الأزهر وأوكسفورد.. بداية واحدة ومآلات مختلفة

الأزهر وأوكسفورد.. بداية واحدة ومآلات مختلفة

مشاهدة

24/04/2019

يحكي مسار التعليم الديني بين الجامع الأزهر وأوكسفورد قصة حضارتنا وحضارتهم؛ بين الانعزال والتفاعل، والوصاية والاستقلال، بدأ التعليم بالجامع الأزهر، أقدم مدارس الشرق، العام ٩٨٩، وبعده بحوالي مئة عام، تأسست "أوكسفورد"، أقدم مدارس الغرب الناطقة بالإنجليزية، على غرار الأزهر في قواعده وأروقته العلمية، ونظامه الوقفي، وفي الوقت الذي لم تكن أوروبا قد عرفت المكتبات العامة، كانت مكتبة الجامع الأزهر، في القرن العاشر الميلادي، تحتضن مليوناً وستمائة ألف كتاب، وذلك قبل أن يُفكّر الخليفة في بيعها؛ ليُسدّد المرتبات المتأخرة للجند والموظفين.

اقرأ أيضاً: الأزهر يجدد نفسه لمواجهة أنجع مع جماعات الإسلام السياسي
لكن سرعان ما تجمّد الأزهر، وتحرّكت أوكسفورد، التي سبقت الأزهر، بسبعة قرون، في التحوّل إلى نظام التعليم الحديث في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي؛ فأنشأت كليات العلوم والفنون بينما تأخّر الأزهر في ذلك إلى منتصف القرن العشرين عندما دُفع إليه دفعاً العام ١٩٣٠.

يلخص مسار التعليم الديني بين الجامع الأزهر وأوكسفورد قصة حضارتنا وحضارتهم

وفي الوقت الذي جمد فقه الوقف في الأزهر، وفسدت نظاراته، طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي ملتزمة في إدارته بشفافية مالية وقانونية صارمة؛ ليصل الوقف العام ٢٠١٧ إلى نحو ١٤٢٩ مليون إسترليني (١٧٨٦ مليون دولار)، متمتعة باستقلالية عن الحكومة البريطانية في إدارة كامل شؤونها، حتى أصبحت واحدة من أفضل عشر جامعات عالمية.
وبالقدر الذي شجّعت أكسفورد مبكراً محاولات النقد، ومحاكمة أنساق المجتمع الثقافية، والدفع نحو المزيد من التفكير العلمي والعقلانية والإبداع والتفاعل مع متطلبات الواقع بما يُحدث حالة من التطوير والتغيير المستمر، أُحبطت تلك المحاولات في الأزهر قديماً؛ مثلما حدث مع أول دراسة نقدية لنظام التعليم الأزهري، للشيخ محمد الأحمدي الظواهري، في كتابه "العلم والعلماء ونظام التعليم"، العام ١٩٠٧، الذي أغضب أروقة الأزهر، والخديوي عباس حلمي الثاني، حتى أنّ شيخ الجامع الأزهر، الشيخ الشربيني، أمر بإحراق مخطوطة الكتاب الأولى.
ومثلما حدث مع الشيخ عبد المتعال الصعيدي في محنته الأولى، عندما نشر كتابه "نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر"، العام ١٩٢٤، منتقداً نظام العالمية الجديد (الإجازة العالية) لما فيه من تكرار لسلبيات النظام القديم من إهمال التخصص في العلوم، واقتصار كتبه على متون غامضة معقّدة تدور حولها الحواشي والشروح، واعتماده على طريقة تقليدية تلقينية في التدريس، لا تعنى بتربية مَلَكة الفهم والنقد، وتفتقد التدرّج، فتأخذ المبتدئين بما تأخذ به المنتهين، داعياً إلى تعليم اللغات، وإرسال بعثات إلى أوروبا، وإنشاء نادٍ ومجلةٍ للأزهر، وإنشاء مجمع علمي ولجنة تأليف، ومطبعة، فقامت الدنيا، ولم تقعد، وأُحيل للتحقيق الذي أوصى بعزله من المعاهد الدينية إلا أنّ العُقوبة خُففت إلى دون ذلك.

اقرأ أيضاً: الأزهر والإخوان المسلمون.. صراع يتجدد
وفي الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد عبر تاريخها بمسافات كافية تفصلها عن تقلبات السلطة السياسية، عجز الأزهر عن قطع الحبل السري الرابط بينه وبين السلطة السياسية، فمن رحم المشروع السياسي، وبتوجيهٍ منه، وُلد إصلاح الفكر الديني وتطوير التعليم الأزهري، مما جعله تابعاً له، ومتأثراً به، بل ومغضوباً عليه أحياناً؛ إذ لا تخلو العلاقة بين الإصلاحي والسياسي في تجاربنا الحديثة من وقوع تعارض يُؤدي إلى التضحية بالإصلاحي، بل ومعاقبته، فبعد جهود الشيخ الأزهري، رفاعة الطهطاوي، في تأسيس المدارس وإدخال العلوم الحديثة وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة في عهد محمد علي، نُفي الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأُوقف مشروعه في عهد الخديوي، عباس الأول، في ٤ كانون الأول (ديسمبر) ١٨٤٨.

رغم أسبقية تأسيس الأزهر بمئة عام لكن سرعان ما تجمّد وتحرّكت أوكسفورد التي سبقته بسبعة قرون

وبعد موت عباس الأول، ١٦ تموز (يوليو) ١٨٥٤، وتولّي  الخديوي سعيد باشا حكم مصر، أمر بعودة الطهطاوي من منفاه، وأسند إليه نظارات مدارس: الحربية والهندسة ومصلحة الأبنية، ومشروع مطبعة بولاق لطبع كتب التراث، لكن فجأة، على عادة الشرق، عزل الخديوي الشيخ الطهطاوي من العمل، العام ١٨٦١، وبقي دون عمل رسمي إلى أن مات الخديوي سعيد.
وفي محفل تتويج الخديوي توفيق على عرش مصر، قدّم الخديوي السيد جمال الدين الأفغاني إلى المصريين قائلاً: "أنت موضع أملي في مصر، أيها السيد"، ولم تمر سوى بضعة شهور حتى أمر الخديوي بترحيل "أمله" عن مصر، في ٢٤ آب (أغسطس) ١٨٧٩، وتحديد إقامة تلميذه الشيخ محمد عبده في قريته، حتى عفا الخديوي عن الشيخ بعد عام من الإقامة الجبرية، وأسند إليه رئاسة تحرير جريدة "الوقائع" المصرية، لكن سُرعان ما غضب عليه الخديوي مرة ثانية، وأصدر أمراً بنفيه خارج مصر؛ لمشاركته في ثورة عرابي ١٨٨١، ثم عاد وعفا عنه بعد ستّة أعوام من النفي، وسمح له بالعودة إلى مصر شريطة ألا يعمل بوظائف التعليم.

اقرأ أيضاً: عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: تنقية المناهج لمواجهة خطر فكر الإخوان
ورث عباس حلمي الثاني حكم مصر بعد موت أبيه، فقرّب الشيخ محمد عبده، وأسند إليه وظيفة أول مفتٍ للديار المصرية، وعضوية مجلس إدارة الأزهر، لكن لا تكاد تمضي بضعة أعوام حتى يغضب الخديوي على الشيخ؛ ويُؤلب عليه الجامدين من علماء الأزهر، وزاد الطين بلّة فتوى الشيخ وقتها بجواز الأكل من طعام غير المسلمين، والتزيّي بزيهم (البدلة)، فاتّهم الشيخ في دينه، واضطر إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر، ولاحقته الإساءات حتى مات حُزناً، في ١٥ تموز (يوليو) ١٩٠٥.

بينما جمد فقه وقف الأزهر طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي حتى وصل إلى ١٧٨٦ مليون دولار العام 2017

وفي عهد الملك أحمد فؤاد الأول؛ تُسند مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي يُشكّل لجنة برئاسته لدراسة سُبل إصلاح الأزهر، منتهياً إلى ما عُرف تاريخياً بمذكرة المراغي الإصلاحية، التي أثارت سخط الملك والجامدين من الأزهريين، وزادت الأمر سوءاً فتوى الشيخ بجواز ترجمة معاني القرآن الكريم التي نُظر إليها بأنها باب لتحريف القرآن الكريم، واضطر الشيخ إلى تقديم استقالته، في ٢ تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٢٩، والابتعاد عن الأزهر قرابة خمسة أعوام، حتى ثار طلاب الأزهر مطالبين بعودة الشيخ "المراغي" هذه المرة، ليس من أجل مذهبه الإصلاحي؛ بل لقوّته في الدفاع عن حقوقهم، فلم يعد خريجو الأزهر وحدهم من يعمل بوظائف القضاء والتعليم، فبات ينافسهم بقوة خريجو مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم، سيما أنّهم يجمعون بين العلوم القديمة والحديثة، وهذا ما دفع الأزهريين إلى قبول إجراءات إصلاحية محدودة من الشيخ المراغي، ومن قبله الشيخ الأحمدى الظواهري، أهمّها: إدخال بعض العلوم الحديثة إلى الأزهر، بعد عقود من الجمود والتقليد والرفض لمحاولات الشيخ محمد عبده.

اقرأ أيضاً: لماذا تدخّل شيخ الأزهر في قضية طالبة المنصورة؟
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ومشيخة الإمام محمود شلتوت للأزهر؛ صدر قانون العام ١٩٦١ لتطوير الأزهر، متضمناً حزمة من الإصلاحات التي قبلها الأزهريون على مضض وارتياب، فأُعيدت هيكلة الكليات الشرعية، وللمرة الأولى؛ أنشئت الكليات غير الشرعية، ومعهد للطلاب الوافدين، ودخلت اللغات الأجنبية ضمن برامج التعليم، وسُمح للفتيات بالالتحاق بالأزهر، لكن كما منحَ القانون للأزهر سلبَ منه، فنُقلت صلاحيات شيخ الأزهر إلى وزير خاص بشؤون الأزهر مما دفع بالشيخ محمود شلتوت إلى تقديم استقالته.

اقرأ أيضاً: عبدالغني هندي: التجديد الديني إشكالية لا تتعلق بالأزهر وحده
هكذا جاء تطوير الأزهر متأخراً عن أوكسفورد قرابة سبعمئة عام، وشأن كلّ محاولة إصلاحية تأتي من أعلى تمسّ الحجر وتخطئ الإنسان، تُغيّر في الشكل واللوائح لكنّها لا تنجح في إقناع العقول بضرورة استكمال مسار التغيير، فالمشروع السياسي للخديوي، ثم الملك، ثم الرئيس، هو ما دفع الأزهريين نحو التغيير، وليس قناعتهم بالرؤية الإصلاحية التي طرحها إصلاحيون، أمثال الطهطاوي أو عبده أو شلتوت، وفرق كبير بين أن يكون الإصلاح جوهرياً حقيقياً نابعاً من حيوية وتفاعل الأزهر مع أفكار التراث المتنوعة، ولمواجهة تحديات الواقع، ومجيباً عن أسئلة الحاضر، ومنفتحاً ومُشتبكاً مع الحضارة الحديثة، وبين أن يكون إصلاح الفكر الديني لتحقيق غايات سياسية مباشرة يُصيبها التغيّر أو التراجع أو الفتور.

في الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد تاريخياً بمسافات كافية عن السلطة السياسية عجز الأزهر عن ذلك

فلم تختلفْ تجربة الشيخ شلتوت مع الرئيس عبد الناصر عن تجربة الشيخ رفاعة الطهطاوي مع محمد على باشا وأبنائه، ولا عن تجربة الشيخ محمد عبده مع الخديوي توفيق وعباس حلمي الثاني، ولا عن تجربة الشيخ المراغي مع الملك فؤاد وفاروق؛ فكلّ واحدة منها مثّلت حلقة من حلقات التداخل بين المشروع السياسي ومسار إصلاح الفكر الديني، مما أضعف المسار الإصلاحي؛ فرغم أنّ الإصلاح، كفاعلية فكرية، نوع من ممارسة السياسة بآليات الفكر، وكون الممارسة السياسية نوعاً من ممارسة الفكر بآليات السياسة إلا أنّ بينهما اختلافاً نوعياً من حيث الآليات والغايات؛ ففي الوقت الذي تنشغل الممارسة السياسية بالهموم الآنية للسلطة، وتسعى نحو اليومي والمتغير والمباشر في خضم انشغالها باتخاذ القرارات، ينشغل المفكر الإصلاحي بتحليل وتفسير ظواهر أكثر عُمقاً وأبعد مدى، ويسعى نحو الجوهري والثابت والحقيقي الذي يقترب من حدود العلم.
ارتباط إصلاح الفكر الديني بالمشروع السياسي للسلطة ينحرف بالإصلاحيين عن مسارهم الحقيقي ويُدخلهم في دائرة البحث الدائم عن مبررات دينية للمواقف السياسية، فالسلطة تُراهن تارةً على مؤسسات الخطاب الديني الرسمي، وتارةً على الخطابات الدينية غير الرسمية؛ فقد راهن الملك فاروق في صراعاته الأخيرة مع الوفد على جماعة الإخوان المسلمين في ظلّ ضعف وهامشية تأثير أشكال العمل الإسلامي التقليدي حينها الأزهر والطّرق الصوفية وأنصار السنة المحمدية، وشهدت الحقبة الناصرية في بدايتها تقارباً مع "الإخوان المسلمين"، ثم اختلافاً ومواجهة لخطابهم بخطاب ديني رسمي أزهري، ثم عادت وتصالحت الحقبة الساداتية مع الجماعات، فانطلقت من الجامعات المصرية الجماعة الإسلامية التي خرج منها التيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين (التأسيس الثاني)، وعشرات الجماعات الجهادية، مستمدة تلك الجماعات زخمها من توحدها المزعوم مع دعوة الإسلام، وسعيها المستمر لاستعادة الأصل الديني الغائب، من منظورها، الخلافة الإسلامية.
وفي ظلّ تلك السجالات المتكررة يتراجع التجديد والإصلاح الذي يتطلب حيويّة فكرية، لا تنبع من المكانة الروحية لمؤسسة أو مدينة؛ ففي فترة ازدهار الحضارة الإسلامية نهضت مدن وليدة مثل البصرة والكوفة، ولم تنهض مدن ذات مكانة روحية مثل مكة والمدينة، فالنهوض الذي يسبقه إصلاح يأتي من تشجيع التفكير الإبداعي الحرّ والتواصل النقدي الخلاق مع الحضارة الحديثة للاستفادة من آليات إنتاج المعرفة في مجالات الدارسات الإنسانية، ومواجهة الاستقطاب الأيدلوجي والشّحن العاطفي بمزيد من العقلانية والحوار، والتصدى لدعوات الكراهية والتّعصب بالدعوة إلى التسامح والتعايش.


الصفحة الرئيسية