، وصح أن يقال عنها إنّها حضارة النص، فابتكرت العلم تلو العلم الذي يقربها من الفهم الصحيح للإسلام عبر التفسير الدقيق قدر الإمكان لآيات القرآن الكريم، وقد تعددت مناهج المسلمين في تفسيره؛ بداية من التفسير بالمأثور مروراً بالتفسير اللغوي والبلاغي والتفسير الكلامي، وغيرها من المناهج التي حفل بها هذا الحقل الثري.

معظم قواعد التفسير التي أجمع عليها علماء المسلمين يتغاضى عنها "العصريون" بحجة ألا كهنوت في الإسلام

كما تنوعت المناهج الحديثة التي أضافها المعاصرون، فكان أبرزها منهج التفسير العلمي للقرآن الكريم الذي بدأ يحبو مع الشيخ محمد عبده، وتطور تطوراً كيفياً على يد الشيخ طنطاوي جوهري صاحب كتاب "الجواهر في تفسير القرآن)، ومنهج التفسير البياني للقرآن الذي ابتكره وعمل به الشيخ أمين الخولي والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، وغيرهما من المناهج التي استفادت من المنجزات العلمية في العلوم الإنسانية كاللغة والهرمينوطيقا والعلوم الطبيعية مثل؛ الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.

وكثيراً ما يدخل مجال التفسير غرباء يتحدثون عنه بغير علم بحجة محاولة تقديم تفسير عصري للقرآن الكريم، مما يدفع أئمة العلم للتصدي لهم، والجدل الذي دار بين بنت الشاطئ والدكتور مصطفى محمود من المعارك المسكوت عنها، ويعد نقد أستاذة التفسير والدراسات العليا بجامعة القرويين بالمغرب الدكتورة عائشة عبد الرحمن لذلك المنهج المستحدث الأعمق والأكثر جذرية، والأصلح للرد على ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن الكريم الذي تطور ليصبح فيما بعد الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

باسم العصرية يغرون المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن كما فهمه الصحابة وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة

لم تحيَ بنت الشاطئ حتى ترى التفسير العلمي للقرآن الكريم وقد صار يضم علماء من مختلف التخصصات العلمية، تحولت معهم كل آية قرآنية إلى مشروع نظرية فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، وتحول العالم إلى شيخ يدعو الناس للهداية تاركاً العلم للغرب وقابضاً على الدين يدعو له المسلمين.
كان موقف الدكتورة عبدالرحمن حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن الكريم، خلال مقالات نشرتها في شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من العام 1970 بجريدة الأهرام، ثم جمعتها في كتاب "القرآن والتفسير العصري، هذا بلاغ للناس" رداً على مقالات نشرها الدكتور مصطفى محمود بعنوان "تفسير عصري للقرآن" بمجلة صباح الخير، وقد استهدف كتابها الرد على المنطلقات الفكرية التي يقوم عليها ذلك المنهج، ثم الرد على أفكار الراحل الدكتور مصطفى محمود.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وإشكالية التأويل بالإكراه
رأت بنت الشاطئ أنّ الفرضية المركزية التي يعتمد عليها أصحاب هذا المنهج أنّ القرآن الكريم يجب أن يضم بين دفتيه "علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك والفارماكوبيا وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة... وإلا فإنه ليس صالحاً لزماننا ولا جديراً بأن تسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصري"، فباسم العصرية نغري المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن الكريم، كما فهمه الصحابة، رضي الله عنهم، وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة، تلوك كلمات ضبابية عن الذرة والإلكترون وتكنولوجيا السدود، ومع كل ذلك تتعذر الرؤية الثاقبة، ويفوتها أن تفصل بين منطق تفكير علمي سليم وجرأة ادعاء وطبول إعلان.

كأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى أصحاب العلم الحديث "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا"

وفقاً لبنت الشاطئ تبدأ قصة التفسير العلمي للقرآن الكريم مع الحضور الطاغي للاستعمار في المشهد الاجتماعي والثقافي المصري؛ حيث تبنت النخب المصرية عدة مواقف من الاستعمار، من أبرزها الموقف الأول الذي رأى اللحاق بالغرب عبر تقليد ومحاكاة قيمه انبهاراً بثقافته التي ظن أنّها سر تقدمه وهيمنته، والموقف الثاني حاول أن يعالج عقدة النقص التي ألمت بالمسلمين عبر تفسير القرآن الكريم تفسيراً علمياً ليضم في هذا التفسير القوانين العلمية التي توصل إليها الغرب، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره "الجواهر في تفسير القرآن"، وكان هذا الاتجاه كالمخدر والمهدئ لأعصاب المسلمين.

الدكتور مصطفى محمود
سرعان ما انتهى مفعول مخدر تفسير الشيخ طنطاوي جوهري بفضل العلماء وقادة الفكر الذين انتقدوا سلبيات ذلك التفسير على عقول ونفوس المسلمين، ثم عاود ذلك التيار دعوته مجدداً بعد عقود من الكمون، عاود الكرة ثانية بمخدر أقوى وأكثر فاعلية؛ فأمام تحديات متعاظمة خطيرة تشهدها الأمة، والمنافسة الاقتصادية العالمية يظهر مثقفون وعلماء طبيعيات يتحدثون عن عدد "النظريات" التي يحفل بها القرآن الكريم؛ لينحرف المسلم عن العمل والعلم والكد إلى متابعة هؤلاء العلماء والنظر إليهم بانبهار، وهم يتحدثون عن نظريات اكتشفها الغرب موجودة مسبقاً بين دفتي المصحف، وليتركوا المفاهيم الكلية المرشدة لحياة المسلمين، ويبحثوا عن مدى تطابق آيات القرآن الكريم مع قوانين ونظريات العلم الحديث.

رسالة دعاة هذا التفسير واضحة تقول ها هي بضاعتنا ردت إلينا وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس

فرّقت بنت الشاطئ بين الفهم والتفسير، ففهم القرآن الكريم حق لجميع المسلمين يختلف بتنوع ثقافتهم ووعيهم، أما تفسير القرآن فله ضوابطه وقواعده مثل؛ استحالة التصدي لتلاوته أو تفسيره دون التلقي من شيوخ القراءة، واستحالة تفسير صيغة أو عبارة مبتورة عن سياقها الخاص في الآية والسورة، بالإضافة إلى أنّ الكلمة لا تعطى دلالتها القرآنية بمجرد الرجوع إلى دلالتها المعجمية التي تتسع لمعانٍ عدة لا يقبلها النص، وغيرها من القواعد التي أجمع عليها علماء المسلمين، ويتغاضى عنها العصريون بحجة ألا كهنوت في الإسلام.
التصدي للفقه والتفسير يحتاج للدراسة المؤهلة التي تجيز الفقيه المفسر علمياً للجلوس للفتيا والتدريس، ويحتاج فهم القرآن إلى استيعاب علوم العربية وسنن الرسول الكريم وأحكام القرآن وعلومه والسير والمغازي، مع قدر من الحساب والرياضيات، ويعد الإمام مالك بن أنس نموذجاً رائداً سار على درب العلم، ومن خلفه سار العلماء على سنة الرسول الأكرم وتعاليمه.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي في القرآن وأحكام عدة المرأة
في المقابل باسم العلم والعصرية يخرج أتباع التفسير العصري يدعون المعرفة بأحدث النظريات العلمية، وأنّ القرآن يحتوي كافة نظريات العلوم الطبيعية بدون تفقه في علوم القرآن، وأنّ العالم أصبح "تفتح له خزائن الغيب وأسرار الحكمة، فلا يلبث أن يخرج على الناس وفي جرابه طرائف وغرائب من كل علوم العصر، ومعها مكتشفات من مجاهل الميتافزيقا".

التفسير العلمي انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب

وكأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى علماء الفيزياء والكيمياء "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا، ومن يخوضون في الغيب فيفسرون لنا آيات القرآن في الساعة والقيامة بما لم يأت فيه نص، ولا كشف عنه غيبة علم!".
شغل التفسير العلمي للقرآن الرأي العام لأعوام خاصة مع سماح الإعلام الرسمي له بالانتشار على قنواتها قبل أن ينتشر هذا الخطاب في الفضائيات، بدت الرسالة واضحة تقول ها هي بضاعتنا رُدّت إلينا، وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس، فالعالم المتحضر يكتشف القوانين الطبيعية ويخترع الابتكارات العصرية وينتج ويصدر لنا سلعاً متطورة، فيما نحن سنفتح دفتي المصحف نلتقط آية من هنا وأية من هناك؛ تؤكد ما وصل إليه علماء الغرب وتبرر لنا استهلاكنا المفرط لمنتجاتهم فيما نحن نغطّ في سبات عميق.
التفسير العلمي للقرآن انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون في مقدمته، مع ما يصاحب هذا التردي من أمراض وعقد نفسية ورغبة في الزهو الزائف بما تمتلكه الأمة من تراث، وليس غريباً أن يخرج علينا بعض الدعاة والشيوخ يتحدثون عن موقفهم من الحداثة والحضارة الغربية، فيتحدثون نفس الحديث متغنّين بالتراث التليد ويختمون حديثهم أيضاً بأنها بضاعتنا ردت إلينا!

للمشاركة:

"الإسلام التركي" ورقة أردوغان لزيادة النفوذ في العالم الإسلامي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تصدير النموذج الديني التركي إلى الخارج في سياق تنويع أساليب تعزيز النفوذ في العالم الإسلامي بعد فشل الرهان على جماعات الإسلام السياسي، وتحول التدخل العسكري المباشر في سوريا وليبيا إلى تهديد لأمن تركيا.

وتسعى تركيا لزرع الأفكار الدينية لحزب العدالة والتنمية الإسلامي خارج أراضيها عبر استقطاب الطلبة الأجانب بتسهيلات وتكاليف تكاد تكون رمزية، وذلك ضمن خططها لتوسيع النفوذ من بوابة التعليم الديني.

وأعلن وقف الديانة التركي، السبت، بدء تسجيل الطلاب الأجانب في برنامجي “المنح الدولية لطلاب كلية الشريعة” (ليسانس) و”المنح الدولية لطلاب الأئمة والخطباء” (الثانوية) للعام الدراسي 2020 – 2021.

وترى أنقرة أنّ مدارس الأئمة والخطباء باتت “ماركة” خاصة بالبلاد، وقيمة هامة بالنسبة إلى تركيا، حيث باتت تصدّر مناهج هذه المدارس إلى العديد من بلدان العالم. لكنّ متابعين للشأن التركي يرون أن هذه المدارس هدفها التركيز على الشباب المتعلّم من دول عربية وأفريقية ومحاولة استقطابهم لخلق مجموعات موالية لتركيا وثقافتها في منطقة ما تزال تحمل كراهية للأتراك بسبب مخلفات الغزو العثماني.

وأشار هؤلاء المتابعون إلى أن “الإسلام التركي” ليس رؤية دينية، ولكن يوظف البعد الديني لأسباب سياسية، بهدف خلق أرضية للتمدد التركي في العالم الإسلامي على طريقة إيران في ما بات يعرف بتصدير الثورة التي جاء بها الخميني في 1979.

كما مثل “الإسلام التركي” ورقة نفوذ لأنقرة في أوروبا، وخاصة في ألمانيا من خلال “الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية” (ديتيب) الذي قاد حملة قوية للتصويت في استفتاء تركي لصالح منح أردوغان سلطات كبيرة في 2017.

وأكد وقف الديانة، في بيان أوردته وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، أنّ البرنامجين يأتيان في إطار التعاون بين وزارة التربية ورئاسة الشؤون الدينية وكليات الشريعة في تركيا ووقف الديانة التركي؛ لاستقبال طلاب من خارج تركيا في ثانويات الأئمة والخطباء وكليات الشريعة.

وأوضح البيان أنه يمكن للراغبين تسجيل طلباتهم عبر موقع وقف الديانة التركي في الإنترنت حتى تاريخ الـ15 من مارس.

واهتمت الحكومة التركية، خلال العقد الأخير، بافتتاح المئات من مدارس الأئمة والخطباء الجديدة، وركزت اهتمامها ودعمها المادي والمعنوي عليها بشكل ملحوظ.

وتقلّد المئات من خريجي مدارس الأئمة والخطباء، مناصب رفيعة في الدولة، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى العشرات من النواب في البرلمان.

وقد مرّ على تأسيس مدارس الأئمة والخطباء، التابعة لوزارة التربية والتعليم التركية، نحو 68 سنة، وتعتبر مدارس دينية لكلا الجنسين.

وتحرص تلك المدارس على خلط الطلاب الأجانب والأتراك وعدم فصلهم، بهدف فرض مزيد من التأثير الديني عليهم.

وتتحرك المؤسسات التركية التي تعنى بالدين والتراث (وقف الديانة، ومؤسسة تيكا مترامية النفوذ) في كل اتجاه لإعادة ترميم المساجد والآثار العثمانية لإضفاء شرعية على التدخل التركي الراهن في دول نفوذها التاريخي، وهو تدخّل ناعم لا يصطدم بمشاعر الناس، وعلى العكس فهو يتقرب منهم ويبدو في نظر الكثيرين “تدخلا خيرا”.

لكنّ التوسّع في التعليم الديني تسبّب في قلق بعض الأتراك، وتوجد بين الآباء والمدرسين والمسؤولين التعليميين انقسامات عميقة حول دور الإسلام في التعليم، حيث أنّ معايير رئيسية تبين أن المدارس الإسلامية أقل أداء من المدارس العادية رغم كل ما تحصل عليه من تمويل إضافي.

وتوفر تلك المدارس تعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والسيرة النبوية والفقه والحديث والتفسير، بالإضافة إلى اللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب اللغة التركية.

ويمثل إحياء مدارس الإمام الخطيب جزءا من حملة أردوغان لجعل الدين محور الحياة في البلاد بعد هيمنة العلمانيين على مدى عشرات السنين.

وقال أردوغان من قبل إن من أهدافه تشكيل “جيل متدين.. يعمل من أجل بناء حضارة جديدة”.

وأدرجت تركيا محاور الدين والتعليم ضمن خُططها الأهم والأخطر لتتريك المناطق السورية التي تُسيطر عليها من خلال فصائل سورية مسلحة موالية لها تماماً، وذلك بالتوازي مع عمليات تغيير ديمغرافي واسعة تتعرّض لها تلك المناطق المُحتلّة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

إيران لا تكذب... لكنها تعيش في عالم غير العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

حازم صاغية

بدا المشهد خليطاً من فيلم سينمائي لألمو دوفار وفيلم آخر لكوينتين تارانتينو. إنّه مشهد سيّارة شيفروليه سوداء، أميركيّة جدّاً، جميلة ومهيبة معاً، تشقّ طريقها بين حشود ضخمة تهتف: الموت لأميركا. السيّارة كانت تحمل رفات قاسم سليماني الذي قتلته طائرة مُسيّرة، أميركيّة هي الأخرى.
المفارقة الضخمة التي رافقت جنازة سليماني في طهران اجتذبت تعليقات لا حصر لها على وسائل التواصل الاجتماعيّ. السخرية كانت طاغية على التعليقات، لكنّ هذا لم يردع أمين عامّ «حزب الله» حسن نصر الله عن الدعوة إلى... مقاطعة السلع الأميركيّة.
عالم من اللامعقول يتكشّف على نحو باهر أمام أعيننا. اللواء حسين سلامي، القائد الجديد لـ«الحرس الثوريّ» الإيرانيّ، يخبر قناة تلفزيون «الميادين» أنّ الظروف غير ملائمة الآن لمحو إسرائيل. غداً ربّما. هذا الكلام قيل بعد ساعات على ضربات إسرائيليّة جديدة استهدفت ضواحي دمشق وأصابت، على ما يبدو، مواقع إيرانيّة. في هذه الغضون، كان علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيرانيّ، يزور بيروت، ويعرض على الشعب اللبناني استعداد دولته لتقديم مساعدات اقتصاديّة له. المعروف للقاصي والداني أنّ دولته التي تتعرّض لعقوبات اقتصاديّة بالغة القسوة، بحاجة إلى أي معونة. قد يكون أشدّ قابليّة للتصديق أن يتطوّع لبنان المنهار ماليّاً لمساعدة إيران. على أي حال، فقد سبق لنصر الله أن نصح اللبنانيين بطلب العون المالي من الصين.
كذلك تَباهتْ إيران الرسميّة بمثال ديمقراطي تقدّمه للعالم، قاصدة انتخاباتها التي أجريت يوم الجمعة الماضي، لكنّ «مجلس صيانة الدستور» منع 80 في المائة من المرشّحين «الإصلاحيين» من الترشّح، ثمّ ردّد الإعلام الموالي لإيران أنّ «هزيمة الإصلاحيين مضمونة». استنتاج بالغ الموضوعيّة.
من جهة أخرى، يقول العالم إنّ محافظة إدلب السورية شهدت في الأيّام الأخيرة تهجير مئات آلاف البشر، وربّما بلغوا المليون، في واحدة من أكبر موجات التهجير في التاريخ. الإعلام ذو الهوى الإيراني يتحدّث، على العكس، عن انتصارات تاريخيّة تتحقّق في إدلب. وبالطبع، يذكّرنا الرسميّون الإيرانيّون، بين وقت وآخر، بأنّ الردّ المزلزل على اغتيال سليماني في طريقه. شيء ما، على ما يبدو، قد حصل على تلك الطريق!
الحال أنّ معظم الذين درسوا الأنظمة العقائديّة المغلقة لاحظوا أنّ الكذب، خصوصاً من خلال الدعاية السياسيّة (البروباغندا)، سمة أساسيّة من سمات اشتغال الأنظمة المذكورة. إنّها تكذب كما تتنفّس. لكنّ هؤلاء الدارسين الذين كتبوا، وكانوا يركّزون أساساً على النازيّة والستالينيّة، إنّما كتبوا في خمسينات القرن الماضي وستيناته. يومذاك كانت القطيعة تهيمن على أجزاء العالم المتخاصمة، وهذا ما توّجته الحرب العالميّة الثانية ومن بعدها الحرب الباردة. حينها كانت الأكاذيب قابلة للتصديق بسبب هذه القطيعة بالذات، وما رافقها من محدوديّة التواصل الإعلامي ومن قدرة على ممارسة الرقابة تعطيلاً للراديوات والتلفزيونات وغير ذلك. لقد كان جزء من العالم يعيش وراء «ستار حديديّ»، وفق تعبير تشرشل الشهير.
هكذا كان من الممكن مثلاً لكذبة، كإسقاط الطائرات الإسرائيليّة بالعشرات صبيحة 5 يونيو (حزيران) 1967. أن تعيش لساعات قبل أن يفضحها استماع القلّة بيننا إلى «بي بي سي» وباقي المحطّات الإذاعيّة الغربيّة. التغيّر بدأ مع قمّة هلسنكي في 1975 واتّساع ظاهرة المنشقّين السوفيات. لقد بدأ الخصم يعلم ما الذي يجري في بيت خصمه. لاحقاً كان للعولمة وثورة الاتّصالات أن دفعتا هذه الوجهة بعيداً إلى أمام. اليوم، حتّى تصديق الكذب لساعات، كما حلّ بنا في 1967، صار صعباً: إنّ الحدث يُشاهَد فيما هو يحصل، كما تقول الكليشيه التي صارت شهيرة.
إذن ما الذي تفعله إيران، ولماذا تكذب؟
في هذا الزمن المفتوح إعلاميّاً يُشكّ في أن تكون أقوالها من صنف الدعاية بالمعنى النازي أو الستاليني للكلمة. ذاك أنّ الأكاذيب وبالضبط لأنّها سريعاً ما تنكشف، باتت تؤدّي وظيفة مضادّة لما هو مقصود.
أغلب الظنّ إذن أنّ إيران لا تكذب، لكنّها أيضاً لا تَصدق. إنّها تؤسّس لواقع غير الواقع وتحاول العيش فيه. إنّها تؤسّس لعالم غير العالم. ربّما وُلدت هذه الرغبة مع قيام ثورتها في 1979: فهي باحتجازها العاملين في السفارة الأميركيّة بطهران أحدثت قطعاً مع المعنى المألوف للدبلوماسية. زعامتها المعصومة، الروحيّة والزمنيّة، التي ارتبطت بولاية الفقيه، هي غير سائر الزعامات. انتخاباتها غير سائر الانتخابات.
أمّا العيش في عالم غير العالم فليس ضمانة لصاحبه، وبالطبع ليس حجّة له. حتّى أنصار إيران يصعب، على المدى البعيد، أن يكتفوا بولائهم لها، أو إيمانهم بها، كي يصدّقوا ما لا يُصدّق.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية