كيف يمكن للفكر الديني أن يكون طريقاً للإصلاح والتغيير؟

كيف يمكن للفكر الديني أن يكون طريقاً للإصلاح والتغيير؟

مشاهدة

13/11/2019

لا يتجلّى حضور الدين في واقع الاجتماع البشري إلا عبر الفكر الديني، وذلك عبر تفسيرات العلماء والمفسرين، وذلك بحسب توجّه كلّ عالم أو فقيه، وبحسب البيئة والزمن اللذَين يعيش فيهما، فكلمات الله المقدسة لا تتجلّى على أرض البشري النسبي إلا بوساطة التفسير البشري النسبي للعلماء، ولذلك نحن لا نملك أن يكون سؤالنا: هل الدين طريق للجمود أم للإصلاح؟ لأنّ الدين لا يحضر بذاته، والله تعالى لا يفسر ولا يوظف كلماته في توجيه البشر، إنّما العلماء هم من يقومون بهذا الدور.
كيف يسهم الفكر الديني في الجمود؟
ويمكن القول: إنّ الفكر الديني يمكن أن يصبح طريقاً للجمود، والتثبيت لأوضاع المجتمع، والتسكين لألم البشر واغترابهم عن واقعهم الاجتماعي، فحين يوجه رجال الدين الفكر الديني إلى البعد الآخروي، فإنّهم يريدون تسكين الشعوب المؤمنة على آلامهم، والصبر على الظلم، وعدم تحقق العدل في المجتمع، وعدم رفضهم لنهب ثروات المجتمع من قلة تسيطر على مقدرات المجتمع، والصبر على الحرمان في الدنيا حتى يجازوا على ذلك في الآخرة، وقبول الأمر الواقع بكلّ ما فيه على أنّه قدر محتوم، وتوظيف الإيمان بالقدر توظيفاً سلبياً من أجل تحقيق الثبات والسكون في المجتمع، وتوسيع دائرة التحريم والتأثيم في حياة البشر.

الفكر الديني الذي يسعى إلى الجمود والاستقرار السلبي تجده يتجه إلى الخوض في المشكلات الزائفة

وهنا نجد أنّ الفكر الديني يقوم بدور سلبي وهو ضبط حركة الأفراد، والسيطرة على أرواح البشر ليس من أجل التغيير والإصلاح، لكن من أجل الجمود والاستقرار؛ ولذا يكون الفكر الديني هو أداة الضبط الاجتماعي بالمعنى السلبي، وليس بالمعنى الإيجابي، وذلك بدعوى الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه.
كما أنّ الفكر الديني الذي يسعى إلى الجمود والاستقرار السلبي تجده يتجه إلى الخوض في المشكلات الزائفة؛ فيكثر الخوض في الشعائر الإسلامية والطقوس الدينية، ويكثر الخوض في قضايا العبادات، ويهمش قضايا المعاملات، ويكثر الخوض في الحيض والنفاس ويهمش قضايا العدل والحرية وفقه الواقع، ويهتم بالمشكلات الزائفة؛ كقضية الحجاب، ونكاح البهيمة، وإرضاع الكبير، والفصل بين الجنسين، وذلك في ظلّ الترويج الموسع لفقه الحلال والحرام، وتوسيع دائرة التحريم من أجل إخضاع البشر لسلطتهم الروحية.
الفكر الديني والإصلاح
وفي المقابل؛ فإنّ الفكر الديني يكون سبيلاً للإصلاح والتغيير حين يوجه في مجمله إلى التركيز على شؤون الحياة الدنيا، ويخوض في أهمية تعزيز الإصلاح والتغيير في المجتمع؛ لأنّ الدين عبر الفكر الديني التقدمي لا بدّ من أن يهتمّ بقضايا العدالة والحرية، وأهمية معالجة ما يسهم في إصلاح أوضاع المجتمع إلى الأفضل، وإلى الدفع به إلى الأمام، فيربط الفكر الديني نفسه بمعالجة قضايا التنمية والعمل وقيمته الفاعلة في حياة البشر، وبيان أنّ رسالة الدين تدعو إلى أهمية استخلاف الإنسان في الأرض في العمران، مؤكدين على قول الرسول عليه السلام: "إذا جاء أحدكم الموت وفي يده فسيلة فليغرسها".

اقرأ أيضاً: هل نجرؤ على تجديد الفكر الديني؟
إنّ الخطاب الديني الفاعل لا يركز على أهمية الاحتياجات الروحية للإنسان فقط، بل يسعى إلى بيان أن حدوث تحرير للروح الإنسانية لا ينفصل عن ضرورة تحرير الاحتياجات الجسدية والمادية للإنسان؛ لأنّ الروح لا تنفصل عن الجسد، والمعنوي لا ينفصل عن المادي.
ومن ثم لا يجوز أن يقوم الخطاب الديني بدعوى التقليل من المادي والغريزي من أجل الروحي، فهذا خلط واضح يستخدمه الفكر الديني للتهرب من معالجة قضية الحرمان الإنساني وتسكينها، في الوقت الذي لا يمنح الأغنياء من ثرواتهم حقوقاً للفقراء، فالفكر الديني الفاعل لا ينبغي أن يبتعد عن احتياجات الناس الحقيقية، فلا يمكن أن يكون دور الفكر الديني في مجتمعات الفقر هو تسكين الناس والدعوة للصبر على العوز والحاجة، بل ينبغي أن يبثّ روح التكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء، ويبثّ روح العطاء من قبل من يملك تجاه من لا يملك، والتركيز على ضرورة تحرير الإنسان من الفاقة والاحتياج؛ لأنّ المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

اقرأ أيضاً: تجديد الفكر الديني بين مسارين
الفكر الديني الراغب في التغيير والإصلاح لا بدّ من أن يدفع بتفسيره للدين نحو الأرض؛ لأنّه رسالة السماء للأرض وهي رسالة إصلاح وتغيير، رسالة من أجل الإنسان في دنياه قبل آخرته؛ بل إنّ رسالة الدين للإنسان بالنسبة إلى الآخرة هي رسالة من أجل الدنيا؛ وذلك لأنّ عمل الإنسان هو الذي يحدّد مساره في الآخرة.

ينبغي أن يسعى الفكر الديني إلى تغيير المجتمع وإصلاحه وألّا يركّز فقط على تعليم الطقوس والشعائر

وينبغي أن يسعى الفكر الديني إلى تغيير المجتمع وإصلاحه، وألّا يركّز فقط على تعليم الطقوس والشعائر، بل يرى ضرورة أن تكون هذه الطقوس مؤثرة في حياة الإنسان، فالصلاة تنهى عن المنكر والفحشاء والبغي، والزكاة تكافل للفقراء، والصيام تطهير النفس، وإحساس بمعاناة الفقراء، ودعوة إلى التصدق على الفقراء ومشاركتهم، كما ينبغي أن يرسّخ الفكر الديني الفاعل القيم الأخلاقية والفضيلة لما لها من عائد فاعل في المجتمع، فسيادة الأمانة والصدق والإخلاص والعدل في التعاملات البشرية في حياتنا اليومية لها مردود إيجابي على حياتنا اليومية، وعلى الحياة المادية في التعاملات بين البشر، وذلك لأنّ منظومة الأخلاق لا يقتصر تأثيرها على البعد الروحي للإنسان؛ بل يمتد أثرها الفاعل على مجمل الحياة الاجتماعية للإنسان.

اقرأ أيضاً: هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟
ويركّز الفكر الديني الفاعل على المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وهي: الحفاظ على النفس والدين والعقل والنسل والمال، فكلّ ما يسهم في الحفاظ على المقاصد الكبرى للشريعة التي هي الأصول المؤسسة للحياة الإنسانية، ينبغي أن يكون قصداً وهدفاً، ومن الضروري أن يهتم بما فيه مصلحة الإنسان في حياته الدنيا، فأينما كانت المصلحة كان شرع الله؛ لأنّ الشرع قد وضع مصالح العباد نصب عينيه.
يقوم الفكر الديني الفاعل والراغب في بناء الضمير الحي في وجدان الناس، وذلك لأنّ تمتّع الإنسان بضمير حيّ هو ما يجاوز ويفوق في تأثيره سلطة القانون على سلوكيات الناس وحياة الأفراد والمجتمع؛ فالضمير الحيّ يمنع من ارتكاب السلوكيات الخاطئة والمحرمة في السرّ والعلانية؛ لأنّه ضمير يخشى الله تعالى في كلّ الأحوال، ويكون الله تعالى حاضراً في حياة الإنسان في الأحوال.
إنّ الإسلام، كدين، يوصف بأنّه دين للجماعة، ودين يتداخل في حياة المجتمع، ولهذا كان من الضروري تطوير الفكر الديني المتعلق به بما يجعله ليس طريقاً للجمود والتخلف بل طريقاً للنهضة والتقدم، وأن يكون هذا الفكر دافعاً للمجتمع للتقدم، وليس معيقاً له، والأمر في النهاية يتوقف على طبيعة اجتهاد العلماء لتطوير هذا الفكر.


الصفحة الرئيسية